الفصل 310: اجتماعٌ متوتر
**من منظور سيسيليا**
ألقى سيباستيان نظرةً خاطفة على هاتفي، ثم أطلق ضحكةً خافتة.
"أجل، هذا رقم زاريا. يبدو أن والدتي قد استسلمت أخيراً."
استعدتُ هاتفي من يده، ورمقتُه بنظرةٍ زاجرةٍ توحي بعبارة: "لا تغترَّ بنفسك".
"لا تفرط في التفاؤل الآن؛ فقد يكون مجرد اجتماع عملٍ تحت غطاءٍ عائلي."
عضضتُ على شفتي وتمتمتُ بكلماتٍ غير مفهومة: "أو ربما هي مجرد بدايةٍ هادئة لحربٍ عاطفية ضارية."
تابعتُ قائلة: "ربما ستدفع لي صكاً بنكياً عبر الطاولة، كما لو كنا في تسويةٍ قانونية. أتساءل كم تعتقد أنني أستحق؟"
نهض سيباستيان من مكانه، وانحنى نحوي، ثم ربت على جبهتي برفق.
"إذاً، لو خُيِّرتِ بيني وبين صكٍ مفتوح، هل ستختارين المال؟"
رفعتُ حاجبيَّ ومنحتُه تعبيراً جاداً يتساءل بذهول: "هل أنت جادٌّ فيما تقول؟".
كانت ملامحي تنطق بوضوح: "أتمزح معي؟ مَن ذا الذي يرفض ثروةً كهذه؟".
ثم انفجرتُ ضاحكةً لأخفف من حدة الموقف، ووخزتُ صدره بإصبعي مداعبةً.
"أوه، لا تسألني أسئلةً كهذه. هل ستصدق أصلاً أي إجابةٍ سأقدمها لك؟"
تنحنحتُ بعمق، ورفعتُ ذقني للأعلى، ثم أطلقتُ العنان لأكثر نبرات صوتي دراميةً، بل إنني وضعتُ يدي على صدري كقديسةٍ تهمُّ بإلقاء خطابها الأخير قبل الاستشهاد.
"مستحيل! ليس لديَّ أي اهتمامٍ بالمادة. ولماذا أكتفي بالحرية المالية بينما يمكنني الظفر بشخصيتك الساحرة وأثقالك العاطفية المرهقة؟"
ضيق عينيه بمرح، لكن ابتسامةً ساخرةً ارتسمت على ثغره، توحي بأنه كان على وشك إطلاق ردٍّ ذكيٍّ لاذع.
وقبل أن يتمكن من صياغة رده، كنتُ قد قطعتُ نصف المسافة في الردهة، بينما كانت ضحكته العميقة تلاحقني كظلي.
--
بحلول المساء، صُبغت السماء باللونين الأحمر والذهبي تماماً، بدا المشهد وكأنه مقتبسٌ من مشهدٍ سينمائي لملحمةٍ كارثية؛ ذلك النوع من المشاهد حيث يبدو كل شيءٍ فاتناً قبيل الانهيار والاحتراق.
جلستُ متصلبةً في السيارة بجانب سيباستيان، كان ظهري مستقيماً، ويداي مطويتان في حجري كفتاةٍ خجولة في حفل تخرجها من المدرسة الثانوية.
كانت وضعيتي توحي بالكمال، لكنها كشفت تماماً عن مدى الذعر الذي كان يتملكني في الواقع. كانت معدتي تتقلب بشدة، ولم تجدِ نفعاً كل محاولات التنفس العميق.
ظللتُ أستعرض في ذهني كل سيناريو محتمل لمستهلات الحديث التي قد تطرحها والدته عليَّ.
"سيسي، هل ترغبين في بعض الكوكاكولا؟" أمال سيباستيان رأسه نحوي، وظهرت لمحةٌ من القلق خلف ابتسامته المعتادة.
استغرق الأمر مني لحظةً لاستيعاب سؤاله، ثم قلت: "لا، شكراً لك. أنا بخير"، حاولتُ أن أبدو رصينةً لكنني أخفقتُ إخفاقاً ذريعاً.
مدَّ يده إلى الثلاجة الصغيرة، وأخرج علبة "كوكاكولا"، ثم سكبها في كوبٍ ببراعةٍ تضاهي مهارة نادلٍ في فندقٍ فاخر.
قال سيباستيان وهو يضع الكأس برفق في يدي: "اشربيها على أي حال، ستحتاجين إلى السكر في حال قررت أمي تقمص دور الـ 'لونا' بكل حزمها".
أخذتُ المشروب، وأطلقتُ تنهيدةً درامية، ورحتُ أراقب الفقاعات الصاعدة كما لو كانت تحمل بين ثناياها أجوبةً لمخاوفي.
لولا وجوده في حياتي، لكنتُ الآن على الأرجح مسترخيةً على أريكة شقتي، عزباء، ثرية، وأرتشف مشروباتٍ باهظة الثمن، غافلةً تماماً عن أي صراعاتٍ تخصُّ المستذئبين.
لكن ها أنا ذا، أمضي قدماً نحو منزلٍ يعجُّ بصراعات القوة والتهديدات المغلفة بالتهذيب.
تجرعتُ رشفةً طويلة، وأنا أستجمع شتات نفسي لما هو آتٍ.
"أهذا هو الحب إذاً، أليس كذلك؟"
--
بعد نصف ساعة، وصلنا إلى قصر عائلة "بلاك".
كان المنزل يكتسي باللون الأبيض في معظمه، يتسم بالأناقة والحداثة، لكن منحوتاته وأقواسه المكسوة بنبات اللبلاب وحديقته الغناء بدت وكأنها من تصميم شخصٍ نشأ على حكايا الأساطير، مما أضفى عليه لمسةً من الرقة؛ لقد كان المكان ينضح بأجواء قصص "أليس في بلاد العجائب".
حدقتُ من النافذة، مستوعبةً تفاصيل المشهد بكل حواسي.
قلتُ بصراحة: "منزلك يتسم بسحرٍ خاص".
"أراقَ لكِ؟" سألني سيباستيان وهو يرمقني بنظرةٍ سريعة.
أومأتُ برأسي قائلة: "أجل، لقد أعجبني حقاً. أعني، أنا أميل للبساطة، لكن للخيال سحراً لا يقاوم، وهذا المكان يجمع بين النقيضين ببراعة".
وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث، قاد "ليام" السيارة حول نافورةٍ يتوسطها تمثالٌ صغير لملاك، ثم أوقفها عند المدخل مباشرة.
ترجلتُ من السيارة محاولةً التظاهر بالهدوء، لكن أعصابي كانت تضطرب كجهازٍ في وضع الاهتزاز؛ لقد حانت اللحظة ولا مجال للتراجع الآن.
فتح "ليام" صندوق السيارة وأخرج أكياس الهدايا التي كان سيباستيان قد أحضرها من منزلي سابقاً. بصراحة، لم يكن الذهاب خالية الوفاض خياراً مطروحاً أبداً، خاصةً في ظل احتمال أن تحكم والدته على كينونتي بأكملها من خلال هذا اللقاء.
مدَّ سيباستيان يده وأمسك بيدي؛ كانت كفه دافئةً تمنحني الثبات، فشددتُ عليها بدوري لثانيةٍ واحدة فقط.
انفتح الباب الأمامي قبل أن نطرق الجرس حتى.
خرجت "زاريا" إلى الممر حافية القدمين، مرتديةً فستاناً فضفاضاً مكشوف الظهر، وتعبث بقطعة "آيس كريم" بدأت بالذوبان.
"سيسيليا! لقد وصلتِ أخيراً! هل ترغبين في بعض الآيس كريم؟"
ابتسمتُ بصدق هذه المرة: "ربما في وقتٍ لاحق".
من بين جميع أفراد قطيع "سيلفر بيك"، كانت "زاريا" هي الأكثر مرونةً في التعامل؛ لا تعقيدات، ولا غطرسة، مجرد روحٍ مرحة تلطف الأجواء.
وقبل أن أستطرد في الحديث، ترددت أصداء خطواتٍ آتية من جهة الدرج.
كانت "الـلونا ريجينا" و"الألفا ياردلي" و"يورك" يهبطون معاً، وكانوا جميعاً يرتدون ملابس توحي بأنهم خرجوا للتو من ملصقٍ لدعايةٍ سياسية رفيعة المستوى.
ودون تفكير، سحبتُ يدي من يد سيباستيان ووقفتُ بوقار. استقام ظهري كالمسطرة، ورفعتُ ذقني قليلاً، وأرغمتُ نفسي على رسم ابتسامةٍ مهذبة على وجهي.
"إنه لمن دواعي سروري رؤيتكم مجدداً، ألفا ياردلي، لونا ريجينا، سيد يورك."
حافظتُ على نبرةٍ مهذبة ورسمية للغاية، بينما بدأت وجنتاي تتوهجان باللون الأحمر. لم أكن متأكدةً ما إذا كان هذا الاحمرار ناتجاً عن التوتر المحض، أم عن الذعر المفاجئ من احتمال تعثر لساني في الكلام.
ابتسم "الألفا ياردلي" ابتسامةً دافئة وقال: "سيسيليا، لِمَ كل هذه الجدية والرسمية؟ لستِ في قاعة محكمة هنا. ناديني 'ياردلي' فقط عندما نكون في المنزل".
أما "الـلونا ريجينا"، فقد ابتسمت ابتسامةً باهتة لم تبلغ عينيها، وقالت: "تفضلي بالدخول، استريحي في مجلسنا".
أومأتُ برأسي محاولةً أن أظهر بمظهر الواثقة المسترخية: "شكراً جزيلاً لكِ".
كان قلبي يقرع طبول الحرب بشدة، لكنني حافظتُ على وضعيَّة جسدي المثالية. قد يتحول هذا العشاء إلى جلسةٍ عائلية دافئة، أو إلى مفاوضاتٍ شاقة ومصيرية.
وفي كلتا الحالتين، كنتُ مستعدةً تماماً للدفاع عن موقفي وثباتي.