تُعد كافة الأقاليم ذات النجوم الخمس المحيطة حوزةً تابعةً للعرق الشيطاني، بل هي سويداء دارهم ومعقلُهم الحصين. وبحكم كونها قلب هذا العرق، فإن التدابير الدفاعية فيها لم تكن على ذات القدر من الصرامة التي تتسم بها التخوم الفاصلة بين العرق الشيطاني وسائر الأجناس الأخرى، وذلك لفرط طمأنينتهم.
وفي المعتاد، يعجز أيُّ امرئٍ من عامة الخلق عن اجتياز برزخ العزل الذي ضربه سدنة عشيرة الشياطين وقديسوها على الحدود، بيد أن "باي يان" نسيجُ وحده؛ إذ إن نفاذ بصيرته في كنه الفضاء يفوق بأشواطٍ مدارك أولئك القديسين، الذين يأخذون بظواهر الأمور ويجهلون لُبابها، ويعرفون النتائج ويغيب عنهم فقه الأسباب الكامنة وراءها.
لأجل ذلك، لم تكن رحلته إلى قلب ديار الشياطين بالمهمة العسيرة كما توجس ابتداءً، ولم يتكبد عناءً يُذكر حتى بلغ ذلك المركز مباشرةً، مقتفياً أثر الكواكب الثلاثة التي رُسِف فيها بنو آدم في أغلال السخرة والعبودية.
وبعد أن حطّ رحاله هناك وأتمّ استنقاذ المدنيين، استكانت نفس "باي يان" واطمأن باله، فعزم على إحداث جلبةٍ تزلزلُ أركان المكان.
إن أولئك الذين تسول لهم أنفسهم الاستهانة بجنس بني البشر، فإن عاقبتهم معلومة ومآلهم محتوم؛ إذ سيغدون هباءً منثوراً تحت أخمص قدمي "باي يان"!
"أخي يان، لقد استوى جميع المدنيين على متن الفلك النجمي، وهم في طريق عودتهم إلى لجّة الهاوية على دفعات، بانتظار ما يصدر عنك من أوامر."
انبثق "تشين جيولو" من خلف "باي يان" كأنه وميضُ برق، وأدلى بتقريره في مَهابةٍ وإجلال.
فكلما استطال أمد صحبة "تشين جيولو" لـ "باي يان" واستبان له هول قوته العارمة، تضاعف في صدره وقاره، وازداد له تعظيماً.
"هِم، بعد أن يكتمل قفول الجميع، قُد جندك لنشنَّ هجوماً كاسحاً لا يُبقي ولا يذر!"
ارتسمت ابتسامة جافية على شفتي "باي يان"، بينما كانت مراجل الأفكار تغلي في ذهنه.
"أمرك مُطاع يا أخي يان."
استغرقت عملية نقل مليار مدني ضُحىً كاملاً، ولولا أن "باي يان" قد فتق مئة بوابة فجوية مهولة على كل كوكب من الكواكب الثلاثة، لكان أمدُ النقل أطول من ذلك بكثير.
وبما أن "باي يان" قد أصدر أمره الحازم بألا يُبقي على حياة أحد وألا يُؤخذ أيُّ أسير، فإن دويَّ الحادثة لم يبلغ مسامع كبار قادة جنس الشياطين بعد.
إلا أن هذا التكتم كان يصبُّ في صالح "باي يان" تماماً، فقد كان يخطط لزعزعة أركان معقل الشياطين وإثارة فتنةٍ صمّاء في عقر دارهم!
"أخي يان، لقد استقام كل شيء، فما هي وجهتنا التالية؟"
برقت عينا "تشين جيولو" بوميضٍ ضارٍ متعطشٍ للدماء، وتدفق في مآقيه نضاحُ الموت، مترقباً بلهفةٍ وقيعةً قادمة!
"قسّموا الفرسان إلى فيلقين، حاصروهم عن اليمين وعن الشمال، ثم يكون الملتقى هنا في نهاية المطاف!"
أعمل "باي يان" فيضه الإلهي ليشكل نموذجاً لخارطة النجوم القريبة أمامه، مشيراً بسبابته إلى الكوكب الإداري الأكثر خطورةً وأهميةً للعرق الشيطاني.
"مفهوم! ولكن يا أخي يان، ماذا بشأن الأسرى...؟"
"لا استبقاء لأحد!"
"طوع أمرك!"
بأمرٍ من "باي يان"، قاد كل من "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" جيشاً من الشياطين من اتجاهين متدابرين، مقتحمين نطاق نجم عشيرة الشياطين المحيط بكواكب المناجم الثلاثة!
في تلك الآونة، كان كل من "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" قد بلغا ذروة رتبة القديسين، وبفضل المدد من تعزيزات الشياطين، أضحى بمقدورهما منافسة أساطين القمم العليا.
بيد أنه عند مجابهة الأسلاف الغابرين من قديسي عشيرة الشياطين، لم يكن الاثنان ليصمدا وحدهما، لذا انتدب "باي يان" على وجه التحديد اثنين من أطياف الزمان لمواكبتهما وحمايتهما في خفاء.
ولم يكد قديسو عشيرة الشياطين يشرعون في مواجهة "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" حتى كانت أطياف الزمان قد أجهزت عليهم بسرعة الخاطف!
لقد جاء "باي يان" إلى هنا لبث الرعب وإعمال السيف؛ فستكون هناك سانحات كثار لتدريب الاثنين، ولن يضير مصلحتهما فوات هذه الفرصة العارضة!
ولم يجد جنس الشياطين، بعد أن سحق "باي يان" شأفة عظمائهم الغابرين، أيَّ ذبالةٍ من مقاومة تُذكر أمام زحف جيش الشياطين، وبقيادة "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي"، اجتاحوا حياض عشيرة الشياطين دون أن يقف في وجههم عائق.
إن سياسة "الأرض المحروقة" وعدم أخذ أي أسرى أثناء إقامة المذابح في كل أفقٍ تسببت في تأخر "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" قليلاً، بيد أن هذا المسلك أبقى وجودهما طي الكتمان، مما أوصد الأبواب أمام أي محاولة لإرسال إشارة استغاثة خارج هذا المجال النجمي!
وبعد انقضاء عشرة أيام، اجتمع شمل "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" فوق الكوكب الذي حدده "باي يان".
"أبا تشين، لِمَ تبدو هذه المهمة يسيرة المنال على غير العادة هذه المرة؟"
"أجل، لم نصادف حتى واحداً ممن يزعمون أنهم قديسو عشيرة الشياطين. فبينما كان هؤلاء الشياطين يرجون فكاكاً من براثن الردى على أيدي قديسيهم، لم يأتِ لنجدتهم أحد، وفي نهاية المطاف، خابت ظنونهم وانقطع رجاؤهم."
"وأنا كذلك يساورني نفس الشعور، أتريد أن تقول إن السبب وراء ذلك هو الأخ يان...؟"
"لا تذهبوا بعيداً في الظنون، ما علينا إلا إتمام المهام التي نيطت بنا من قِبل الأخ يان."
"هاهاها، صدقت. إذن، أأبدأ أنا بالهجوم أم تتولى أنت الريادة هذه المرة؟"
"لمَ لا نقتحم معاً؟"
"إذن، معاً!"
بدا أن محاربي الشياطين تحت لواء "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي" قد تملكتهم روح المنافسة الضارية، فكان كل واحد منهم يضرب بيد من حديد أقسى مما فعل سابقه، خشية أن يسبقهم رفاقهم إلى الموقع الموعود.
وتحت وطأة حصارهم، غرق الكوكب قاطبةً في يمٍّ من الفوضى.
"ويلنا! إنهم شياطين الإنس! لقد حلّت بنا الشياطين! الفرار الفرار!!"
"من يغيثني... لا أريد أن أذوق الموت!"
"اخرج من هنا! هذا الفلك ملكي! إنه لي وحده!"
"انزل عنه! أنا وحدي من يملك حق الهرب!"
تجرع جنود جنس الشياطين مرارة الهزيمة النكراء أمام صولة جيش الشياطين. ولما كانت هذه المنطقة تمثل سويداء موطنهم، لم تحوِ جيوشاً جرارة، بل ضمت فيالق هشة لا تقوى على دفع صولةٍ واحدة من ضربات جيش الشياطين!
وبانكسار هؤلاء الجنود الأتباع، لم يبقَ في الميدان من يستطيع كسر شوكة جيش الشياطين بقيادة "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي".
اتكأ "باي يان" في رواق الديوان المركزي لهذا الكوكب، يرمق قديسي عشيرة الشياطين الثلاثة الواجفين أمامه بنظراتٍ نافذة، ولم يكن جُلُّ تركيزه منصباً عليهم.
كان هؤلاء القديسون الثلاثة من عشيرة الشياطين يضمرون في البداية نية المقاومة، ولكن بعد أن ذاقوا وبال تمثيلٍ ضُغِطت فيه أجسادهم حتى كاد وعيهم أن يضمحل، استكانوا وألقوا بأسلحة التحدي تماماً.
وفي تلك البرهة، كانت بصيرة "باي يان" القدسية تراقب نزال التنافس بين "تشين جيولو" و"تشانغ كايلي".
"يبدو أن ’جيولو‘ قد بزَّ صاحبه قليلاً، فنهج الفتك هذا لا يُشق له غبار!"
انفرجت ثنايا "باي يان" عن ابتسامة خفيفة، زادت من شدة روع قديسي عشيرة الشياطين الثلاثة الجاثمين بين يديه.
"سيدي... هل تروم... لو أن الجميع أعلنوا استسلامهم... فهل يتفضل أتباعك... بالكفِّ عن القتل؟"
لم يعد بمقدور مسخ الذئب، الذي كانت فرائصه ترتعد وأسنانه تصطك، تحمل جلبة المجزرة الناعقة في الخارج، فتقدم يجرُّ أذيال الخيبة ليتوسل إلى "باي يان".
"أأكفُّ؟ ولمَ الكف؟ ألمجرد أنك سألتني ذلك؟ ومن تكون أنت أصلاً؟ وهل بيني وبينك سابق معرفة؟"
حين بلغت مسامع "باي يان" ضراعة مسخ الذئب، أشاح بوجهه نحوه، ناظراً إلى ذلك القديس الشاب من عشيرة الشياطين بنصف ابتسامةٍ ساخرة.
"لا... بل... أيها اللورد... كنا فقط... فقط نبتغي..."
ضاعف تعبير "باي يان" من وطأة الضغط على مسخ الذئب، ولكن بما أنه قد انبرى للحديث، فقد عزم على المضي في استعطافه.
"ماذا عساك أن تقول بالضبط؟"
"لقد استحييتم مليار إنسان في السخرة والمناجم! وتركتموهم يقضون نحبهم بين مخالب الجوع والوصب والمرض! وأهرقتم دماءهم قرابين لمآتم سلالة الشياطين! بل وبلغ بكم الصلف أن جعلتم من إبادتهم وسيلةً للمتاع! ألم يدر في خلدكم أن كائناً قاهراً مثلي سيشرق فجره يوماً ما!"
وعندما شرع مسخ الذئب في نفث المزيد من الكلمات، انتفض "باي يان" من مقعده الرئاسي كأنه القضاء المستعجل، واستوى بجانبه، ثم هوى بقدمه فوق هامة الذئب، وضغط عليها حتى ألصقها بالرغام، ثم جعل يهرسها بعقبه نكالاً وهو يزأر بحنقٍ دفين!
لقد بلغ غيظه مداه، وكان حقاً غاضباً!