في أعماق الهاوية، تلقى "باي يان" مجدداً استغاثةً عاجلة من "سورون".
فمنذ أن أعاد "باي يان" تكليف "شين جيولو" بمهمةٍ خارج الهاوية لتنفيذ خطة اجتياح "بحر النجوم اللامتناهي"، تباطأ معدل التقدم في تطهير طبقات الهاوية بشكل ملحوظ.
في السابق، كان تطهير طبقة واحدة في العالم الفاني يستغرق يوماً أو يومين، أما الآن، فبعد مرور ثلاثة أيام بلياليها، لا يزال محاربو الشياطين عاجزين عن تجاوز الطبقة التاسعة والتسعين.
ولم يكن هذا العجز ناتجاً عن تقصير من "سورون" أو قلة اجتهاد، بل لأن الأعداء في هذه الطبقة كانوا يفوقونهم قوةً بمراحل.
إن الطبقة التاسعة والتسعين شاسعة المدى، لدرجة أنها تضاهي في مساحتها الطبقة الأولى الخاصة بـ "باي يان"، وهنا تبرز القوة الفائقة لكل شيطان من رتبة "القديسين"؛ ورغم أنهم لم يصلوا إلى ذروة قوتهم كما هو حال محاربي الشياطين، إلا أن بأسهم لم يكن يستهان به أبداً.
علاوة على ذلك، يتمتع سيد الشياطين في هذه الطبقة بموهبة فريدة؛ فبمجرد حضوره في أرض المعركة، تتضاعف قوة جنوده فوراً وترتقي بمقدار مستوى كامل، لذا ففي كل مرة يظهر فيها، يتمكن شياطينه من مجابهة محاربي الشياطين نداً لند.
ووقف "سورون"، القائد المسؤول عن خط معركة الهاوية، عاجزاً عن التعامل مع سيد الشياطين هذا؛ فهو ليس مجرد قائد محنك فحسب، بل إن قوته القتالية الفردية تتجاوز بكثير جميع أسياد شياطين الهاوية الذين واجهوهم حتى الآن.
حتى أولئك القادة الذين أذاقوا "سورون" الويلات في الماضي، لم يبلغوا شأو هذا السيد الشيطاني أو يقتربوا من مستوى قوته.
وأمام هذا الاستعصاء، لم يجد "سورون" بداً من رفع نداء استغاثة لطلب التعزيزات.
بعد تلقيه نداء "سورون"، لم يهرع "باي يان" إلى الهاوية فوراً، بل تريث وصفى ذهنه، وغمر إدراكه الإلهي في "نهر الزمن" ليستشرف المستقبل.
تمتم قائلاً: "لن يطرأ أي حدث جسيم في الأيام القليلة المقبلة؛ لذا فهي فرصة سانحة لزيارة الهاوية وحسم الأمور العالقة هناك".
وبعد أن استطلع "باي يان" أحداث الأيام القادمة عبر "نهر الزمن" وتأكد من استقرار الأوضاع، انطلق بهدوء نحو الهاوية، متوجهاً مباشرة إلى الخطوط الأمامية.
كان لوصول "باي يان" وقع السحر في نفوس المقاتلين؛ فبالنسبة لجميع محاربي الشياطين، كان ظهوره بمثابة الروح التي دبت في الأجساد المنهكة، فانقلبت الموازين رأساً على عقب بعد أن كانت الكفة تميل لصالح العدو، وبذل المحاربون قصارى جهدهم لاستعادة زمام المبادرة.
لقد وضعوا ثقتهم المطلقة في "باي يان"، فهو القائد الذي لم يخذلهم قط.
وبالمقابل، لم يكونوا ليرضوا لأنفسهم أن يكونوا سبباً في خيبة أمله.
"أيها المحاربون! استجمعوا قواكم واحتشدوا! أنا معكم وبجانبكم!"
هتف "باي يان" وهو يقف في قلب الفضاء، مثبتاً نظراته على محاربي الشياطين في الأسفل وهم يزأرون بحماس.
لكن في اللحظة التالية، تخلل إلى مسامعه صوت غريب وغير مألوف.
"هل أنت المدعو باي يان؟"
وبينما كان "باي يان" يهم بإصدار أوامره النهائية لبدء الهجوم الكاسح، باغته هذا الصوت. وبفضل قوة بصيرته الإلهية، تمكن سريعاً من تحديد مكان الشيطان الذي طرح السؤال.
وجه "باي يان" نظره نحو مؤخرة خطوط العدو؛ كان المتحدث يقف في مقدمة المعسكر المقابل، ويبدو بوضوح أنه سيد الشياطين الطاغية للطبقة التاسعة والتسعين!
"بالفعل، أنا باي يان. وأنا هنا الآن لأغزو أراضيكم؛ فهل لديكم ما يمنع؟"
تفرس "باي يان" ببرود في هيئة سيد الشياطين الذي لم يبدُ عليه الجبروت المعتاد، فقد كان من سلالة "طاغية لهب الشياطين"، لكنه اختلف تماماً عن أقرانه من تلك السلالة.
فلم يكن يمتلك تلك الهيبة الطاغية التي تميز شياطين اللهب، ولم تتصاعد من جسده النيران المستعرة، ولم يزأر غضباً كعادتهم؛ بل كان هادئاً رزيناً إلى أبعد الحدود.
"لدي بعض التحفظات، لكني أدرك تماماً أنني لن أصمد طويلاً أمام زحف قواتكم، لذا اخترت الاستسلام طواعية، آمالاً أن تقدروا مكانتي وتأخذوا وجودي بعين الاعتبار. اسمي بنزيما."
شعر "باي يان" بشيء من الدهشة والارتباك؛ فرغم أن كفة المعركة مالت ضدهم بوصوله، إلا أن الوضع لم يصل بعد إلى درجة اليأس التي تستدعي الاستسلام دون قتال من قائد بقوة "بنزيما".
إن قرار الاستسلام في هذه اللحظة بالذات يوحي بأن "بنزيما" يضمر خطة ما أو يرى ما لا يراه غيره.
"ما الذي تعرفه بالضبط؟"
سأل "باي يان" وهو يراقب "بنزيما" الهادئ، بينما بدأت ملامح عقد شيطاني تتشكل في كفه.
أجاب "بنزيما" بوقار: "يا سيد باي يان، إنك مقدر لك في نهاية المطاف أن تصبح الحاكم الأوحد للهاوية؛ وكل من سيجرؤ على الوقوف في وجه زحفك سيؤول إلى الفناء".
كان "بنزيما" يتحدث بجدية تامة، مما أثار تساؤلات أعمق في نفس "باي يان".
"لماذا هو واثق من هذه النتيجة إلى هذا الحد؟ رغم أنني أؤمن حقاً بأنني سأكتسح الهاوية بأكملها وأصبح سيدها المطلق، إلا أن يقينه يثير الشك؛ ما السر وراء هذه الثقة المطلقة بي؟"
تضاربت الأفكار في ذهن "باي يان"، لكنه لم يتردد في قبول استسلام "بنزيما".
"وقع على هذا العقد، وسأقبل استسلامك."
ألقى "باي يان" العقد المشبع بالهالة الشيطانية، فبقي يحوم في الفراغ أمام "بنزيما".
وكأن "بنزيما" كان يتوقع هذا المطلب، فلم يتردد ولم ينبس ببنت شفة، بل سارع بتوقيع اسمه الحقيقي على عقد الشيطان.
"أنا بنزيما، سيد الطبقة التاسعة والتسعين من الهاوية، أقود ثلاثة عشر مليون شيطان تحت لواء السيد باي يان."
ثم جثا "بنزيما" على ركبة واحدة إجلالاً، وفي تلك اللحظة، خرّ جيش الشياطين العرمرم الذي كان تحت إمرته ساجداً في آن واحد، مؤدين التحية العسكرية بكل احترام ومهابة لـ "باي يان".
ولحسن الحظ، كان محاربو الشياطين منضبطين، فتوقفوا عن الهجوم فور رؤية أعداء الأمس يستسلمون صاغرين، بل وقاموا بإبطال تعاويذهم السحرية وهي في الهواء لمنع وقوع أي إصابات غير مقصودة.
"أحسنت صنعاً يا سورون، اذهب وأتمم إجراءات الاستلام."
كان عقل "باي يان" يضج بالتساؤلات، وكان يتوق للانفراد بنفسه ليتدبر الأمر، فوكل مهمة قبول الاستسلام الرسمية إلى "سورون" الذي كان يقف بانتظار أوامره.
لم يوجه "باي يان" أي لوم لـ "سورون"؛ فقد كان يدرك تماماً حجم الضغوطات وحدود قدراته، وفي مواجهة خصم داهية وقوي مثل "بنزيما"، كان مجرد الصمود ومنع الهزيمة إنجازاً يستحق الثناء.
"أمرك مطاع يا سيدي."
رغم يقين "سورون" بقوة سيده، إلا أن رؤية هذا المنافس الشرس، الذي خاض معه معارك طاحنة، يستسلم خاضعاً بمجرد ظهور "باي يان" كان مشهداً يفوق التصور.
لولا معرفته الوثيقة بأن "باي يان" لا يسعى للمظاهر، لظن أنه يشبه أولئك الأبطال الأسطوريين في الروايات الملحمية الذين تنحني لهم الجباه بمجرد ظهورهم.
إن استسلام "بنزيما" أكد حقيقة واحدة: كلما توغل المرء نحو المستويات الأعمق من الهاوية، زادت الأسرار التي يحملها أسياد الشياطين هناك.
بدأت الرؤية تتضح لـ "باي يان" تدريجياً، لكن شعوراً دفيناً من الريبة بدأ يساوره.
تتكون الهاوية من مائة طبقة؛ وهذا أمر تأكد منه مراراً، ومن المرجح أن الطبقة المائة هي الملاذ الذي يقبع فيه رفيقه القديم، الشيطان الأكبر.
لكن السؤال الذي بات يؤرقه: هل سيكون جميع أسياد الشياطين في الطبقات من الحادية والتسعين إلى التاسعة والتسعين مثل "بنزيما"؟ هل سيختارون الاستسلام بمجرد استعراض القوة؟
أخذ هذا التساؤل يلح على ذهنه، وجعله يتساءل عما إذا كان يجدر به المضي قدماً في هذا المسار.
ولما لم يجد "باي يان" جواباً شافياً يهدئ من روع أفكاره، قرر تنحية الأسئلة جانباً وعاد إلى المذبح القابع أسفل الطبقة الأولى من الهاوية.
"سأركز على الارتقاء بقوتي أولاً، وبعدها لكل حادث حديث!"