تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

ممر البيدق 1335

احترق إلى رماد

الفصل 1335: الاحتراق حتى الرماد

مع حلول الظلام ، أرسل القمر ضياءه الوضاء فوق صفحة البحر ، متناثراً على الأمواج المتلاطمة ، بينما كانت أنوار منارة بعيدة تألق بخفوت.

خرجت السيدة «وو» من مقصورتها وسارت نحو مقدمة السفينة ، وتمطت بكسل وهي تستعرض قوامها الممشوق. وعلى الرغم من كون السيدة «وو» طاعنة في القدم إلا أنها لم تكن يوماً أسيرة للتقاليد البالية ؛ فقد كانت ذائقتها الفنية تتطور دائماً مع تقلبات الزمن.

لم تكن خطة «تشي شوانسو» والسيدة «وو» بالأمر المعقد ؛ فقد قررا أن يهرب أحدهما علانية ، بينما يتسلل الآخر في الخفاء. و منذ البداية ، وضع «تشي شوانسو» مسارين ؛ حيث ستسلك السيدة «وو» الطريق البحري ، متجهة جنوباً بمحاذاة الساحل ، عابرة «كيب هاتيراس» وخليج «أونسلو» ، ثم ملتفة حول شبه جزيرة فلوريدا بأكملها وصولاً إلى خليج «أولمك». وفي طريقها كانت ستترك آثاراً غامضة لتستدرج «صوفيا» وتشتت انتباهها.

أما «تشي شوانسو» فسيأخذ الطريق البري ، عابراً «هاريسبرج» ، و«سينسيناتي» ، و«سانت لويس» ، و«سبرينجفيلد» ، و«سميثسبورج» ، ليبلغ في نهاية المطاف «سان أنطونيو». وفي ختام الرحلة ، يلتقيان عند الحدود ليدخلا «القارة الجديدة الجنوبية» معاً.

ولكون السيدة «وو» روحاً ، فقد كان بوسعها تغيير هيئتها كيفما شاءت ؛ لذا تقمصت مباشرةً شكل «أودري» ، متعمدةً الظهور عند الأرصفة البحرية عدة مرات. فمن كان يتقصى أثرها ، سيتبع خطاها بلا ريب. ومع ذلك مر يوم وليلة كاملان ولم تلحق «صوفيا» بهما ؛ فاستجابتها كانت بطيئة للغاية ، ربما لأنها كانت لا تزال في عطلتها ولم تدرك حتى أن منزلها قد تعرض للسطو.

أطلقت السيدة «وو» تثاؤباً ملوماً بالملل ، فقد كانت ترغب حقاً في حرق شيء ما. زفرت أنفاسها ، فاشتعلت النيران في عرض البحر البعيد ، وانعكست ألسنتها على سطح الماء كأنها أشباح «شيرانوي» في «فينغلين». اتسعت عينا البحار الذي يقود السفينة ذهولاً ، وظن للوهلة الأولى أنه يهذي. ولحسن حظه ، تلاشت النيران بسرعة ، فلم يجد سوى أن يظنها خيالاً عابراً.

مضى الوقت ببطء ، وبعد منتصف الليل ، اشتدت قسوة نسيم البحر. لم تنخفض درجات الحرارة فحسب ، بل حملت الرياح معها الجليد والثلوج حتى بدا أن مياه البحر قد أصبحت أكثر لزوجة. و حيث بقيت السيدة «وو» على سطح السفينة ، وقد بدت عليها أخيراً لمحة من الاهتمام. تجمعت الغيوم المظلمة في الأعالي ، فحجبت ضوء القمر ، وأضفت على البحر والسماء طابعاً موحشاً.

ابتسمت السيدة «وو» وقالت: «أخيراً ، لقد وصلوا».

وبينما تتحدث ، ظهرت مركبة طائرة في الأفق ؛ لم تكن تحلق بالمعنى المعهود ، بل ظهرت عبر ضرب من القفز السحري. وبسبب انحجاب ضوء القمر ، امتزجت المركبة مع دياجير الليل ، وكانت صامتة كبومة في غسقها ، دون ضجيج ميكانيكي صاخب.

أسفل المركبة الطائرة ، فُتحت بوابات عدة الواحدة تلو الأخرى ، كاشفةً عن صفوف من المدافع المصوبة نحو السفينة في الأسفل. وفي اللحظة التالية ، انطلقت جميع المدافع دون سابق إنذار ، غير مبالية بكون سفينة الركاب تكتظ بالمدنيين الغربيين.

انهمر وابل من القذائف من السماء كالمطر. وفي اللحظة ذاتها تقريباً ، غلف حاجز قرمزي السفينة ، فكانت أي قذيفة تقترب تذوب فوراً بفعل الحرارة الشديدة ، بينما ظلت درجة الحرارة داخل الحاجز طبيعية.

راقبت السيدة «وو» المشهد ساخرةً: «أي هراء هذا ؟ ومن هو عدو الغربيين حقاً ؟». لكنها كانت تدرك تماماً سبب وحشيتهم ؛ فمن المرجح أنهم خططوا لإبادة الجميع وإغراق السفينة ، ثم إلصاق التهمة بـ «إمبراطورية تاوانتين» ، ليكون ذلك الذريعة المثالية لإثارة الكراهية الشعبية والدفع بمزيد من التشريعات المناهضة لـ «الداو». فكانوا كمن يضرب عصفورين بحجر واحد.

بالطبع لم تكن السيدة «وو» لتسمح لهم ببلوغ مرادهم. و انطلقت مجموعات من النيران نحو المركبة الطائرة في السماء ؛ كانت كل شعلة بحجم عربة ، وبدت من بعيد كالشهب المحلقة في اتجاه معاكس. وعلى الرغم من أن المركبة الطائرة كانت محمية بحاجز دفاعي إلا أن النيران اخترقته في لحظة. لم تنفجر تلك النيران ، بل التصقت بسطح المركبة وبدأت تنتشر وتلتهمها.

سرعان ما بدأت المركبة الطائرة تذوب ، وإن لم يكن كلياً ؛ فقد أصبحت بنيتها الفولاذية لينة كالزبدة تحت وطأة الحرارة ، مع احتفاظها بهيئتها الخشنة. ثم ظهرت يد عملاقة مشكلة بالكامل من اللهب من العدم ، فأمسكت بالمركبة الطائرة. و بالنسبة للناس العاديين كانت المركبة ضخمة ، لكن داخل قبضة اليد النارية ، بدت كنموذج صغير معروض على رف.

استبد الرعب بكل من كان على متن المركبة الطائرة. تجمدت اليد النارية ثم بدأت تضغط ببطء ، فبدأ منتصف المركبة بالانخساف ، وانتشرت الشقوق في نمط مرعب ، لتكشف عما تحتها من هياكل ميكانيكية معقدة ، تتدفق منها الأبخرة بعنف.

لم تكن آليات البخار في المركبة منعزلة ، بل كانت مرتبة في تجمعات طبقاتية من أحجام مختلفة ، كتروس متداخلة في ساعة. وتحت وطأة القوة الهائلة لليد النارية لم تعد بعض الهياكل قادرة على الصمود وبدأت بالانهيار ؛ فأدت الانفجارات العنيفة الناجمة عن تعطلها إلى تفاعلات متسلسلة ، تسببت في تمزق العديد من المكونات البخارية الأخرى.

بدأت الشظايا تتساقط باستمرار من جانبي المركبة الطائرة ، تهوي نحو البحر في الأسفل. أما جنود «سانت يورك» داخل المركبة ، فقد كانوا عاجزين تماماً ؛ فلو غادروا المركبة لجرفتهم الرياح العاتية في لمح البصر ، ولو بقوا فلن ينتظروا سوى الموت.

في تلك اللحظة ، دوّى انفجار هائل آخر ، وبدأت المركبة الطائرة تتشوه ؛ التوت أطرافها الأمامية والخلفية نحو الأعلى بشكل غير طبيعي ، بينما انثنى القسم الأوسط للأسفل وانهار. ثم ضغطت اليد النارية العملاقة بقوة أكبر ، وصارت الانفجارات المتلاحقة تشبه صرخات العذاب. و اندلعت النيران في أرجاء المركبة ، وانهارت أجزاء كثيرة منها وذابت تماماً.

وأخيراً ، ومع دويٍّ هائل كان أشد صخباً من كل الانفجارات السابقة مجتمعة ، انطبقت أصابع اليد النارية الخمس تماماً ، فانشطرت المركبة الطائرة إلى نصفين. وتطايرت شظايا مشتعلة لا حصر لها كأنها مطر من نار ، بينما تساقطت أجساد من المقصورة ، تصرخ وهي تهوي ، وتتضاءل حتى غدت كبقع سوداء صغيرة قبل أن تختفي تماماً.

بعد انشطارها لنصفين لم تعد المركبة قادرة على البقاء في الجو ، فهوى شطراها نحو البحر. وبعد كل هذا ، بدأت اليد النارية تتلاشى ، وتتحلل إلى ذرات ضوء متألقة قبل أن تختفي كلياً.

سخرت السيدة «وو»: «إذا كان "وو لو " قادراً على تحطيم السفن الطائرة ، فلمَ لا أستطيع أنا تحطيم مركبة طائرة ؟».

في تلك اللحظة ، تجمد سطح البحر تماماً ، مما شل حركة السفينة الحديدية ، وتحول المحيط إلى حقل ثلجي واسع. و أدركت السيدة «وو» بحدة أن عالماً صغيراً يتشكل ؛ وهو ما يُعرف في المصطلحات الغربية بـ «الفضاء الفرعي». ولكن بدا وكأنهم ما زالون في البحر إلا أنهم انفصلوا عن العالم الحقيقي ودخلوا نطاقاً آخر ، وكان المحيط المتجمد دليلاً على ذلك. فلم يكن هذا بالأمر الهين.

في اللحظة التالية ، تصدع الجليد ، وبالفعل لم يعد تحت الجليد مياه بحر ، بل حمم بركانية متدفقة. فشكلت الحمم الملتهبة تبايناً حاداً مع الحقل الجليدي في الأعلى. وفي الوقت نفسه ، دوّت رياح عاتية في السماء ، وامتلات السماوات التي كانت حالكة السواد بكتل هائلة من السحب النارية ؛ فلم يعد الوقت ليلاً دامساً ، بل صار غسقاً.

بدت حواف السحب وكأنها تحترق ، لكن نيرانها كانت مختلفة تماماً عن نيران السيدة «وو» ؛ فقد كانت كالدماء ، حمراء مشوبة بالسواد ، تنتشر في السماء كبقع شتى. بدت السماء وكأنها اصفرت ، وفي وسط ذلك الامتداد الأصفر الباهت ، علقت صورة دائرية حمراء داكنة.. كانت هي الشمس.

تجمعت السحب القرمزية في دوامة ، انطلق منها نيزك ضخم تاركاً أثراً طويلاً في السماء ، ليتحطم على الأرض ويتحول إلى شيطان شاهق تجاوز طوله ثلاثة أمتار ، ببشرة حمراء داكنة ، وقرون ملتوية ، وحوافر ماعز ، وأجنحة خفاش ، ورمح ثلاثي الشعب في يده.

كان هذا مخلوقاً من الجحيم ، يُعرف بـ «الشيطان» ؛ وُلد من حمم الجحيم ، وكان دمه لا يختلف عن الحمم المنصهرة ، بل كان بوسعه أن يحرق أيضاً ؛ لذا كان منيعاً ضد النار. حيث كان واضحاً أن «صوفيا» قد فكرت في هذا الأمر ملياً ؛ فبالنظر إلى الآثار المتروكة في الغرفة تحت الأرض ، حيث تحول كل شيء إلى معدن مصهور كان الخصم متفوقاً بوضوح في فنون النار ، لذا كان نشر شياطين منيعة ضد النار أمراً منطقياً تماماً. و لقد جاءت مستعدة.

لم يكن مفاجئاً أن تتمكن «صوفيا» من استدعاء مثل هذه الشياطين ، فهي التي تجرأت على طلب قوة رسول ساقط. لا شيء في هذا العالم مطلق ؛ فلا توجد عدالة مطلقة ، ولا أخلاق مطلقة ، ولا ضياء أو دفاع مطلق. وهذا ما يسمى «المناعة ضد النار» يعني ببساطة أن النيران لم تكن ساخنة بما يكفي ، أو لم تكن تحرق بعمق كافٍ.

بسطت السيدة «وو» أصابعها الخمسة ، حيث يمثل كل منها نوعاً مختلفاً من اللهب. حيث كان أحد سحرة «المجلس الغامض» قد طرح يوماً «نظرية كرات النار الخمس» الشهيرة ؛ فمن خلال مزامنة خمس كرات نار لتتطابق في نقطة مكانية واحدة ، يمكن إطلاق تفاعل ينتج طاقة تفوق بمراحل مجموع طاقات الكرات الخمس.

أطبقت السيدة «وو» يدها على شكل قبضة ، فامتزجت النيران الخمس في لهب واحد ، مشكلةً لسان نار متوقداً غمر الشيطان الواصل حديثاً على الفور. لم يقدم الشيطان أي مقاومة على الإطلاق ، وتلاشى في سحابة من الدخان.

ومع ذلك كان هناك أكثر من مجرد شيطان واحد. و انطلقت شياطين أخرى من الدوامة النارية ، منقضةً نحو السيدة «وو» من الأعالي. استدعت السيدة «وو» «مروحة الريش السبع والنيران الخمس» مرة أخرى ولوحت بها بقوة ، مطلقةً سيلاً من النيران التي اجتاحت كل شيء. حيث كانت تلك الشياطين الجهنمية كسمك في طوفان ؛ فبمجرد وقوعها في اللهب لم تعد تملك القدرة على المقاومة وتلاشت في لحظة.

بدأ الجليد يذوب ، بل بدأ العالم بأسره يحترق. وكورقة تشتعل ، بدأ الأمر ببقعة صفراء محترقة ، اتسعت بسرعة حتى صارت فجوة غير منتظمة بحواف متفحمة وسوداء ، ومن خلالها أصبح العالم الحقيقي في الخارج مرئياً.

ممسكةً بـ «مروحة الريش السبع والنيران الخمس» في يدها اليمنى ، رفعت السيدة «وو» يدها اليسرى عالياً وأطبقت أصابعها في قبضة. استمرت النيران خماسية الألوان في الانتشار ، ملتهمةً كل الأوهام وكاشفةً عن المزيد من حقيقة العالم في الأسفل.

أخذ أثر النيران الذي يشبه أصابعها يغلق ببطء ليصبح قبضة محكمة.

صاحت السيدة «وو»: «لِنحرق هذا العالم حتى الرماد!»

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط