الفصل 121: عيون كالنجوم المهجورة
لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء، بل كان أشبه بكائن حي.
امتد بلا نهاية في كل اتجاه، هاوية سحيقة ابتلعت الزمان والمكان. فلم يكن هناك سماء، ولا أرض، ولا أفق - فقط سواد لا متناهٍ خانق يضغط من كل جانب كثقل الهموم المتراكمة. حيث كان الهواء (إن صحّ تسميته هواءً) كثيفاً راكداً، لا يحركه ريح ولا حركة، كما لو أن مفهوم التغيير نفسه قد مُحي من الوجود.
ومع ذلك فقد تحرك شيء ما...
شخصية وحيدة، شاحبة كالشبح، تتحرك في العدم بخطوات بطيئة محسوبة. لم تُصدر قدماها الحافيتان أي صوت في الفراغ، ولم تتركا أثراً لمرورها، وربما كانت تطفو وربما كانت تسقط. وفي هذا المكان، لا فرق بينهما.
كانت الفتاة نحيلة - ستة عشر عاماً، ربما سبعة عشر عاماً - لكن العمر فقد معناه هنا منذ زمن طويل. حيث كان لون بشرتها كلون ضوء القمر المنسي، شاحباً لدرجة أنه بدا شفافاً، كما لو أن الظلام قد سلب الدفء من عروقها على مدى سنوات لا تُحصى لم تُرى.
تشبثت بها الظلال مثل خيوط العنكبوت، ملتفة حول معصميها، وحلقها، والزوايا الحادة لعظام ترقوتها، كما لو أن الهاوية نفسها حاولت أن تستحوذ عليها واكتفت بدلاً من ذلك بوضع علامة عليها كملكية خاصة بها.
كان لون شعرها أيضاً متناسقاً مع لون الهاوية المحيطة بها.
كانت سوداء، لكن ليس السواد الغني اللامع لريش الغراب أو الحبر، بل السواد المطلق لليلة بلا نجوم - فراغ داخل فراغ. وامتدت على ظهرها كنهر من الظلال، طويلة لدرجة أنها تجمعت حول قدميها عندما وقفت ساكنة، ممتزجة بسلاسة في الظلام حتى أصبح من المستحيل التمييز بين نهايتها وبداية الهاوية.
ثم-
رفعت جفونها.
عيون رمادية فضية، بلون المرايا الباهتة، تحدق في الفراغ إلى الأمام.
ربما كانت جميلة في يوم من الأيام، وربما كانت تحمل في طياتها الضحك، أو الدموع، أو الحزن.
الآن، أصبحت جوفاء.
مملة.
مثل نوافذ منزل مهجور منذ زمن طويل كان زجاجها متصدعاً ومغطى بالغبار.
لم يكن هناك نور في تلك العيون. لا أمل. ومجرد بريق باهت فارغ، كما لو أن أي روح كانت تشتعل خلفها قد انطفأت، ولم يتبق سوى جمر بارد لفتاة نسيت كيف تشعر.
انحرفت نظرتها ببطء كأنفاس الموت، واستقرت على الكرسي.
لم يكن موجوداً من قبل.
الآن، الأمر ببساطة
كان
كرسي خشبي بسيط، تتدلى أرجله في الفراغ، وكأنها وُضعت هناك بيد خفية. وبجانبه، برز نصف طاولة من الظلام، سطحها أملس مصقول، وحافتها مقطوعة بدقة كما لو أن باقيها قد ابتلعته الهاوية.
لم تُبدِ الفتاة أي ردة فعل.
لم تُبدِ أي دهشة أو حيرة.
مجرد إمالة بطيئة آلية لرأسها، كما لو أنها كانت تتوقع هذا. وكما لو أن ظهور الأثاث المفاجئ في هذا المكان الذي لم يتغير فيه شيء كان أمراً عادياً كمرور الأيام.
اتجهت نحوه.
كانت خطواتها دقيقة، هادئة، كحركات دمية قُطعت خيوطها منذ زمن، لكن أطرافها ما زالت تتذكر كيف تنثني. فلم يكن فيها أي تردد، ولا فضول. ومجرد حركة هادئة، مستسلمة، لشيء توقف منذ زمن عن التساؤل عن وجوده.
عندما وصلت إلى الكرسي توقفت.
للحظة، وقفت هناك بلا حراك، وأصابعها متدلية على جانبيها، وتعبير وجهها خالٍ من أي تعبير. ثم جلست بنفس الدقة الجامدة.
استقرت يداها في حجرها، راحتاها متجهتان للأعلى، وأصابعها ملتفة قليلاً.
وثم-
لم يحدث شيء. جلست هناك فقط.
لم تتململ. لم تتحرك. لم ترمش.
هي ببساطة
موجودة
تمثال منحوت من الحزن والصمت.
اقتربت الهاوية أكثر، كما لو كانت تتلذذ بسكونها.
مرت دقائق.
أو ساعات.
أو قرون.
لم يكن للوقت أي معنى هنا.
ثم-
وميض.
شيء ما
تم تحويله
في الظلام - تموج، ارتعاش، نفس على مؤخرة رقبتها.
تجولت عينا الفتاة تمسحان الفراغ بنفس اللامبالاة المنفصلة. ولكن نظرتها كانت شاردة، وانتباهها مشتت، كما لو أنها كانت تؤدي مجرد حركة روتينية. فلم يكن لديها أي توقع. لا أمل في العثور على أي شيء.
ربما كان مجرد إجراء روتيني.
أو مجرد عادة.
أو...
مجرد شبح فتاة كانت على قيد الحياة ذات يوم، تؤدي أصداء ما كانت عليه في السابق.
عيناها الرماداياتان الفضيتان، الباهتتان كقطع نقدية قديمة لم تعكسا شيئاً.
وعندما انقضت اللحظة، عادوا إلى الطاولة.
منتظرين.
بلا مقابل.
لكل شيء.
لنهاية لن تأتي أبداً.
"... "
جلست الفتاة بلا حراك، وعيناها الرماداياتان الفضيتان مثبتتان على الفراغ، وأنفاسها (إن كانت لا تزال تتنفس أصلاً) ضحلة للغاية بحيث لا تزعزع السكون. أحاطت بها الهاوية كالكفن، ثابتة لا تتغير.
انقر.
تردد صدى صوت صغير ورقيق في الفراغ، مثل صوت مفتاح يدور في باب مغلق منذ زمن طويل.
انزلقت نظرة الفتاة إلى الأسفل، ببطء كالثلج المتساقط، إلى حيث اخترق خيطٌ وحيدٌ من ضوء قمر الظلام. حيث كان الخيط ملقىً بجانبها، كخيط فضي هشّ في مواجهة السواد اللامتناهي، يتوهج بضوء خافت كما لو كان يكافح من أجل البقاء في هذا المكان الذي لا يُفترض أن يكون فيه النور.
حدقت فيه.
لكن عينيها لم تحملا أي فضول أو دهشة.
كانوا يراقبون فقط.
ثم-
الظلام المحيط بها
تم التهام.
التفت حول الضوء كالأفعى، فابتلعه بالكامل في لحظة. تذبذب الخيط - مرة، مرتين - قبل أن يختفي، مُلتهماً دون أثر. استقرت الهاوية من جديد، سلسة وأبدية، كما لو أن التسلل لم يحدث أبداً.
لم تطل عينا الفتاة النظر.
لكن بعد ذلك—
ظل.
صغير. داكن.
يجلسون على حافة الطاولة حيث لم يكن أحد يجلس عليها من قبل.
رمشت الفتاة.
عاد الظل إلى مكانه.
تألقت عيون بنفسجية في الفراغ، ساطعة كالجمشت في عالم من الرماد.
ثم-
"لقد عدت يا سيدتي الصغيرة."
كان الصوت ناعماً ومرحاً، ولكنه يحمل في طياته شيئاً من القدم - شيئاً لا ينتمي إلى هذا المكان الصامت.
لم تنطق الفتاة بكلمة.
تحرك الظل، وذاب شكله وأعاد تشكيله كالحبر في الماء. وامتدت الأجنحة، وتشكلت الريش، وفي لحظات، جلس طائر أسود صغير حيث كان الظل، ورأسه مائل بفضول.
ثم-
بدأ الطائر بالتحول.
________
*(٤ فصول مقابل ٤ عملات معدنية فقط. اقرأ أدناه ⬇️)