"أحقاً يمتلك (باي يان) وأتباعه هذا البأس الشديد؟ فما السبيل الآن؟"
رأى من تبقى من قادة سلالة الشياطين كيف سِيقَ ما يزيد على عشرة ملايين جندي من (جياوزو) نحو جزيرة الشياطين، عندئذٍ، انبرى القائد (ثعلب الفتنة) متقدماً ليسأل سائر ملوك الشياطين بنبرةٍ يملؤها الوجل.
"سيدي (مارشال النمر الشيطاني)، ألا ترى وجوب الزج بجميع المحاربين في هجومٍ كاسحٍ واحد؟ لنستغل كثرتنا في سحقهم سحقاً، فالهجوم فُرادى قد يجرُّ علينا ما لا نطيق، وأخشى أن…"
تقدَّم القائد (وان شي) من عشيرة الشياطين الصخرية ليدلي بمشورته إلى (مارشال النمر الشيطاني)؛ فبعد هلاك (الثعبان الأسود)، صار (وان شي) الأقوى بين القادة الثمانية المتبقين، وكان لزاماً عليه أن يبدي رأيه في تلك المعضلة.
"لقد أصاب القائد (وان شي) كبد الحقيقة، فليكن الأمر كما قال. هلمّوا جميعاً، انخرطوا في المعركة بلا إبطاء، وابذلوا قصارى جهدكم لحصار (باي يان) في هذا النطاق النجمي وألا يفلت منكم أبداً!"
كان (الثعبان الأسود) يتيه كِبْرًا، شأنه في ذلك شأن سائر جنس الشياطين تقريباً، غير أن اندحاره هو وجيشه البالغ قوامه خمسة عشر مليوناً على يد (تشين جيولو)، جعل ما تبقى من القادة الثمانية و(مارشال النمر) يتخلون عن كبريائهم الزائف، مُدركين أن الغرور في ساحة الوغى لا يورث إلا الهلاك.
"إلى القتال!"
زأر (مارشال النمر) مقتحماً المعركة بنفسه؛ فبعد أن كان يعتزم مراقبة الموقف عن بُعد، اضطر لقيادة الهجوم حين رأى فتوراً في عزيمة القادة الثمانية ووهناً في بأسهم. ومن حُسن الطالع، ما إن وطئت قدماه الميدان حتى انقشع التردد عن قلوب القادة، فاستنفروا جحافلهم لشن هجومٍ ضارٍ ومحموم على (باي يان) وجزيرة الشياطين.
غير أن الفضاء السرمدي كان من الشساعة بحيث بدت الجزيرة العائمة فيه كقطرةٍ في بحرٍ لجيّ، فيما تراءى جيش الشياطين العرمرم -بالمئة والخمسين مليوناً- كموجٍ هائجٍ يوشك أن يطبق عليها.
"فيلق مدافع (مبيدة الآلهة) على أهبة الاستعداد! ننتظر أوامرك يا سيدي!"
هكذا هتف الضابط المسؤول عن تشغيل المدافع حين ظهر خلف (باي يان)، مُعلناً جهوزية السلاح الفتاك.
"صوّبوا نحو سلالة الشياطين وأمطروهم بنيرانكم! لا تأخذكم بهم رحمة، أطلقوا النار بلا هوادة!"
وقف (باي يان) خلف النافذة يرمق زحفهم بعينين حادتين، وابتسامة فاترة تلوح على ثغره، ثم تمتم بصوتٍ مسموع: "العلم هو ميزان القوة، واعلموا يا جنس الشياطين أنَّ من تخلَّف عن ركب الحضارة فقد استحق الهزيمة. اليوم، سألقنكم هذا الدرس نيابةً عن أسلافكم!"
وبإشارةٍ منه، برزت فوهات مدافع (مبيدة الآلهة) من أرجاء الجزيرة، مشحونةً بكامل طاقتها. كان تصميمها المروع ووميض الطاقة الكامن فيها كفيلين ببثّ الرعب في أفئدة المهاجمين.
"تفرّقوا! تأهبوا للدفاع!"
صرخ (مارشال النمر) محذراً. لم يكن بمقدوره الدفع بسفن (الحيتان الشيطانية) الطائرة لقلتها جراء الحروب الغابرة، ولصعوبة استئناس تلك المخلوقات وتربيتها، فآثر قيادة جنده في هجومٍ مباشر. لكن (باي يان) اغتنم هذه الفرصة، عازماً على سحقهم بمدافعه المدمرة.
دوى أزيزٌ صاعق، ثم انطلقت الحمم الطاقية من مدافع (مبيدة الآلهة) بهياجٍ منقطع النظير! انبعثت أشعةٌ لا تُحصى من قلب الجزيرة، لتخترق صفوف الشياطين وتمضي بعيداً في سحيق بحر النجوم. كل مدفعٍ أفرغ حممه بأقصى طاقة، فاحترق كل من صادفه في طريقه. لم يقوَّ كائنٌ على مجابهة ذلك الوابل، حتى قادة الشياطين أنفسهم، مهما بلغت مهاراتهم الفذة، خروا أمامها صرعى.
فالقائد (وان شي)، سيد العشيرة الصخرية، كان يملك القدرة على تحويل جسده إلى أصلد صخرةٍ في الكون، لدرجة أنه كان يصدُّ جلَّ الهجمات في هذا النطاق، ومع ذلك، خذلته قوته أمام صولة المدافع (المبيدة للآلهة). لقد تلقى ضربةً مباشرة من مدفعٍ رئيسي يتجاوز قطره خمسمئة متر؛ قاوم في الوهلة الأولى، لكنه حين أدرك الهلاك وحاول الفرار، باغته الانفجار قبل فوات الأوان. لم يكد يبتعد بضعة أمتار عن محيط الانفجار حتى استحال أشلاءً مبعثرة، رغم استنفاره لكامل قواه الخارقة في محاولةٍ يائسة للنجاة.
أما القائد (ثعلب الفتنة)، فقد ناله نصيبه من سوء الطالع، إذ تلاشى جسده كالبخار لحظة إصابته؛ فقد شاءت الأقدار أن يقع في قلب مسار المدفع العملاق الوحيد الذي يبلغ قطره كيلومتراً كاملاً، فلم يترك له أثراً.
بعد جولةٍ واحدة من القصف المطبق، ومن أصل مئة وثلاثين مليون جندي، لم يتبقَّ من سلالة الشياطين إلا النزر اليسير الذي لا يتجاوز بضعة ملايين! يا له من مشهدٍ يخلع القلوب!
خيّم الذهول على من بقي حياً، وعلى رأسهم (مارشال النمر). كانوا يدركون بأس (باي يان)، لكنهم لم يتخيلوا قط أن تبلغ قوته الحربية هذا المبلغ من الدمار! لو أدركوا ذلك لَما زجّوا بجنودهم في تلك التهلكة بتهور. لقد ظن المارشال أن الضغط العددي سيربك حسابات (باي يان)، لكن سهم ظنه طاش، وكلفه ذلك آخر فرصة للنجاة.
"سأمنحكم فرصةً الآن؛ فمن أراد السلامة فلينحز إلى ذاك الجانب، ومن أبى إلا القتال فليلزم مكانه."
تجلّى صوت (باي يان) وصورته مجدداً أمام حطام الجيش، فيما بدأت مدافع (مبيدة الآلهة) بالشحن مرة أخرى، ليرتسم وميض فوهاتها كنذير شؤمٍ في قلوب الناجين. كان الموت خاطفاً ورحيماً بمن تلقى الضربة مباشرة، أما العذاب الأليم فكان من نصيب القابعين على حافة الهجوم؛ إذ صُهرت أطرافهم وتلاشت أنصاف أجسادهم، دون أن يدركهم الموت فوراً، فما كان منهم إلا العويل والنحيب.
مشهد الملايين وهم ينوحون معاً دفع (مارشال النمر) إلى التراجع لأول مرة، متسائلاً بمرارة: "أحقاً أستطيع دحره؟ أكنتُ واهماً؟ هل سيقودهم قراري هذا إلى الفناء المطبق؟" عصف الشك بوجدانه، وغرس (باي يان) وقوته في نفسه مهابةً لا تُقاوم.
"ثلاثة!"
هتف (باي يان) ببرودٍ وهو يشرع في العد التنازلي. في غياب القيد الزمني، كان بإمكان المارشال المماطلة، لكن هذا التوقيت وضعه في موقفٍ سلبي خانق.
"اثنان!"
دوى الرقم التالي، وفي هذه المرة، تجلّى (باي يان) بهيئة (الدارما) العظيمة، فظهر عملاقاً يطاول السماء بارتفاع عشرة آلاف قدم، تنبعث منه هالةٌ طاغية كادت تخنق الأنفاس!
"تريّث! تريّث يا سيد باي يان!"
كان قائد عشيرة النسور أول من أعلن خضوعه؛ فقد أدرك أن بأسهم لن يطول، فعشيرته التي برعت في القنص الجوي كانت تفتقر إلى الجَلَد أمام هذا الضغط. "أنا أستسلم!" صاح بها عالياً، ثم انحاز بجنوده نحو الوجهة التي حددها (باي يان).
تبعه جنوده في صمتٍ مطبق، وقد شاطروه اليأس ذاته؛ فبدلاً من المكابرة ثم السقوط ذلاً، كان الاستسلام الآن طلباً للنجاة. وهكذا، وضعت الحرب أوزارها؛ فبمجرد أن ينفرط عقد الصمود من أحدهم، يصبح اقتياد البقية أمراً يسيراً.