لو لم يأتِ "باي يان" إلى هنا، ولو لم تكن هذه الهياكل العظمية موجودة، لانقطعت خيوط البحث عن "سو يو" تماماً عند هذه النقطة.
لكن لحسن الحظ، كان "باي يان" هو القادم. ورغم أنه لم يستطع بعدُ استحضار كامل قواه بسبب القيود المفروضة عليه، إذ إن معظم قوته تستلزم التحرر الكامل لـ"نطاق الإمبراطور"، بيد أن هناك قدرة واحدة بوسعه استخدامها الآن، وهي ملائمة للغاية لهذا الموقف.
قبض "باي يان" على الراية الممزقة التي تحمل حرف "سو"، ولمعت في عينيه ومضة حادة، فبدأت موجات من الضياء الإلهي تنبثق من حوله!
"استرجاع الزمن!"
اتخذ "باي يان" من راية "سو" وسيطاً لإطلاق قوة "قانون الزمن"، وهي قدرة جوهرية لاستعادة الماضي، آملاً أن يعاين ما وقع هنا بالفعل قبل خمس سنوات!
تجلى الجبل الشاهق المستباح مجدداً، لكنه لم يكن سوى طيف باهت. وظهرت أطياف المحاربين البشر أيضاً كالأشباح، وظل الجو مثقلاً بالمأساة. تصاعدت اضطرابات الطاقة حول "باي يان"، وبدأ هذا الطيف يتجسد تدريجياً.
وفي عيني "باي يان"، بدأ الزمن المحيط بهذه الأشباح يرتدُّ القهقرى؛ يوماً، فشهراً، فسنة... ثم تسارع الإيقاع! وبعد خمس دقائق، تراءى لـ "باي يان" مشهدٌ يطابق ما كانت عليه الحال قبل خمسة أعوام!
"دويُّ انفجارات متلاحقة!"
"طخ.. طخ.. طخ!"
قرعت طبول الحرب! وخفقت الرايات! كائنات جبارة لا تُحصى تشتبك بضراوة فوق هذه القارة؛ كائنات "المجال الخارجي" بمختلف أصنافها العجيبة، بل وحتى بشرٌ من أتباعهم، يصارعون المحاربين البشر في فوضى عارمة!
اندلعت مهارات وقدرات شتى في ساحة الوغى، ولوهلة، أمسك المحاربون البشر بزمام المبادرة محرزين تقدماً طفيفاً، بيد أن كائنات العالم الخارجي لم تلبث أن دفعت بمقاتلين أشد بأساً، مما أجبر الخطوط الأمامية البشرية على التراجع.
كان المحاربون من رتبة "نصف إمبراطور" ينتشرون في كل صوب، وقد سقط من بين صفوف الجنس البشري أكثر من عشرة منهم بالفعل! تهشمت أجساد "البوديساتفا" الذهبية السالكين لطريق الزهد؛ ورأى "الخالدون" من أرباب السيوف نِصالهم المرتبطة بأرواحهم تتشظى؛ وتحولت الكائنات العليا والآلهة القديمة إلى حطبٍ لهذه الحرب المستعرة؛ بينما زلزلت النزالات بين أنصاف الأباطرة أركان الأرض.
كم كان المشهد مهولاً... حتى وهو يشاهد تلك المشاهد تتوالى أمام ناظريه، تملكه ذهول تام!
لقد أوردهم الغرورُ المواردَ... شرع "باي يان" يلوم نفسه؛ فقوة "جزيرة الشياطين" لم تكن كافية أبداً لاجتياح المجال الخارجي؛ إذ لم يكن في صفوفهم من أنصاف الأباطرة البارزين سواه هو و"الشيطان"، أما البقية فكانوا يتضاءلون شأناً أمام من قضوا في هذه الملحمة. إن بقاء قوة كهذه في العالم الخارجي يستلزم جهوداً مضنية وثمناً باهظاً.
ومع توالي تدفق الزمن وتغير الصور الطيفية، استعاد "باي يان" هدوءه، وركز بصره على المعركة الضارية بين البشر وكائنات العالم الخارجي. حين وصلت الطلائع الأخيرة من تعزيزات العالم الخارجي، بدأ المحاربون البشر في تقهقر مستمر، حتى أن وجود "سو يو" نفسه لم يفلح في كبح جماح هذا التراجع.
كان "سو يو" غارقاً في نزال ضد ثلاثة من الأباطرة العظماء في قلب "الفراغ"، محطمين كل ما حولهم! لم يتبقَّ سوى ارتدادات تلك الموجات الناجمة عن صدام رتبة "الإمبراطور العظيم" لتشهد على أن وطيس معركتهم لم يهدأ بعد!
شهرٌ بتمامه! دامت الحرب شهراً كاملاً، ورغم توالي النكسات بعد وصول تعزيزات العدو، صمد المحاربون البشر لأسبوعٍ إضافي بكبرياء! بذل كل محارب قصارى جهده؛ فمن بُترت ذراعه قاتل بالأخرى، ومن فُقدت ذراعاه ركل بقدميه، حتى وصل الأمر إلى النطح والعض!
"القتالُ حتى الفناء، ولا تراجع!"
"في سبيل بحر النجوم اللامتناهي!"
دوت صرخات مرعبة وغاضبة، تنضح بمرارة الدم وتخلع القلوب من هولها. ومن أجل النيل من العدو، استنفدوا كل حيلة ووسيلة.
لكنهم هُزموا في النهاية؛ إذ لم يقووا على الصمود أمام جحافل العالم الخارجي التي لا تنتهي، حيث انتهزت الكائنات المتطفلة الفرصة للاستحواذ على أجساد الجرحى المصابين بجروح قاتلة، مما قلب موازين المعركة رأساً على عقب! ورغم ضراوة الحرب، تمسك المحاربون بعزيمتهم، مستخرجين الحياة من صلب الموت!
وكحماة للجنس البشري، بذلوا الغالي والنفيس وقدموا كل ما بوسعهم، لكن كثرة العدو غلبت شجاعتهم، وفشلوا في صد الزحف. في اليوم الأخير، خاض "سو يو" غمار الوغى، فصرع إمبراطورين عظيمين، وقاتل وحيداً في وجه الجموع، لكنه سقط جريحاً بضربة من الإمبراطور الأخير.
هرع محاربون من جبهات أخرى في اللحظة الحاسمة لإنقاذ "سو يو"، بينما كان من انحازوا لقمة الجبل قد لفظوا أنفاسهم الأخيرة. أيقن المحاربون المرابطون على القمة أن رحلتهم في العالم الخارجي ستُختم هنا؛ فشنوا هجوماً انتحارياً محموماً، لم يبقوا فيه على نصلٍ ولا طاقة، ضاربين عرض الحائط بكل ألم.
لجأوا إلى التقنيات المحظورة! فأطلقوا العنان لأقصى قواهم الكامنة، لتتضاعف قوة كل فرد منهم أضعافاً مضاعفة؛ فاستطاع ثلاثمائة رجل فحسب إبادة قرابة عشرة آلاف من كائنات العالم الخارجي في هبةٍ أخيرة!
وفي النهاية، لم يبقَ إلا واحد؛ محاربٌ وحيد من آل "سو" لا يزال قابضاً على الراية. انتصب فوق القمة، جسده مثقلٌ بالندوب، لا موضع فيه لجلدٍ سليم! طعناتُ خناجر، وضرباتُ سيوف، وحروق، وقرحُ صقيع... جروحٌ لا تُعد شهدت على ضراوة قتاله، وعلى مقدار اليأس الذي أحاق ببني البشر.
طوقته جحافل الأعداء، لكن أحداً لم يجرؤ على التقدم خطوة؛ فقد حصد وحده أرواح أكثر من ألف مقاتل منهم! تلاشت قوته التي ضاهت مرتبة الإمبراطور، مستنزفاً آخر رمق من طاقته الروحية، ورغم ذلك، لم يجرؤ وحشٌ واحد على الدنو منه قيد أنملة!
"أيها الإمبراطور! لم يلحق بك محاربو آل "سو" العار أبداً!"
غرس محارب آل "سو" الراية بكل ما أوتي من قوة في الصخر تحت قدميه، والدموع تفر من عينيه وهو يولي وجهه شطر الوجهة التي نُقل إليها "سو يو"، رغم أن الأخير كان في غيبوبته لا يحيط بما يدور.
"في هذا العصر وفي هذا العالم، سيسود الجنس البشري ويشرق فجره، وإلا.. فليكن الفناء حليفنا جميعاً!"
هكذا هم أبناء "سو"؛ إخلاصٌ منقطع النظير وحماسةٌ تقدح ناراً!
تردد صدى تلك الصرخة في أرجاء القارة، وبلغت مسامع "سو يو" المغيب، لتنتزعه للحظات من سباته العميق. لكنه لم يملك القوة حتى لتحريك إصبعٍ واحد، فقد أنهكه حصار الأباطرة الثلاثة، ولم يذخر جهداً إلا وبذله.
ظل "باي يان" واقفاً بصمت، قبل أن يسحب طاقته وينهي رؤية "استرجاع الزمن"؛ فلم تعد لديه رغبة في مشاهدة المزيد، إذ تشكلت لديه صورة واضحة عن الوجهة التي سلكها "سو يو"، وحان وقت التحرك.
كان "باي يان" يضمر في نفسه إعجاباً عميقاً بذاك المحارب من آل "سو" الذي استبسل حتى الرمق الأخير. "وإلا.. فليكن الفناء حليفنا جميعاً." رددها "باي يان" في سريرة نفسه، عاقداً العزم في قرارٍ مكتوم: "في هذا العالم، ستكون عودتي هي الإعصار الذي يكتسح المجال الخارجي نصرةً للبشر، وكل من تآمر ضدنا سيذوق وبال أمره!"