الفصل 472: انقلاب الموازين
أنهت «سنو» مؤتمرها ، ثم اتجهت عائدةً إلى المنزل. حيث كانت بحاجة إلى قسطٍ من الراحة ؛ فلكن قادرة جسدياً على هزيمة عشرين رجلاً في غضون دقائق معدودة إلا أنها كانت منهكة ذهنياً من كل هذا الصخب والضجيج الذي افتعله أفراد الحكومة وما يُسمون بالأحزاب السياسية.
من ناحيةٍ أخرى كان "مجلس الرموز " أشبه بخنجرٍ يُغرس مباشرةً في الأضلاع. و لقد امتلك الجميع عرض البيانات الذي قدمته "مجموعة كاردينال " ولكن حين عُرضت هذه الحقائق في مدنٍ شتى ، أحدث تأثيرها تسونامي من الآراء المتضاربة. تحول الأمر برمته إلى فضيحةٍ قلبت نموذج الديمقراطية رأساً على عقب.
كان المعلمون في المدارس يناقشون هذه القضية مع الطلاب ويطلبون منهم كتابة مقالات عنها ، ولم يقتصر هذا على الجامعات فحسب ، بل امتد ليشمل المدارس الثانوية والابتدائية كذلك. وفي غضون أسبوع ، بدأ سوق الأسهم يظهر نمطاً من عدم الاستقرار ، لكن "مجموعات الرموز " وحدها هي من ساندته وثبّتت أركانه.
اقتربت «بيرسي» من «ليو» بمقترحٍ حول الاستحواذ على الأسهم المتهاوية ، لكن الشاب رفض الأمر قائلاً إن الأمور ستستقر قريباً بما فيه الكفاية. حيث كانت «ليلي» مشغولة أيضاً في مدرستها ، ولم يعد أحد يقترب منها ؛ لأن «سنو» أصبحت منافسةً لأولياء أمورهم.
وعلى أية حال كانت «ليلي» سعيدة لأن أحداً لم يعد يزعجها. حيث كانت طفلةً تود أن تعيش حياتها بلا هموم كغيرها من الأطفال. فلم يكن لهم حق التصويت ، لكنهم كتبوا الكثير من الأفكار في جميع أنحاء البلاد ، وقد قامت وسائل الإعلام بتنقية تلك المقالات ثم بثّتها عبر القنوات كافة ؛ ففاضت مشاعر الناس وتأثروا بعمق حين سمعوا أن هذه الأفكار نابعة من عقول الصغار والمراهقين الذين يمثلون مستقبل الأمة.
وحتى أكثر السياسيين تشدداً لم يطيقوا الكراهية التي قوبلوا بها حين يخرجون من منازلهم. حيث كانت البيانات الواردة من وكالات التحقيق الحكومية دقيقة ، ولكن نجحوا في التستر على بعض الأمور إلا أنها لم تكن شيئاً يمكن التشكيك فيه. تضمنت البيانات العديد من التساؤلات التي طرحها المسؤولون الذين تولوا إدارة كل شيء في الخارج. حيث كان الوزراء والسلطات المحلية المعنية بصنع السياسات يكتفون بما يسد الرمق ، بينما كان بإمكانهم تقديم أداءٍ أفضل بكثير....
في قصر كاردينال كان «ليو» يلعب مع التوأم. حيث كانا يبنيان مكعباتٍ ويقهقهان بين الحين والآخر وهما يتحدثان إلى «ليو». كان الثلاثة غارقين في عالمهم الخاص. حيث كانت «سنو» مشغولة هذه الأيام ، فقد أرسلت هي وعائلات الرموز الأخرى أفضل إدارييهم لتشكيل حزبٍ أطلقوا عليه اسم "حزب تحرير البرسيم ". وقد قبل الملك مقترحهم بالسماح لهم بالترشح في الانتخابات بعد ستة أشهر.
كشفت عائلات الرموز للناس عن ثرواتهم بالكامل حتى الممتلكات التي يشاركون في ملكيتها أُفصح عنها ؛ بدءاً من ساعةٍ واحدة يرتدونها وصولاً إلى الثروة المتوارثة عبر الأجيال. و كما كشفوا عن أوجه استخدام أصولهم ، وعُرضت هذه القائمة في النطاقات العامة ، وحين اكتشف الناس حجم الأصول المستخدمة في الصالح العام ، أصيبوا بالذهول.
فخمسة وسبعون بالمائة من الأصول التي يملكونها كانت مخصصة للمنفعة العامة. و لقد تبرعوا بمبانٍ للكليات والمحاكم ، بل وأنشأوا شركات ركزت كلياً على هذا الجانب الخدمي. ورغم أن كل ذلك تم في الآونة الأخيرة إلا أن تأثيره كان هائلاً.
استخدمت عائلات الرموز الاستراتيجية ذاتها التي اتبعتها عائلة كاردينال ، فارتقوا في مراتبهم ، لكن حتى مع ذلك لم يتمكنوا من اللحاق بـ «ليو». كانت الانتخابات بعد أربعة أشهر ، وبعد ثلاثة أشهر ، سيتم التوأم عامهما الأول.
وعلى الرغم من أن «ليو» كان يعتني بالأطفال إلا أنه كان يدير أيضاً الأمور المتعلقة بالقاعدة القمرية. حيث كانت مواقع التعدين تعمل ، ورغم أنهم يستخرجون المعادن إلا أنها لم تكن تشبه المناجم التقليديه. كشفت الأبحاث في الشهر الماضي أن القمر ليس سوى كرةٍ من الغبار ، وفي حين احتوى على الكثير من الجسيمات المعدنية ، فقد أدى الحرارة والضغط الناجمان عن الفضاء والجاذبية إلى تكوين معادن متنوعة عُرفت على الأرض باسم "المعادن الخاصة ".
كانت القاعدة القمرية مشروعاً حساساً ، وكان الفضول يغمرهم. وفي ظل ماذا يجري في الساحة السياسية ، إذا حاولوا القيام بأي شيء يبدو كاستغلالٍ للموارد ، فستكون تلك فضيحة أخرى يتعين التعامل معها.
لحسن الحظ كان بناء القاعدة يمضي قدماً بشكل أسرع ، وقد اختاروا موقعاً ذا معدل اصطدام منخفض. "معدل الاصطدام " هو رقم يحدد عدد النيازك التي قد ترتطم بذلك الموقع. فلم يكن العاملون في مركز "السعاده القصوى " للأبحاث يجلسون مكتوفي الأيدي من أجل التسلية ؛ فمن أجل تعزيز الأمن ، أضافوا الكثير من مدافع الأيونات. حيث كانت تقنية سرية من الطراز الأول طورتها مجموعة كاردينال ، ومخصصة للاستخدام في المواقع العسكرية الاستراتيجية ذات المستوى العالي فقط ، وكانت القاعدة القمرية واحدة من تلك الأماكن.
لقد نما للوقت أجنحة وكان في عجلةٍ من أمره لم ينتظر أحداً. حيث كان «ليو» يقضي يومه في رعاية التوأم ، واصطحاب «ليلي» إلى المدرسة ؛ ففي الصباح كان يصفف شعرها ، ويعد لها الفطور ، كما كان يجهز الطعام للتوأم.
بعد شهرٍ آخر ، تنهدت «سنو» وهي تجلس في غرفة المعيشة. دلك «ليو» قدميها ، وسألها الشاب "هل الإيقاع سريعٌ جداً عليكِ هذه الأيام ؟ "
أومأت «سنو» برأسها وقالت "لم أكن أعلم أن هناك الكثير من المسيرات والفعاليات الشبابية. و لقد غطينا جميع الجامعات هنا في المدينة اليوم ، وهذه مجرد البداية ، فسننطلق إلى مدن أخرى ابتداءً من الغد. "
أومأ «ليو» وقال "ما رأيكِ أن تستخدمي المروحية للتنقل ؟ يمكننا التواصل مع الجامعات والأماكن الأخرى لتجهيز مهابط مؤقتة ، أليس كذلك ؟ "
أخذت الشابة نفساً عميقاً وأجابت "نحن نثبت لهم أننا سنصلح الأمور ، فكيف لي أن أستقل مروحية وأتجول بهذا القدر من التباهي ؟ "
هز «ليو» رأسه وقال "أنتِ تحاولين أن تكوني سياسية ، وتكثرين من التفكير في تصرفاتك. اعلمي هذا أنتِ لستِ سياسية. لا تكوني واحدة منهم ، استخدمي الموارد لتريهم معنى الرخاء. خذي السيارة الأيونية. أخبريهم بما سيحدث إذا فزتِ. روجي للفكرة. "
فكرت «سنو» في الأمر قليلاً وقالت "حسناً ، سأفعل ذلك. ما رأيك أن تطلب من «بيرسي» تخفيض الأسعار قليلاً حتى يدرك الناس مدى قدرة الجميع على تحمل تكلفتها. "
أومأ «ليو» قليلاً ثم قال "حسناً ، سأخبرها بذلك وستنزعج من هذا الأمر. "
ابتسمت «سنو» ثم سحبت قدميها قائلة "سأذهب إلى النوم الآن. "
بعد أن ودعها ، التقط الشاب هاتفه وأعطى تعليمات لـ «جون» بخصوص الموكب الجديد ، وطلب من «إليز» ترتيب الأمن وفقاً لذلك. و لقد استعانوا بنظام الذكاء الاصطناعي الذي صنعوه داخلياً ليساعدهم في ابتكار حلول مناسبة لكل شيء قد لا يستطيعون أخذه بعين الاعتبار.
لقد جعل هذا الأمر حياتهم أسهل ، وقد أخذت مجموعة كاردينال في الاعتبار تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف الناس ، ولهذا قدموا لجميع الموظفين دورةً تدريبية قصيرة حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز أفكارهم والخروج بحلول أفضل للمشاريع والمهام التي يتولونها.
حتى جيش "أمة البرسيم " كان يستخدم الطريقة ذاتها هذه الأيام ؛ فحتى حين توفرت لديهم خيارات نشر الروبوتات في الخطوط الأمامية ، تراجعوا عن ذلك لأنه سيخلق توتراً غير مرغوب فيه في الديناميكيات الجيوسياسية. لم تكن العائلة المالكة في "البرسيم " متعطشة للسلطة ، فقد كانت أيديهم ممتلئة بماذا يجري داخلياً ، فأين سيجدون الوقت لابتلاع البلدان الأخرى وتحمل كراهية بقية العالم ؟
في الصباح ، حين ارتدت «سنو» ملابسها لتنطلق مع مساعديها ، وجدت مجموعة من السيارات مصطفة في الحديقة. حيث كانت هذه المركبات انسيابية وقادرة على الطيران بسرعات عالية. حيث كانت التراخيص وارتفاعات الطيران قد حُددت واعترفت بها الحكومة منذ زمن طويل ، لكن «سنو» نظرت إلى زوجها الذي كان يستند إلى إطار الباب وتنهدت قبل أن تفرك جبينها قائلة "عزيزي ، هل هذا ضروري حقاً ؟ "
أومأ «ليو» وقال "عليّ الاطمئنان على التوأم ، وداعاً. "
أرسل لها قبلة في الهواء ثم استدار بلا خجل ليعود إلى الداخل وأغلق الباب. حيث كانت «سنو» واثقة من أنها تستطيع سماعه يضحك ؛ فقد شعرت بإحراجٍ شديد من المظهر الاستعراضي الذي ستبدو عليه. وبعد بضع دقائق ، تصالحت مع قدرها ودخلت مقصورة السيارة الطائرة. حيث كان الروبوت يجلس في مقعد القيادة ، وقد رحب بـ «سنو» قبل أن تصدر المركبة أزيزاً خفيفاً وترتفع عن الأرض ثم تلاشت في الأفق ببطء.