الفصل 238: قرية كيثال [1]
قلتُ "حسناً، الأمر ليس بالخطأ الكبير، أردتُ فقط أن أطلبَ منك معروفاً. هل يمكنك أن تعيرنا زوجاً من أحذية الكول مرة أخرى؟"
أومأوا برؤوسهم متفهمين، وهم ينظرون بيني وبين كاساندرا. "هل ستعود إلى قلعة الكسوف مرة أخرى، أيها المحسن؟"
"أجل، لقد فهمتَ الأمر على وجهه الصحيح." أومأتُ برأسي. "عليّ مرافقة هذه الشابة إلى القلعة. وبالطبع سأعود إلى هناك أيضاً."
أجاب الحارس الأول دون تردد "بالتأكيد، أيها المحسن. وفي هذه الحالة، لمَ لا تزور الزعيم بينما نُجهز الكول؟ لقد غادر وهو فاقد الوعي." ثم ازداد تعبيره جدية. "لقد كان يندم على تفويت فرصة التعبير عن امتنانه كما ينبغي. كلٌّ يُجزى بما يشتهي."
أومأ الحارس الثاني موافقاً. "نعم، يسأل كيثمار عنك كل يوم منذ أن استيقظ. إنه يشعر بالإهانة لأنه لم يتمكن من شكرك وجهاً لوجه. من لم يشكر الناس، لم يذكر الله."
"أوه، هل هذا صحيح؟" أجبتُ بتلعثم. فلم يكن لدينا متسع من الوقت حينها، فغادرنا في الصباح الباكر. لا بد أن الزعيم استيقظ حوالي الظهر أو المساء، نظراً لحالته. "حسناً، خذنا إلى الزعيم إذن. لا يضرّ التريث قليلاً، أليس كذلك؟"
همهمت كاساندرا بهدوء، معبرة عن موافقتها.
"حسناً، سيأخذك تورفيكس إلى الزعيم، بينما سأتولى أمر الكول." ربت الحارس الثاني على كتفي. لحسن الحظ، كنتُ قوياً بدنياً، وإلا لكنتُ انهرتُ في الحال. "لا تقلقا، سأختار لكما أفضلهم."
"أنا ممتنٌ لك حقاً يا أخي بوريكس." أومأتُ برأسي شاكراً والتفتُّ إلى الحارس الأول. "تفضل، قُد الطريق يا أخي تورفيكس."
"هيا بنا." ابتسم تورفيكس وأشار إلينا لنتبعه إلى داخل المستوطنة.
بينما كنا نتجول في القرية لم يسعني إلا أن ألاحظ كيف كان شعب كيثال يمارسون حياتهم اليومية. أطفالٌ ذوو بشرة زرقاء شاحبة وشعر أبيض يلعبون بين الخيام، بعضهم يقذف كرات الثلج على بعضهم، وبعضهم يصنع رجال الثلج، وبعضهم يتدرب بالعصي. ضحكاتهم كانت تُشكّل سحباً صغيرة من الضباب الكريستالي في الهواء البارد.
قالت كاساندرا بهدوء، وهي غير قادرة على إخفاء فضولها "إذن، هل كنت هنا من قبل؟"
أجابت بصوت منخفض "مؤخراً فقط. وقد ساعدتهم أنا وبعض الأصدقاء في ذلك الوقت."
همست كاساندرا قائلة "أوه، لا بد أنها كانت مساعدة كبيرة إذن."
"لا، ليس إلى هذا الحد." ابتسمت خفيفة.
حسناً لم أكن أكذب.
توليتُ في الغالب مهام العلاج والعمل، بينما تولى زفير وإيرون والبروفيسور هاركن باقي المهام. و لكن يبدو أن المعالجين نادرون في عشيرتهم، لذا حظيت مساهمتي بتقدير أكبر، خاصةً لشخص مثلي قادر على معالجة المشاكل المستعصية. ومع ذلك فهي ليست علاجاً بالمعنى الحرفي.
"ها نحن ذا" أعلن توريكس بعد فترة، متوقفاً أمام خيمة كبيرة كانت تقف منفصلة عن البقية.
كان حجمه ضعف حجم المساكن المحيطة به بسهولة، مع نقوش زرقاء متجمدة معقدة محفورة على طول حوافه.
وقف حارسان آخران على جانبي المدخل، واستقاما كلاهما عندما رأيا توريكس ولاحظاني.
"عاد المجيد!" صاح أحدهم بلغتهم الأم، ثم انتقل بسرعة إلى اللغة العامة. "سيفرح كيثمار كثيراً. ومن فضلكم، انتظروا لحظة."
اختفى الحارس داخل الخيمة، وسمعنا أصواتاً مكتومة تتحدث بسرعة بلغتهم. حيث كان من السهل تمييز الحماس في نبرتهم حتى وإن لم أفهم معظم كلماتهم.
وبعد لحظات قليلة، دوى صوت أعمق وأكثر برودة من الخيمة.
خرج الحارس بعد ذلك بوقت قصير، وفتح لنا الباب.
قال توريكس "سأعود إلى البوابة أيها المحسن" ثم انصرف بسرعة.
شكرته وأخذت كاساندرا إلى الداخل.
بمجرد أن عبرنا باب المدخل، لامس هواء الخيمة الدافئ وجوهنا على الفور. حيث كان ذلك تناقضاً صارخاً مع البرد في الخارج. حيث كان الداخل واسعاً ومجهزاً تجهيزاً جيداً، حيث غطت الفراء السميكة الأرض وتدلت المنسوجات المزخرفة من الجدران المنحنية.
ألقت حفرة النار المركزية بظلال راقصة على كل شيء، وملأت المساحة الشاسعة بشكل مدهش بوهج مريح.
وهناك، جالساً على منصة مرتفعة كان الكيثمار، أو الزعيم.
كان يتمتع بهيبة حتى وهو جالس، طويل القامة وعريض المنكبين، يجسد سمات قومه. ورغم أن شعره الأبيض ولحيته كانا أطول من المعتاد إلا أنه كان يضفرهما تجنباً لأي إزعاج.
على الرغم من مظهره المخيف إلا أن عينيه أشرقتا بفرح حقيقي عندما نظر إلي.
"ثيرون فيلنيث كالار!" صاح بصوتٍ جهوري، ثم نهض واقفاً، فازداد هيبته بطوله الذي يقارب سبعة أقدام. "أهلاً بك أيها المجيد!"
مشينا باتجاه بعضنا، ولما رأيت قبضته ترتفع، ابتسمت في سري. رفعت قبضتي رداً على ذلك. و لكن قوة الزعيم كانت واضحةً أنها تفوقني بكثير وكان عليّ أن أستعد جيداً لأتجنب تلقي ضربة قوية. لحسن الحظ كان يتحكم بقوته ببراعة.
لم ينسَ أن يومئ برأسه إلى كاساندرا.
قال بصوتٍ جهوريٍّ عميق "يسعدني حقاً أن أراك بخير يا أخي. إن شعب كيثال يتذكر من يقفون إلى جانبنا. وقد أنقذت حياتي وحياة الكثيرين غيري. كيف لنا أن نردّ هذا الجميل؟"
ثم أشار إلى مكان قريب من النار. "تفضلوا بالجلوس! شاركونا دفئنا، وأخبرونا عن رحلتكم. هل أنتم بخير؟"
"كما ترى، أنا بخير وبصحة جيدة" أجابته، ورددت ابتسامته الدافئة. "لكن يا كيثمار، لماذا لا نلقي نظرة على حالتك أولاً؟"
أومأ الرئيس برأسه موافقاً، وجلسنا كلانا على المراتب السميكة المصنوعة من الفرو، متقابلين.
أمسكتُ بمعصمه، وأغمضتُ عينيّ لأركّز بينما كنتُ أتحسّس نبضه. و كما استخدمتُ مفارقة المُصلِح لمزيد من الوضوح.
همم...
"لقد شفيت إصاباتك الداخلية جيداً" علّقتُ وأنا أفتح عينيّ. "لقد زال الضرر الذي لحق بأعضائك تقريباً. ومع ذلك لا تزال مساراتك بحاجة إلى بعض الوقت للتعافي." رفعتُ رأسي لألتقي بنظراته. "أنت بصحة جيدة، ولكن عليك الامتناع عن استخدام الهالة لفترة أطول لتجنب أي مضاعفات. الوقاية خير من العلاج."
ازدادت ملامح الرئيس جدية. "إلى متى يا محسن؟"
قلتُ وأنا أرفع كفي إلى جبهته العريضة "أسبوع آخر على الأقل. ومن فضلك، انحنِ للأمام قليلاً."
امتثل الرئيس دون تردد، وانحنى قليلاً لأتمكن من الوصول إليه بسهولة. حيث وضعتُ كفي على جبينه وأغمضتُ عينيّ مجدداً. ثم فعّلتُ مفارقة المُصلِح مرة أخرى.
لنرى...