Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

مسار شخصية ثانوية نحو السلطة 317

الفأر في الفخ [5]


الفصل 317: الفأر في الفخ [5]

هز لومين كتفيه بلا مبالاة، كما لو كان يناقش حالة الطقس بدلاً من الوقوف في عرين رعب سحيق قديم.

أجاب لومين بصوتٍ عاديٍّ يكاد يكون مملاً "لا شيء يدعو للدهشة. كنت أفكر... ماذا لو أنهيتُ حياتك بدلاً من أخذ الحجر وإضاعة الوقت في كل هذه المماطلات؟ ألن يكون ذلك أسهل بكثير؟"

ساد الصمت التام الغرفة. حتى النبض الخفيف لحجر نيكسوس بدا وكأنه توقف، كما لو أن الكون نفسه قد حبس أنفاسه.

ثم انفجرت ضحكة أوسيان في الفضاء، ضحكة جامحة وغير متوازنة.

"هل فقدت عقلكِ تماماً، أيتها الفأرة الصغيرة؟" قالها بصوتٍ متقطع بين تعويذات من المرح الهستيري. "تقتلينني؟ بالكاد تستطيعين الوقوف في حضوري دون أن ترتعدي، وتظنين أنكِ قادرة على ذلك؟"

"بما أنك قوي جداً" قاطع لومين بسلاسة، وابتسامته لم تتزعزع أبداً "يجب أن تعلم أنني أقول الحقيقة. أليس كذلك؟"

انطفأت الضحكة على الفور. ضاقت عينا أوسيان البنفسجيتان إلى شقوق متوهجة، وانخفضت درجة الحرارة بسرعة كبيرة لدرجة أن الصقيع بدأ يتشكل على جدران العظام.

انغمست الغرفة في ظلام دامس. اختفت الهندسة المعمارية المألوفة، ولم يتبق سوى فراغ لا نهاية له تتخلله عيون بنفسجية لا حصر لها تفتح في كل اتجاه - من الأعلى والأسفل والجوانب، تراقب من زوايا مستحيلة كنجوم شريرة في سماء ميتة.

لم يطرف لومين جفنه حتى.

عبس مهندس الفتنة في داخله، وشعر بعقدة باردة من القلق تتشكل في وعيه. لماذا كان هذا الطفل التافه واثقاً جداً؟ كانت الغرفة معزولة عن العالم الخارجي، ومقطوعة عن أي تعزيزات محتملة.

لم يكن لدى الصبي حلفاء، ولا طريق للهروب، ولا أي ميزة يمكن تصورها.

فلماذا بدا وكأنه في المكان الذي يريد أن يكون فيه بالضبط؟

هل يمكن أن يكون...

هل استطاع هذا الفاني التافه أن يرى حقيقة أكاذيبه المحبوكة بعناية؟ طبقات الخداع المتراكمة التي نسجها بدقة متناهية؟

مستحيل. ومع ذلك...

لعن في سره، وعقله يغلي من الإحباط. لو كان يملك كامل قوته، لما اضطر إلى اللجوء إلى هذه الخدعة البائسة.

كان بإمكانه ببساطة إعادة كتابة الواقع نفسه، وتطويع نسيج الوجود لإرادته. ولكن بما أنه كان محاصراً، ومُضعَفاً ومُقيداً بالختم الملعون، فإن معظم كلماته التهديدية كانت مجرد خدع مُتقنة.

كان بإمكانه قتلهم، بلا شك. لا تزال لديه تلك القوة. ولكن تغيير الذكريات؟ أو خلق دمى عقلية مثالية؟ تلك القدرات تتجاوز بكثير قدراته الحالية.

وإذا قتل هذين الاثنين ببساطة، فكم من الوقت سيتعين عليه الانتظار قبل أن تطأ قدم كائن حي آخر هذا المكان المهجور؟ عقود؟ قرون؟ ألف عام أخرى من العزلة المجنونة؟

أثارت هذه الفكرة غضباً شديداً في جسده الأثيري، بالكاد يستطيع كبحه.

لا. وكان بحاجة إلى تعاون الصبي، سواء كان راغباً حقاً أم لا. وهذا يعني أن الضغط العقلي كان يجب أن يكون مثالياً، والتلاعب لا تشوبه شائبة.

بدأت الأصوات تتردد من جميع الاتجاهات، جوقة من التهديدات الهامسة التي بدت وكأنها تأتي من الفراغ نفسه.

"إذا كنت لا تريد مصيراً أسوأ من الموت، فافعل ما أقوله..."

"استسلم أيها الفاني الصغير..."

"غرورك سيكون سبب هلاكك..."

ضحك لومين مرة أخرى، وانتشر صوته بوضوح عبر الظلام القاتم.

"ألا تصدقني حقاً؟"

بدأت أعصاب المهندس العتيقة التي لم تعتد الشك بعد آلاف السنين من السيطرة المطلقة، بالانهيار. كان هذا خطأً. كل شيء في هذا الموقف كان خاطئاً. كان ينبغي أن يكون الصبي مرتجفاً، متوسلاً، منهاراً تحت وطأة الرعب الهائل.

"لم تترك لي خياراً آخر" دوّت الأصوات، عازمةً على سحق هذه الوقاحة نهائياً. "سأكشف خبايا عقلك حتى أجد مصدر هذا الهراء—"

وبينما كان يستعد لتلقين هذا الفأر الوقح درساً من شأنه أن يحطم عقله تماماً، هزت هزة قوية الغرفة، مما تسبب في ارتعاش الظلام نفسه وانهياره مثل لوح زجاجي محطم.

عينان ضخمتان مزقتا الواقع خلف لومين.

أخضر زمردي. عريقٌ لا يُضاهى. مهيبٌ كعظمة التنين.

كانت تحمل في طياتها ثقل حقب زمنية جعلت وجود المهندس المعماري نفسه الذي دام مليون عام، يبدو وكأنه لحظة عابرة. انقبضت حدقتا عينيهما لتصبحا شقين عموديين، مركزتين ببرود ودقة حسابية كحيوان مفترس في قمة السلسلة الغذائية وجد فريسته.

وكانوا ينظرون مباشرة إلى مهندس الفتنة.

اتسعت العيون البنفسجية التي لا تعد ولا تحصى في انسجام تام. وبدا ظلام الغرفة القمعي وكأنه يتراجع، منكمشاً أمام تلك النظرة الزمردية كظلال تهرب من الفجر.

للمرة الأولى منذ أكثر من مليون عام - للمرة الأولى منذ بدء سجنه - شعر مهندس الفتنة بشيء كاد أن ينساه.

يخاف.

رعبٌ خامٌّ، بدائيٌّ، عميقٌ كالعظام، وصل إلى صميم كيانه.

ذلك النوع من الخوف الذي يصاحب اليقين المطلق باقتراب الموت.

رمشت العينان الزمرديتان مرة واحدة ببطء، وبدا الهواء وكأنه يثقل بقوة قديمة طغت على كل ما أظهره المهندس المعماري. ارتجف الفراغ نفسه تحت تلك النظرة، وانحنى الواقع حول حضور هائل وأزلي لدرجة أن جدران الغرفة بدأت تتشقق لمجرد الاقتراب منه.

تجولت عيون المهندس البنفسجية التي لا تُحصى في الظلام بحثاً محموماً عن مخارج غير موجودة، وعن تفسيرات منطقية. كيف حدث هذا؟ كيف استطاع فتى بشريّ بسيط أن يُدخل شيئاً كهذا إلى عالمه المُغلق؟

إلا إذا...

أدرك الحقيقة فجأةً كأنها ضربةٌ قوية. فلم يكن الصبي محاصراً على الإطلاق. و لقد دخل إلى هنا وهو يعلم تماماً ما سيجده، حاملاً معه هذا الرعب القديم كخنجرٍ مخفي. كل سؤال و كل نظرةٍ مريبة و كل فحصٍ دقيق - كل ذلك كان تمهيداً لهذه اللحظة.

كان المهندس المعماري منغمساً جداً في شبكة أكاذيبه الخاصة لدرجة أنه فشل في رؤية اللعبة الأكبر التي تُدار من حوله.

عيون المهندس المعماري البنفسجية التي لا تعد ولا تحصى، والتي اتسعت الآن برعب متزايد، ثبتت على المهندس الحقيقي لهذه الكارثة غير المتوقعة.

في هدوء تام في قلب العاصفة، راقب لومين ذعر الكيان القديم وهو يتكشف. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة واثقة، في إشارة إلى انتصار بارد.

بدت الكرات الزمردية المرعبة التي تحوم خلفه وكأنها توافق على تعبيره.

"هل ما زلت تعتقد أنني أخدعك؟" سأل بصوت خافت، قاطعاً الصمت المطبق كحكم إعدام هامس. "ويبدو أنك أدركت ذلك بالفعل..."

"أنت من وقع في الفخ، أليس كذلك؟"

"الفأر الصغير~"



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط