«النار! اشتعلت النار!»
كان المخيم هادئاً في السابق ، وما إن همَّ الكاهن الأصلي بالخلود إلى الراحة حتى انطلقت صرخاتٌ ثاقبة فجأة من الخارج.
«نار ؟ أين الحريق ؟»
مزّق الضجيج هدوء الكاهن وأعصابه ، وفور سماعه بخبر الحريق ، نهض مسرعاً وهرع إلى الخارج. بمجرد أن فتح الباب ، أصيب بصدمةٍ بالغة ؛ فقد رأى القرية بأكملها وقد التهمتها النيران التي تصاعدت ألسنتها نحو السماء ، وكانت المنازل الشرقية هي الأكثر تضرراً. و في تلك اللحظة كان عددٌ لا يحصى من أفراد القبيلة وعائلاتهم يفرون في حالة من الفوضى العارمة.
كان عقل الكاهن في اضطراب شديد ، وملامح وجهه متشنجة. أمسك بأحد الأهالي الذي كان يحاول إطفاء الحريق وصرخ فيه: «كيف بدأت هذه النار ؟»
كان الرجل مذهولاً وأجاب بسرعة: «لقد اخترق الأعداء الحواجز!»
«أعداء ؟! »
ارتجف جسد الكاهن ، ودفع الرجل جانباً ، ثم ترنح ونظر إلى الأفق. ومع تلك النظرة ، شحب وجهه أكثر فأكثر ؛ فبينما كانت مصادر النيران المحيطة لا تزال تحت السيطرة ، تحول الطريق أمامه بالفعل إلى بحرٍ من اللهب. حيث كانت الأشجار تحيط بالمخيم وتشكل حاجزاً طبيعياً ضد الأعداء في الماضي ، لكن هذا الجدار الشجري أصبح الآن فجوة هائلة تقطع تماماً اتصال المخيم بالعالم الخارجي.
هل أشعل أحدهم النار عمداً ؟
شعر الكاهن بالقلق ولكنه حافظ على رباطة جأشه ، فقد أخبره عقله أن هذا ليس مجرد حادث عرضي ، بل هو عملٌ مدبّر! ومع ذلك لم يعد يهم من أشعل النار ، بل كان الأهم هو تجميع الناس والهروب من هنا بسرعة ، قبل أن تحترق الأشجار الخارجية تماماً ، مما سيؤدي بالمخيم إلى هلاك محقق.
يا لها من مكيدة خبيثة! إنهم يهدفون إلى إبادة عائلتي بالكامل!
كزَّ الكاهن على أسنانه ، وامتلأ صدره بألم يكاد يمزقه! أخذ نفساً عميقاً وصرخ بقوة: «ليأتِ الجميع إليّ! لا يمكننا إطفاء هذا الحريق! من أراد النجاة فليتبعني ، سنخترق الحصار!»
كان وجه الكاهن شديد القتامة ، وعقدا حاجبيه ، وكان غضبه يثير الرعب في القلوب. أيقظ الخوف عقول بعض الناس ، فهدأ البعض منهم ونظموا عائلاتهم وتجمعوا معاً. تزايد عدد الأشخاص تدريجياً ، وألقى الكاهن نظرة على الحشد المكلوم من حوله ، وشعر وكأن سكيناً تُغرس في قلبه.
ألقى نظرة أخيرة على المخيم المدمر ، ثم صرّ على أسنانه وزأر: «لم نعد نستطيع إنقاذ المخيم ، لا داعي للذعر! سنخترق الحصار الآن!»
دُمرت سنوات من العمل في لحظة واحدة ، وامتلأ قلب الكاهن بمرارة لا توصف ، لكن طالما بقي حياً ، فهناك أمل. وطالما تمكنوا من الخروج ، فما زال لديه فرصة لقلب الطاولة. ورغم شعوره بالأسى الشديد ، تقدم الكاهن بخطواته ، وقاد الجميع خارج القرية………
نار.. النار في كل مكان. جعلت ألسنة اللهب المتأججة النهار يبدو كأنه ضباب أصفر ، وارتفعت صرخات الذعر مختلطة بنداءات الاستغاثة الخافتة من المخيم المجاور.
راقب «تشانغ جيان شيونغ» كل شيء ببرود ، وقال لنفسه إن هذا ليس وقت التعاطف ؛ فهؤلاء ليسوا بشراً ، بل هم مجرد مجموعة من الأعداء. حيث كان «تشانغ جيان شيونغ» في وقت السلم قائداً في العالم السفلي ، وكانت مشاهد القتل مألوفة جداً بالنسبة له. ورغم أنه ليس بخبرة «وي شون» ، ولا بكفاءة «شو زي» إلا أنه في هذا الموقف لم يكن يملك إلا الاعتماد على الجدارة لكسب انتباه «تشين فينغ» ، ومن ثم تأمين فرص للارتقاء.
حجبت النيران أمل معظم الناس في الهروب ، ومع ذلك لا بد من وجود بعض المحظوظين الذين سينجون ، وكانت المعركة الدامية حتمية. مر الوقت ثانية تلو الأخرى ، ومع ارتفاع صرخة مدوية ، ركض الأهالي الذين تجمعوا منذ فترة طويلة نحوهم من بعيد. اندفعوا بتهور وسط النيران المستعرة ، وكانت وجوههم مليئة بالفوضى والتعجل ، وما إن رأوا الأعداء بأعينهم حتى استبد بهم الجنون ، فرفعوا أسلحتهم واندفعوا نحو المحاربين.
لكن لم يعلم أحد منهم أن ما كان ينتظرهم ليس النجاة ، بل طريق كئيب نحو الموت.
«ارفعوا أسلحتكم!»
كان وجه «تشانغ جيان شيونغ» بارداً كالثلج ، وعيناه تفيضان بهالة جليدية ، وكأنه يفرغ أحلك مشاعره ، صرخ بكل قوته: «أطلقوا النار!»
جاء كل شيء بسرعة وبشكل مفاجئ ؛ النار كانت كذلك وكذلك كان وابل الرصاص أمامهم. اشتعلت النيران في المخيم ، وفر الحشد ، لكن ما كان أمامهم لم يكن طوق نجاة ، بل وابلاً مظلماً من الرصاص. حيث كان الأهالي في حالة من الفوضى ، وتحت تهديد الموت ، حاول الكثير منهم الهروب بتهور!
تفاقمت نيران المخيم ، وسُدّت طرقهم ؛ في تلك اللحظة كان الأهالي المذعورون محاصرين فعلياً ولا مكان لهم للفرار. حيث كانت مجزرة دامية ؛ فبعض المحاربين كانت قدرتهم على التحمل محدودة ، فارتعدوا وهم يواجهون المشهد ، وجثث متناثرة في كل مكان ، قتلى برصاص ، ومصابون في أرجلهم يئنون ، والآخرون دُهسوا حتى الموت في حالة الذعر. حيث كان المشهد مؤثراً جداً ، لدرجة أن أحد المحاربين الشباب لم يستطع التماسك وقاء عصارة معدته.
راقب «تشانغ جيان شيونغ» كل ذلك ببرود. مات الكثير من الناس ، وكانت تفصل بين الحياة والموت بضع عشرات من الأمتار. وفجأة ، رأى صبياً مراهقاً كان بإمكانه أن يعيش حياة طويلة ، لكنه الآن ملقى بلا حراك وسط الدماء.
الحرب قاسية ، وبالنسبة للقتلى والقاتلين على حد سواء ، فإنها تترك ظلالاً نفسية لا تُمحى. مات ما يكفي من الناس ، ومع ذلك لم يستطع «تشانغ جيان شيونغ» التوقف ، لأنه حتى تلك اللحظة لم يتلقَّ أمراً من «تشين فينغ» بالتوقف. حيث كان يعلم جيداً من منحه كل شيء ، وبالمقارنة مع الأهالي "المثيرين للشفقة " لم يكن هناك سوى شخص واحد يمكنه أن يجعله يتوقف عن القتل ، وهو «تشين فينغ». وبدون أوامر من الأعلى لم تنتهِ المعركة.
«#&…»
في هذه الأثناء ، أصبح الهواء فجأة عكراً ، وانبعثت رائحة نتنة قوية جعلت المرء يشعر بالغثيان. حيث كانت الرياح الباردة تهب من التل كأنها سكاكين تقطع الجلد ، لا تطاق ، خاصة مع الرمال التي تهيج العيون. حيث صرخات في كل مكان ، وجثث في كل ناحية.
«لا!!!»
برؤية كل هذا ، اتسعت عينا الكاهن غضباً ، وانفجر غضبه غير المسبوق. و الآن ، استطاع أخيراً التأكد من أن هذا كان اعتداءً مُبيتاً ؛ النار ، الرصاص ، وحشود الأعداء. كل ذلك شكل المجزرة أمام عينيه ، وأفراد قبيلته يموتون أمامه.. وجهاً تلو الآخر من الوجوه المألوفة تحول إلى جثة هامدة. حتى كجلاد لم يكن يعلم كم من الأرواح قُدمت في حياته كقرابين ، امتلأ قلبه بالأسى والغضب ، لكن الأغلب كان العجز والرعب.
كان الكاهن خائفاً ، ولكن الأشد كان شعوره بالحقد! الخوف ، الكراهية ، العجز ، الرعب ، والهلع ؛ مزيج من المشاعر التي دفعته لاتخاذ قرارٍ ما. ارتعش ، وسحب خنجراً ، وطعن به صدره بعنف.
«سعال.. سعال!»
سقط الكاهن على الأرض وهو يسعل ، والدماء تسيل من زاوية فمه ، وعيناه محتقنتان بالدم ، يتمتم بكلمات ، وفي الوقت ذاته ، ارتفع ضوء خافت فوق الدماء المحيطة ، بدا كطاقة تم امتصاصها نحو الأفق.
«بوووم!»
بعد ذلك بوقت قصير ، دوّى انفجار درامي من بعيد. انتشرت هالة قوية ومرعبة حتى المحاربون المتمرسون في القتال أظهروا صدمتهم ، غير مدركين لما حدث.
هل هو زلزال ؟
وقفت «سيدة الشؤم» جانباً ، فمعارك من هذا العيار لم تكن تستدعي تدخلها ، لكنها عند شعورها بهذه القوة ، شحب وجهها أيضاً. و هبطت قوة هائلة على هذه الأرض ، وكانت «سيدة الشؤم» ، بصفتها محترفة ، تشعر بالطاقة بحدة أكبر من الناس العاديين.
برؤية الحشد المذعور ، ابتسم الكاهن ابتسامة جنونية ، واستجمع قواه الأخيرة ، وزأر من أعماق صدره بكلمة لو تُرجمت إلى لغة بني آدم ، لكان معناها: «الدمار!»