الفصل 1067: ذات يوم في ريعان الشباب
فجأة ، انبثقت الجدة المجنونة من العدم ، وشرعت في صراع مرير ضد "أفعى السماء الذهبية الملتهمة " وهي تولي ظهرها لتشين سيسي. حيث كانت حركاتها رشيقة وأفعالها فوق العادة حتى خُيل لتشين سيسي أن من المستحيل الربط بين هذه المقاتلة وبين تلك العجوز مأدوبة الظهر ، ذات الخطوات الوئيدة المتثاقلة التي عهدتها في مطعم "قلعة إله السحر السماوي ".
والآن ، بعد أن استدارت الجدة المجنونة لم يعد ثمة مجال للشك ؛ إنه الوجه ذاته. خطت بخطى ثابتة نحو تشين سيسي ، وأخذت بيدها لتعينها على الجلوس والاتكاء على جذع شجرة ضخمة كانت خلفها.
"شكراً لكِ يا جدتي. " كانت تشين سيسي غارقة في مزيج من الرغبة في البكاء والابتسام ؛ فلم تكد تصدق أن منقذها في هذه اللحظة العصيبة هي الجدة المجنونة. فلطالما أعدت لها الوجبات في قلعة إله السحر السماوي كل ليلة ، منتظرة إياها مهما طال الليل. لم تكن تشين سيسي قد ردت لها ذاك الجميل بعد ، والآن باتت تطوق عنقها بدينٍ جديد ، وهو إنقاذ حياتها.
لم تبدِ الجدة المجنونة فيضاً من العواطف ، بل اكتفت بالنظر إلى تشين سيسي بعين يملؤها الشفق وقالت "هل ما زال معكِ أي من الحبوب البودي ؟ تناولي واحدة على عجلة ".
أومأت تشين سيسي برأسها ، واستلت حبة بودي من المستوى الرابع من خاتم التخزين الخاص بها وألقمتها فمها. وبينما همت بنطق كلمات الشكر ، دوى صوت "طقطقة " مفاجئ من مكان قريب.
التفتت كلتاهما ، فإذا بشقوق متلاحقة تنبعث على سطح الجليد الذي يرسف فيه "أفعى السماء الذهبية الملتهمة " وهي تمتد بوضوح إلى ما فى الجوار. فلم يكن سيمضي وقت طويل حتى يتحطم ذاك القيد الجليدي شر حطمة.
اعتراها الذهول ؛ فقد ظنت الجدة المجنونة أن "تمائم الختم الجليدي " كفيلة بحبس الأفعى لعشرين دقيقة تقريباً ، لكنها لم تكن تحسب أن هذا المخلوق بمثل هذه القوة الجبارة. ففي غضون دقائق معدودة كان على وشك التحرر من وثاقه الجليدي.
"بسرعة ، فلنغادر! " كافحت تشين سيسي لتقف على قدميها. لم تكن آثار حبة البودي قد آتت أكلها بعد ، وحبة من المستوى الرابع لم تكن لتكفي لرأب جراح "روح سحرية " من المستوى الخامس بشكل كامل. حيث كانت عضلاتها وأحشاؤها لا تزال تئن من ألم مبرح ، لكن الوقت لم يكن ليسعفها للراحة.
وإدراكاً منها أنهما قد لا تقويان على مجابهة هذا الوحش الكاسر ، أعانت الجدة المجنونة تشين سيسي على المسير والابتعاد بسرعة. حيث كان استخدام "تمائم الختم الجليدي " قد استنزف شطراً كبيراً من طاقتها السحرية ، وبدا أن استحضار الأجنحة للطيران بتشين سيسي أمر مجهد للغاية ، لذا كان لزاماً عليهما السير لبرهة ريثما تستعيد قواها السحرية.
وبعد أن قطعتا مسافة قصيرة توقفت تشين سيسي والتفتت لترنو إلى الأفعى التي أوشكت أن تنفجر خارجة من سجن الجليد. انتابها حدس بأن الأفعى الذهبية لم تصب بأذى بليغ ، وأنها لن تزداد إلا شراسة وضراوة. ولن تبلغ سرعتهما في الفرار شأو سرعتها في المطاردة ؛ فالمواجهة كانت قدراً لا مفر منه.
"سيسي ، لِـمَ توقفتِ عن السير ؟ " حثتها الجدة المجنونة بلهجة ملحة.
هزت تشين سيسي رأسها وقالت بأسى "يا جدتي ، لسنا بوجوه سرعتها ، والهرب منها محال ".
"لكننا لا نقوى على هزيمتها " قالت الجدة والمخاوف تعتصر وجهها. فمن واقع قدرة الأفعى على تحطيم أختامها الجليدية التي استنفدت جلّ سحرها في دقائق ، أيقنت أنها ليست نداً لهذا الوحش من الرتبة السادسة. وتزيد الطين بلة جراح تشين سيسي البليغة ؛ إذ لم تلوح لهما أي بارقة نصر.
"انتظري هنيهة " همست تشين سيسي ، وعيناها مصوبتان بتركيز حاد نحو الأفعى بينما بدأت الأفكار المشتتة في مخيلتها تتبلور وتتخذ شكلاً واضحاً.
"يا جدتي ، صفتكِ الجوهرية هي الذهب ، أليس كذلك ؟ " سألت تشين سيسي وهي ترمقها بنظرة فاحصة.
ترددت الجدة المجنونة للحظة ، ثم أومأت برأسها "نعم ".
"لدي خطة. " وبينما كانت الأفعى لا تزال تصارع قيود الجليد ، أفضت تشين سيسي بخطتها بسرعة للجدة المجنونة.
"أو ينجح هذا ؟ " بدت الجدة متشككة ؛ ففي ناظرها كان الأمر مخاطرة كبرى ؛ فإن لم تصمدا حتى الرمق الأخير ، فمصيرهما الهلاك لا محالة. أما إذا ولتا الأدبار بكل قوتهما الآن ، فقد تظل هناك فرصة ضئيلة للنجاة.
وبجزٍّ على أنيابها ، قالت الجدة المجنونة بإلحاح "فلنفترق. سأشغل انتباهها ، وعليكِ بالفرار في الاتجاه المعاكس ".
امتقع وجه تشين سيسي ، وتشبثت بالجدة التي همت بالاندفاع نحو الأفعى ، وقالت بلهجة مخلصة "يا جدتي ، لا تفعلي ، إني أقدر نبل مقصدكِ ، لكنكِ لستِ كفؤًا لها بمفردكِ. إن ما تعتزمين فعله هو إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة. ولن نظفر بفرصة للفوز إلا بتآزر قوانا ".
تسمرت الجدة المجنونة في مكانها ؛ فما من أحد يختار الموت إذا ما لاحت له بارقة حياة.
قبضت تشين سيسي على يدي الجدة النحيفتين ، وقالت بصوت متهدج يغلبه الرجاء "جدتي ، صدقيني هذه المرة ، لعلنا نفلح! وإن حان الأجل في نهاية المطاف ، فليكن موتنا معاً ".
ارتجف كيان الجدة المجنونة ، وشخصت ببصرها نحو تشين سيسي في ذهول. فخلال سنوات عمرها التي نافت عن الثمانين كانت هذه هي المرة الثانية التي يعرض فيها أحد عليها مقاسمة الحياة والموت.
تراءت لها مشاهد من غابر السنين كانت قد توارت في طيات الذاكرة ، وظهرت غائمة في أحلامها وكأنها من حياة سلفت. والآن ، وهي تغوص في عيني تشين سيسي الحدقتين كالنجوم ، بدأت تلك الصور تنجلي وتتضح.
تلك السيدة الحسناء التي كانت تتدثر ببرود الجليد حين تغضب ، وتزهر ابتسامتها كالأقاحي حين تسعد ، قالت بصوت رقيق كالجواهر "شياو جين ، فلنمضِ إلى هناك لنرى ، فلا شك أن الوحوش الشيطانية في تلك الناحية أكثر إثارة ".
"شياو جين ، ابذلي جهداً أكبر ، فنحن الاثنتان معاً سنظفر بالنصر لا محالة ".
"آنستي ، ذلك الوحش الشيطاني أعتى من أن يُقهر ، لا يمكننا هزيمته ". في ذلك الأوان كانت الجدة المجنونة لا تزال فتاة في مقتبل العمر بضفائر طويلة.
"لا توجلي يا شياو جين. و إذا كان الموت قدرنا حقاً ، فسنمضي إليه معاً ". أمسكت آنستها بيدها تماماً كما تفعل تشين سيسي الآن ، وقالت بلهجة مشجعة.
في المرة الأولى التي طرقت فيها مسامعها سيرة الموت لم يداخلها خوف ، بل غمرتها سعادة غامرة. فآنستها التي خدمتها بكل إخلاص ، ذات الحسب والنسب والسطوة السحرية ، أعلنت عن استعدادها للموت معها ، وهي مجرد خادمة صغيرة.
آنذاك ، قطعت عهداً في سرها أن تظل بارّة بآنستها طوال حياتها ، وإن كان الموت حقاً ، فستكون هي الفداء وتسبق آنستها إليه.
ولكن ، ويا للأسف ، ظلت تلك الأمنية معلقة لم تتحقق.
في وقت لاحق ، حين أزف موعد زواج آنستها ، ابتهجت لها من أعماق قلبها. فلم يكن العريس رجلاً فارع الطول ووسيماً فحسب ، بل كان أهيب رجال "عالم الشياطين المقدس " ؛ وكانت آنستها على أعتاب أن تصبح "الحاكم الحكيم " الأكثر رفعة ونبلاً.
رافقت آنستها إلى ردهات القصر الملكي ، وأشرفت على تفاصيل حياتها اليومية ، وعايشت فترة حملها ، واعتنت بذلك الطفل الذي ورث من أمه الحسن والجمال.
خُيل إليها أن آنستها سترفل في أثواب السعادة الأبدية مع ذلك الرجل. بيد أن الرجل الذي عاهدها يوماً أن يكون درعها الواقي من المحن ، جلب لها أعتى العواصف حزناً وألماً في هذا الوجود.
خيانة مع خادمة القصر ، ولادة طفل غير شرعي ، وكون ذلك الطفل من سلالة ملكية... غدا كل فعل من هؤلاء جرحاً غائراً في سويداء قلب آنستها لا يندمل. ولأنها لم تطق صبراً على هذا الهوان ، قطعت حبال الوصال في ثورة غضب ، واختارت العزلة في غياهب القصر ، وأقسمت ألا تراه وجهاً لوجه أبداً.
رمى الجميع الآنسة بالقسوة وغلظة القلب ، غير أن "شياو جين " وحدها التي لم تفارق ظلها كانت تدرك مرارة الغصص والألم الذي يعتصر فؤاد آنستها.
وبوصفها الخادمة الأكثر وفاءً لآنستها ، أضمرت شياو جين في صدرها نقمة ضد "الحاكم الحكيم رويان " حتى وافت المنية الآنسة وألحق "الحاكم الحكيم رويان " نفسه بها منتحراً ، عندها فقط خبت نار نقمتها قليلاً.
نذرت نفسها لرعاية "الحاكم الحكيم تيان يو " حتى استوى رجلاً وتزوج ورزق بالذرية ، وحينها قررت أن تترجل وتعتزل بعد أن أتمت ما عليها من عهود.
لكنها ، وهي ترمق "يي يو " الصغير ، استشعرت في دخيلة نفسها أن هذا الطفل سيسلك سبيله نحو "قلعة إله السحر السماوي " ليغدو في نهاية المطاف "الحاكم الحكيم " المبجل القادم.