الفصل 2266 (الفصل 1532): وميض السيف ، زئير الرعد
بالنسبة لـ "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة " كانت هذه الرحلة قد أحدثت فيهما تحولاً جذرياً ؛ لذا رغبت كلتاهما في اختبار مدى التطور الذي طرأ على قوتهما. أومأتا برأسيهما ، ثم استدارتا وفتحتا الباب لتغادرا المكان.
في تلك الأثناء كانت المزرعة برمتها محاطة بقطاع الطرق الذين زاد عددهم عن الألف ، يتصدرهم "تساو ينغ لونغ " ومن خلفه "الطغاة الأربعة " في صف واحد ، بينما اصطف البقية من خلفهم مدججين بالخناجر والفؤوس والأقواس ، رافعين المشاعل عالياً في السماء ، ينضحون بنوايا القتل والفتك. وحين تراءى لهم خيال فتاتين غريبتين بدلاً من "شانغ شيوشون " المتوقعة تملكهم الذهول للحظة ، لكن سرعان ما لمعت أعينهم وبرقت ، وسال لعابهم طمعاً في الجمال الأخاذ الذي تميزت به الفتاتان.
اشتهر "الطغاة الأربعة " بجرائمهم النكراء ، ولم يكن من شيمهم الرأفة بالنساء ، فكيف إذا كانت النساء بمثل حسن "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة " اللتين بدتا كحوريات من الجنان ؟ تسمرت أنظارهم عليهما ؛ فبعد أن كانت خطتهم تقضي بالاستمتاع بـ "شانغ شيوشون " بعد أسرها ، طارت تلك الأفكار من رؤوسهم بمجرد رؤية الجمال الفائق للفتاتين.
وعلى الرغم من أن "شانغ شيوشون " كانت حسناء نادرة الجمال إلا أنها مقارنة بهما كانت "كالثرى أمام الثريا " أو كالبشر أمام الملائكة. ظل "الطغاة الأربعة " وأتباعهم يحدقون بشبق ، متمنين لو انقضوا عليهما في تلك اللحظة وضموهما بين أذرعهم ، ولو كلفهم ذلك عشر سنوات من أعمارهم.
"من أنتما ؟ "
سأل "تساو ينغ لونغ " بصوت عالٍ وبنبرة يشوبها الحذر ، وهو يراقب الفتاتين تتقدمان بكل هدوء واتزان. ففي العادة ، تشحب وجوه النساء رعباً وتنهار قواهن بمجرد رؤية "الطغاة الأربعة " ناهيك عن كونهن محاصرات بآلاف الأشرار والمشاعل من كل جانب. حتى الخبراء من الطراز الأول لابد أن يتعاملوا مع موقف كهذا بحذر شديد.
ومع ذلك بدت هاتان الفتاتان اللتان تشبهان الحوريات غير مباليتين تماماً ، ولم تظهر عليهما أي علامة من علامات التوتر أو الاضطراب ، مما زاد من يقظة "تساو ينغ لونغ ". ففي النهاية ، لابد أن هناك سراً وراء هذا الهدوء ؛ فثباتهما في مواجهتهم يشير بلا شك إلى وجود خطب ما.
"هل أنتم من يُطلق عليهم الطغاة الأربعة ؟ "
سألت "ابنة التنين الصغيرة " وهي تنظر إلى "تساو ينغ لونغ " ورجاله مقطبة جبينها قليلاً. بإنصاف كان "الطغاة الأربعة " ذوي ملامح شرسة تثير الذعر ، ففي الأيام العادية ، ليس فقط ضحاياهم بل حتى قطاع الطرق أنفسهم يرتعدون فرائصاً عند رؤيتهم. و لكن بالنسبة لـ "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة " اللتين كانتا دوماً بجانب "دوانمو هواي " بدا "الطغاة الأربعة " كالأرانب الأليفة ، ولم تظهر عليهم أدنى مسحة من الشراسة.
والآن ، عند النظر إلى هؤلاء الطغاة وأتباعهم ، بدا المشهد كأنهم مجرد "صعاليك يحاولون تقمص أدوار القياصرة " أو كتمثيلية رديئة تفتقر إلى أي نوع من الهيبة.
"بالفعل. "
ضحك "تساو ينغ لونغ " بصوت عالٍ عند سماع سؤال "ابنة التنين الصغيرة ".
"هل أنتما مهتمتان بي ، أنا تساو ؟ إذا كان الأمر كذلك فإن تساو... "
وقبل أن يكمل حديثه ، ومض ضوء فضي خاطف ، وفي اللحظة التالية توقف "تساو ينغ لونغ " فجأة ، ورفع يده ليمسك بعنقه ، وعيناه جاحظتان من الصدمة ، ثم سقطت جثة هامدة على ظهره.
عندها فقط ، بدأ الدم يتدفق من عنقه بغزارة كينبوع متفجر ، رذاذاً تطاير في الهواء.
"هجوم! "
عند رؤية "تساو ينغ لونغ " يُقتل بمجرد ظهوره ، تغيرت تعابير الطغاة الثلاثة الآخرين بشكل جذري ، وخاصة "الأرض المحروقة لألف ميل " الذي زأر بغضب بينما كان يتراجع بسرعة. و لقد استطاعوا حشد ما يقرب من عشرة آلاف من قطاع الطرق للسيطرة على المنطقة ، وبالطبع كانوا يتمتعون بذكاء وفراسة. ومع أنهم لم يدركوا كيف قُتل "تساو ينغ لونغ " بضربة واحدة إلا أنه كان من الجلي أن هاتين المرأتين عدوتان لدودتان وليستا بصديقتين ، وأنهما تملكان مهارات فذة. لذا تراجع الطغاة الثلاثة بسرعة ، آمرين مرؤوسيهم بالتقدم للتضحية بأنفسهم ، في محاولة لاستغلال الفرصة والفرار بجلودهم.
لو كان الخصم شخصاً آخر ، لربما نجحت هذه الحيلة. ومع ذلك فإن "مهارة التحكم بالسيف " الخاصة بـ "ابنة التنين الصغيرة " لم تكن مجرد تقنية سلاح مخفي أو فن سيف عادي. فالسيف الحاد دار كالأفعى الفضية ، مخترقاً صفوف الرجال ومتجهاً مباشرة نحو الطغاة الثلاثة المتبقين. وما إن شرعوا في التراجع حتى أحسوا بوميض السيف قبل أن يتمكنوا من إبداء أي رد فعل ، ليلحقوا بـ "تساو ينغ لونغ " ويصبحوا جثثاً هامدة.
في هذه اللحظة لم يدرك قطاع الطرق أن "الطغاة الأربعة " قد هلكوا ، فاستمروا في اندفاعهم للأمام وهم يزأرون غضباً.
في مواجهة هؤلاء الأشرار لم تتراجع "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة ". ففي طريقهما ، مرتا بقرى عديدة وشاهدتا المشاهد المأساوية التي خلفها نهب "الطغاة الأربعة " وحرقهم وقتلهم ، بل ورأتا نساءً أُهينت كرامتهن وصُلبت جثثهن على الجدران ، وهو أمر لم تستطع حتى "ابنة التنين الصغيرة " -الهادئة بطبعها- أن تتحمله. لذا عند رؤية هؤلاء القتلة الآن لم يكن لديهما أي نية للرأفة بهم.
بينما كان قطاع الطرق ينقضون عليهم ، رفعت "ابنة التنين الصغيرة " يدها اليمنى ، مستخدمة طاقتها ( تشي ) للتحكم بالسيف. تحول سيفان حادان إلى أفاعٍ فضية تغلغلت بين الحشود ، ناثرة الدماء ومثيرة صرخات الفزع أينما حلت. هؤلاء المرتزقة الذين اعتادوا على العنف والبطش لم يروا قط مهارات سماوية كهذه ؛ فمجرد رؤية سيف يطير بحرية في الهواء دون أن يمسكه أحد كان كافياً لبث الرعب في قلوبهم.
ناهيك عن أن "ابنة التنين الصغيرة " قد دمجت سيفيها التوأمين بمهارة "سيف الفتاة اليشمية " من "طائفة المقبرة القديمة " مع "تقنية التحكم بالسيف " وهو أسلوب يصعب حتى على "الأسياد العظام " (الساده الكبار) مواجهته. وبالطبع لم تكن لهؤلاء الرعاع أي فرصة ؛ فرقص السيفان التوأمان ودارا ، يحصدان أرواح قطاع الطرق الذين لم يقووا على الصمود أمام ضربة واحدة ، فكانوا يهلكون بمجرد الملامسة. ومع ذلك لم يدفعهم هذا للتراجع ، بل ألهب غريزتهم الوحشية ؛ فهؤلاء الأشرار الذين اعتادوا العيش على حد السيف لا يهابون شيئاً ، فواصلوا الاندفاع رغم رؤية رفاقهم يتساقطون من حولهم.
حتى تدخلت "وانغ يويان ".
"قصف رعد مدوٍ...!!! "
ومض البرق ، وزأر الرعد ، وانهمرت صواعق لا حصر لها كشلال من الكهرباء وسط قطاع الطرق ، محولة المئات منهم إلى رماد في لمح البصر.
في تلك اللحظة ، انهارت العزائم تماماً.
قد لا يخشى قطاع الطرق السيوف الطائرة ، لكنهم بالتأكيد لا يستطيعون الصمود أمام قوى الطبيعة الجبارة. فمهما كان السلاح الذي تحمله ، لن يقوى على مقاومة قوة الرعد والبرق. وبتدخل "وانغ يويان " انهار الجمع الذي كان شرساً قبل قليل. ومع ذلك لم يكن الهروب يسيراً ، إذ كان زئير الرعد يتردد في الأرجاء ، مغلفاً العالم بالبرق ، تاركاً إياهم في حالة ذعر لا يدرون أين المفر.
عند هذه النقطة ، كشفت "ابنة التنين الصغيرة " أخيراً عن ضربتها القاضية.
ومع تركيز ذهنها وتدفق طاقتها الحقيقية ، ظهر في اللحظة التالية ضوءان أزرقان طويلان للسيف ، يمتد طولهما لأمتار عدة ، واشتبكا مع البرق المنهمر ، ليتحولا من ثعابين فضية إلى تنين رعد ضخم ، يوجه الصواعق لتنفجر في كل الاتجاهات. بدا المشهد كأن كائناً سماوياً قد هبط إلى الأرض ، وحمل السيفان الحادان الرعد المتدحرج مثل تنينين عظيمين يجوبان المكان ، ويحيلان كل ما يمران به إلى فحم متفحم.
"همم ، ليس سيئاً لم أتوقع أن تطور هاتان الفتاتان مهارة مشتركة. "
وقف "دوانمو هواي " بجانب النافذة ، يرقب ساحة المعركة في الخارج ، وهو يومئ برأسه رضا وإعجاباً. ورغم أنه هو من منحهما "الكتب السرية " إلا أنه لم يستطع ممارستها بنفسه ، لذا فإن ما حققتاه يعتمد كلياً على فهمهما وإدراكهما. ولحسن الحظ ، بدا أنهما تتمتعان بموهبة استثنائية ، فلم تتعلما المحتوى فحسب ، بل ابتكرتا فيه أيضاً.
بمهارتهما الحالية و يمكنهما التجول في "عالم السيف الخالد " (السيف العالم الخالد) دون خوف.
أما بالنسبة لـ "شانغ شيوشون " والآخرين ، فقد تملكهم الذهول التام ؛ فمجرد النظر إلى المشهد الخارجي عبر النافذة جعلهم يشعرون وكأنهم في حلم سريالي ، لدرجة أن "شانغ شيوشون " تساءلت إن كانت نائمة. و لكن الرعد الذي أصم الآذان مع وميض البرق الذي خطف الأبصار كانا حقيقيين تماماً ، مما جعلها تقف جامدة في مكانها مذهولة.
لا أحد يعلم كم من الوقت مضى قبل أن ينقطع صوت الرعد في الخارج ، لتتبعه "وانغ يويان " التي فتحت الباب بحماس وهي تدخل.
"لقد تم القضاء على قطاع الطرق جميعاً. "
عندها فقط ، وضعت المعركة أوزارها.
حين عاد الجميع إلى "مزرعة الخيول الطائرة " كان الوقت قد تأخر كثيراً ، وكان العديد منهم مصابين ، لكن حماسهم كان واضحاً لا يخفى. ففي النهاية كان "الطغاة الأربعة " قد شنوا هجوماً مباغتاً بكل قوتهم ، والأهم من ذلك أن "شانغ شيوشون " وقعت في فخ أحكمه الطغاة فى الجوار. لولا وصول "دوانمو هواي " والآخرين ، لكانت المزرعة قد سقطت تماماً في قبضتهم.
لكن التاريخ لا يعترف بكلمة "لو " ؛ ففي النهاية ، هلك "الطغاة الأربعة " وقُتل معظم قادتهم في المعركة ، وفر البقية هاربين. عاد الجميع إلى المزرعة ليستريحوا تلك الليلة ، وفي صباح اليوم التالي ، دُعي "دوانمو هواي " والآخرون إلى القاعة الرئيسية للقاء "شانغ شيوشون " مجدداً.
"حقاً لم أتوقع أن يشرفنا 'إله القتل الذي لا يقهر ' بحضوره وينقذني وينقذ مزرعة الخيول الطائرة من الهلاك. و هذا الجميل والمعروف لن تنساه شيوشون أبداً. "
في هذه اللحظة كانت "شانغ شيوشون " قد استبدلت ملابس القتال بزيها المعتاد. وكان فى الجوار قلة ممن رآهم "دوانمو هواي " في الليلة السابقة ، فوقفوا جميعاً محني الرؤوس تحية له.
أما سبب عدم تعرفهم على "دوانمو هواي " فوراً في الليلة السابقة ، فيعود جزئياً إلى الظلام ، ولأن "شانغ شيوشون " كانت غارقة في التفكير بكيفية الخلاص من الفخ "الطغاة الأربعة " في تلك القرية المهجورة ، فلم تعره اهتماماً خاصاً. بالإضافة إلى ذلك كانت "مزرعة الخيول الطائرة " تقليدياً بعيدة عن صراعات "الجيانغهو " (عالم القتلة والفرسان) ، مركزة فقط على التجارة ، ولم تكن ملمة بأخبار العالم الخارجي بشكل دقيق. ولم يتعرف عليهما ذوا الخبرة في الجيانغهو اللذان كانا بجانبها إلا بعد أن بدأت "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة " بالتحرك.
بعد العودة للمزرعة ، شرح هذان الخبيران الموقف لـ "شانغ شيوشون " بالتفصيل ، وعندها فقط أدركت حقيقة الأمر. ولابد من القول إن "شانغ شيوشون " ربما ظنت سابقاً أن الخبيرين يبالغان ، لكن بعد معاينة المهارات المذهلة لـ "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة " لم تملك إلا أن تصدقهما ؛ فإذا كانت فتاتان تملكانت هذه القدرات المذهلة ، فمن المنطقي أن يكون "دوانمو هواي " أكثر هيبة وقوة.
لكن السؤال الذي طرح نفسه: ماذا يفعل هنا في المزرعة ؟
تذكرت "شانغ شيوشون " قوله بأنه جاء ليبحث عنها ، لكنها لم تكن تعرفه سابقاً ولا تربطها بـ "إله القتل " هذا أي صلة ، فلماذا يقصدها هي بالذات ؟
عند التفكير في هذا ، اضطرب قلب "شانغ شيوشون " وتساءلت إن كان قد جاء طمعاً في المزرعة ، وإذا كان ذلك صحيحاً ، فإن "مزرعة الخيول الطائرة " قد تواجه كارثة لم يسبق لها مثيل.
"لا داعي لكل هذا الامتنان. "
لوح "دوانمو هواي " بيده ، وجلس على الأريكة المريحة بجانبه -التي كانت "شانغ شيوشون " تستخدمها للاستلقاء والقراءة ، لكنها الآن كانت مقعداً مثالياً لهيكل "دوانمو هواي " الضخم. أسرعت "شانغ شيوشون " بالإشارة للخدم لتقديم الشاي والحلويات لـ "دوانمو هواي " و "وانغ يويان " و "ابنة التنين الصغيرة ". مد "دوانمو هواي " يده وأخذ قطعة حلوى ، قضم منها قضمـة وأومأ برأسه استحساناً.
حلاوة غير مفرطة ، ورائحة زكية ومنعشة ؛ يبدو أن "شانغ شيوشون " تملك مهارات حقيقية في هذا الشأن.
"هل لي أن أسأل ، ما الذي أتى بك إلى مزرعتنا للبحث عن شيوشون ؟ "
بعد أن جلس الجميع لم تطق "شانغ شيوشون " صبراً فسألت ، فأخذ "دوانمو هواي " قضمة أخرى من الحلوى قبل أن يجيب.
"في الواقع ، ليس أمراً جللاً... سمعت أن مالكة المزرعة تعشق الطعام الفاخر ؟ "
"هذا... هو بالفعل شغف شيوشون. "
ذهلت "شانغ شيوشون " من ذكر "دوانمو هواي " المفاجئ لهذا الأمر ، لكنها أومأت برأسها. وعند سماع ذلك ضحك "دوانمو هواي " بملء فيه.
"هذا صحيح ، لقد جئت لأطلب من مالكة المزرعة معروفاً. وبما أنكِ تحبين الطعام الفاخر ، فلابد أنكِ على دراية واسعة بأطايب 'الولاية الجنوبية ' وأشهر طهاتها. و أنا غريب عن هذه الولاية ، وأرغب في تذوق أشهى مأكولاتها والاستمتاع بمناظرها ومذاقاتها. لذا آمل أن تزوديني ببعض المعلومات عن مطبخ الولاية الجنوبية وأمهر الطهاة هناك ، لأتمكن من تتبعها والاستمتاع بها. "
"هذا...... "
عند سماع هذا ، تسمرت "شانغ شيوشون " والجميع في أماكنهم ، وعقدت الدهشة ألسنتهم. و لقد وضعوا احتمالات وتكهنات عديدة لسبب زيارته ، لكنهم لم يتخيلوا أبداً أنه جاء... ليسأل عن الطعام!