الفصل 201: وحدة تتجاوز البرد
أين أنا؟
طفت الفكرة ببطء، مثل فقاعة تصعد في القطران. سبح بصري، والعالم عبارة عن لطخة بيضاء باهتة.
ثلج؟
لا، كان الجو ساطعاً جداً، وخالياً جداً ليكون مجرد ثلج.
همم؟
ثم تذكرت كل شيء:
- فم الكفن يتثاءب على اتساعه، والغوص المرعب في جوهره.
- عمل كل من وميض الفانوس، والعبء المشترك، ومفارقة المعالج جنباً إلى جنب، وانعكس تأثير مرآة الهلال من خلال جوهرها.
- لقد تم سكب كل قوة، وكل قطرة أخيرة من الهالة، في تلك المناورة اليائسة الوحيدة.
أنا لست ميتاً، أليس كذلك؟
انتابني شعور بالقلق في أحشائي. حاولت أن أمد يدي، وأن أستحضر شاشة النظام المألوفة والمريحة.
لا يوجد صوت "رنين" ولا إشارة ثلاثية الأبعاد، لا شيء.
مجرد صمت هائل ومقلق لهذا الفراغ الغريب.
هدير.
ثم بدأ البياض القاتم يتلاشى، ويخف عند حوافه.
خف، كاشفاً عن لمحات طيفية لقمم مسننة وعواصف ثلجية دوامية لا تتوقف في الخلف. واتسعت المساحة غير المحددة، متلألئة، لتفسح المجال لجبال شاسعة، مغطاة بالثلوج بشكل دائم، تضربها رياح عاتية كدت أشعر بها.
انقبضت يداي على لا شيء.
هذا ليس صحيحاً.
كانت الخطة دقيقة: السماح للكفن بالإيقاع بي، وتركه يعتقد أن النصر مطلق، بل وتوجيهه لسحبي إلى جوهره. حيث كانت عين طارد الأرواح الشريرة قد بدأت بالفعل في الاستيقاظ عندما مال العالم جانباً.
أتذكر بوضوح نورها المطهر وهو يتصاعد خلف عيني، قبل لحظة من إطلاقها، وكان تركيزي مطلقاً، ولكن بعد ذلك تذبذب وعيي بعنف. ثم...
ثم... كنت هنا.... حسناً، لنهدأ ونقيّم الوضع.
نظرت حولي، أو بالأحرى، أنا ببساطة
رأى.
لم تكن رؤيتي مقتصرة على الأمام، أو حتى المحيط. لقد كانت بانوراما كاملة ومقلقة بزاوية 360 درجة، كما لو كنت أمتلك عيوناً على كل سطح، أدركها جميعاً في وقت واحد.
هل أنا طائر أم ماذا؟
كانت الفكرة غريبة، لكن الإحساس نفسه، هذا الإدراك اللامحدود كان مريحاً بشكل غريب، ومألوفاً تماماً لهذا "الجسد" الجديد الذي كنت فيه.
ثم بدأ الزمن بالتشوه.
المشهد من حولي، العاصفة الثلجية التي لا نهاية لها والموحشة، بدأ يتألق.
تداخلت الأيام مع الأسابيع، والأسابيع مع الفصول، والفصول مع السنوات.
تتكرر نفس الدورات - الأبيض والريح، القاسي والصامت.
نفس العملية، ومضة وعي وجيزة، ومشهد ثابت، تتكرر مراراً وتكراراً.
استقرت في ذهني حقيقة باردة لا جدال فيها.
لم أكن ميتاً على الإطلاق.
ربما كنت أختبر ماضي الكفن. ذكرياته، مكشوفة أمامي، خامة وغير منقحة.
بدا أن هذا الشيء، هذا الكيان من الجليد والضباب، قد ولد كظاهرة طبيعية داخل العاصفة الثلجية نفسها، وحش هالة نقية ناشئ يتجمع من الطاقات الخام لهذه النفايات المتجمدة.
في بدايتها كانت مجرد... مراقب. عاجزة عن الحركة، عاجزة عن التفاعل، مراقب حديث الولادة في عالم من البياض اللامتناهي.
ومرت السنوات كأنها لمحات خاطفة.
بدأ الكيان عديم الشكل بالتحرك، في توسع بطيء ومتأنٍ. واكتسب إرادة، ينجرف ويدور بحرية مع العاصفة الثلجية، ليصبح جزءاً حياً من الضباب الكثيف.
مرت اثنتا عشرة سنة أخرى أو نحو ذلك بشكل ضبابي مثل صفحات الكتب التي تُقلب صفحاتها.
ثم تغيير في المناوبة.
من خلال الثلج المتساقط، رأتهم: أولى أشكال الحياة الجديدة.
مخلوقات غريبة، وحوش بأجساد تشبه إلى حد ما الهياكل العظمية لفرائس نافقة منذ زمن طويل، تتحرك برشاقة غريبة صامتة عبر الثلج. كانت تلك أولى بوادر "الوعي" في هذا العالم الموحش، خارج نطاق الكفن الناشئ نفسه.
ثم ظهر مشهد جديد آخر، يلوح في الأفق من البياض: قلعة الكارادة.
انحبس أنفاسي. لقد تعرفت عليه على الفور فالظلال المسننة لأبراجه وجدرانه كانت رعباً مألوفاً.
شعرتُ بدافعٍ فطريٍّ من منظور الكفن، محاولةٍ ناشئةٍ للتواصل، إلى
التحدث
إلى هذه المخلوقات الجديدة.
لكن لم تكن هناك أحبال صوتية، ولا لغة، فقط رغبة بلا شكل.
من خلال ذلك الاتصال الخفي، شعرت به: شعور عميق بالوحدة، وملل هائل وفارغ يمتد عبر وجود لم يعرف شيئاً سوى البياض الذي لا نهاية له.
لكن مع مرور الوقت، تغير الشعور بالملل.
بدأ الوعي يتطور: لقد كانت تمتلك قوى غريبة. قوى بدأت للتو في فهمها.
حدث كل شيء بطريقة بسيطة ومصادفة.
كانت الثلوج تتساقط بغزارة من حوله، وعاصفة ثلجية هوجاء تعصف بالمكان. وتعثر إنسان، يرتدي عباءة ويقف منحنياً في وجه الريح، مباشرة عبر الضباب الكثيف.
للحظة متقطعة، تدفقت مجموعة من الصور والأصوات والمشاعر الغريبة عبر وعي الكفن الناشئ: نار متذبذبة (موقد)، ودفء ضحكة بعيدة، ورائحة اللحم المطبوخ - لمحة من ذكريات الإنسان.
شاهدتُ بانبهار كيف وجد الكفن أخيراً متنفساً من الملل الذي لا ينتهي.
أصبحت الاتصالات العابرة أكثر تواتراً وأكثر تعمداً.
كانت تنجرف بالقرب من القلعة خلال كل عاصفة ثلجية، منجذبة إلى أصداء الحياة والفكر الخافتة التي تتسرب عبر الحجر.
كان يتعلم، ويختبر حدود حواسه الجديدة الغريبة.
وبينما كنت أشاهد محاولاتها المترددة، بدأت قطع الأحجية المتناثرة تتجمع في مكانها الصحيح في ذهني.
لطالما تحدثت السجلات القديمة لمدينة آشنفانغ وايتفول عن السنوات الأولى للقلعة بأنها كانت هادئة، لكن السجلات اللاحقة ذكرت ظاهرة مقلقة: حيث أبلغ الناس العالقون في العواصف الثلجية عن هلوسات حية.
برزت الآن بوضوحٍ تامٍّ حقيقة بالغة الأهمية، لطالما أزعجتني: فقد ذكرت السجلات بوضوحٍ أنها لم تكن هناك أي إصاباتٍ جراء هذه الأحداث الغريبة. لم يُصب أحدٌ بأذىً قطّ بسبب هذه المشاهد والأصوات الوهمية.
والآن، بعد رؤية الكفن في حالته الوليدة، وهو يجرب حواسه وقواه المتطورة، أصبحت الحقيقة واضحة.
وبينما كانت تسعى لفهم ذكريات سكان القلعة، أطلقت، دون علمها، قدرة أخرى من قدراتها الناشئة - الأوهام.
مخلوقات الجليد والضباب، والدفء المريح لموقد غير موجود، والأحباء الذين يُرى من خلال العاصفة - كانت جميعها آثاراً جانبية غير مقصودة لمحاولات الكفن للتواصل، وللتخفيف من وحدته العميقة.
لم تكن الهلوسات المبكرة خبيثة بل كانت مجرد مظهر غير متقن لقوتها الوهمية.
لكن هذه القوة غير المقصودة سرعان ما أدت إلى اكتشافها القاسي من خلال حادث مؤسف.
في أحد الأيام، وخلال عاصفة ثلجية شديدة بشكل خاص، انجرف الكفن بالقرب من شخص وحيد، وهي شابة متكورّة على جدار متداعي.
وانطلاقاً من تلك الرغبة المألوفة والعميقة في التواصل، مدت يدها، مركزة كل طاقتها الناشئة على بث رؤية للدفء والراحة، ولما اعتبرته "وطناً" من خلال ذكرياتها الخاصة.
بدلاً من ذلك انهارت.
انطلقت صرخة مكتومة حزينة من حلقها، ابتلعتها الرياح. تشبثت يداها بالثلج كما لو كانت تحاول أن تدفن نفسها فيه. نبض الكفن في حيرة، وتصاعد ضبابه بإحكام.
لماذا لم يتم مواساتها؟
ثم رأيت ما رأته.