الفصل 157: حامل العهد المنكث – 2
في الغابات الجنوبية من "أراضي اللاأحد"، كان ثمة ظل وحيد يهرع عبر التضاريس الوعرة، تنمُّ كل حركة من حركاته عن اضطرابٍ وإلحاحٍ شديدين.
كان حذاؤه يرتطم بالجذور الملتوية والحجارة المتناثرة وهو يندفع للأمام بأنفاسٍ متهدجة. خلفه، كانت تطارده مجموعة من الوحوش الشبيهة بالكلاب، تقتحم الأدغال بأجسادٍ مستعرة بالنيران، تترك أثراً محترقاً خلفها مع كل خطوة. كان كل نباحٍ يصدر عنها يقذف ألسنةً من اللهب والدخان، ومع كل قفزة، كانت شرارات النار تتطاير في الهواء وهي تضيق الخناق عليه بجوعٍ لا يرتوي.
فجأة، التفت الطريد بمرونة في منتصف ركضه، واستدار لمواجهتها غارساً قدميه في التراب ليثبّت جسده بقوة. أحكم قبضته حول مقبض نصلٍ أسود نحيف، حتى ابيضّت مفاصل أصابعه وهو يصارع لتنظيم تنفسه المنهك، بينما كان تعب السفر المضني ينهش رئتيه.
"فن شفرة الأفعى لآل سنكلير،"
"الهيئة الثانية: الموجة الملتفة."
اندفعت طاقة "المانا" المظلمة من نصله، مشكلةً أقواساً دائرية واسعة دارت في الهواء كأنها شفرات مرتدة ضخمة. كانت ضربات الطاقة تحمل وزناً وزخماً هائلين وهي تشق طريقها نحو القطيع. لم تجد "كلاب الحمم" من الرتبة (B) وقتاً للرد؛ إذ مزقتها الأقواس، مخترقةً جلودها المشتعلة بدقة متناهية. انهارت الجثث في منتصف وثبتها، وانطفأت نيرانها فور ارتطامها بالأرض الباردة.
لم يتوقف الرجل ليرى سقوطها، بل استدار بلمح البصر وانطلق في مسار دائري واسع، مستهدفاً نقاط ضعف الوحوش المتبقية ببراعة. تسارعت حركاته متجاوزةً حدود إرهاقه، وومض نصله الأسود مرة أخرى بضربة كاسحة أخيرة. سقطت بقية كلاب الحمم، وتناثرت أشلاؤها فوق أرض الغابة المتفحمة، بينما بدأت الحرارة تنخفض تدريجياً بفعل رطوبة التربة.
بعد دقائق معدودة، عاد الهدوء ليخيم على الغابة. وقف الرجل بين الجثث الهامدة، وكتفاه يعلوان ويهبطان وهو يلهث لاستعادة أنفاسه. رفع يده وأزاح غطاء رأسه، فبرز وجه "ماكسيموس" الشاحب، المغطى بالعرق والإنهاك. كانت عيناه محتقنتين بالدم، زائغتين، وكأن تلك المعركة قد استنزفت روحه قبل جسده.
زفر بتعبٍ مرير، وترنّح نحو شجرة قريبة لينزلق مستنداً إلى جذعها، غارقاً في تفكيره وهو يمسك رأسه بيديه. ضغط بأصابعه بقوة على فروة رأسه وكأنه يحاول استجماع شتات نفسه، بينما خيّم الحزن والإحباط على ملامحه الذابلة.
لقد نجح في الفرار من الساحة، لكن تلك الحرية بدت له الآن جوفاء بلا معنى. فمهما ركض أو بحث، لم يجد شيئاً يواسيه. لم يكن يملك أدنى فكرة عن وجهته التالية، ولا يملك بوصلة ترشده، ولا طريقاً واضحاً لإنقاذ "ليّا". بدت كل خطوة يخطوها وكأنها تسير به نحو العدم.
كان القلق ينهش صدره، وضيقٌ خانق يرفض أن ينجلي. بدأ فقدان التركيز يفتك به، مغذياً شعوراً متزايداً بالعجز. كان يدرك يقيناً أنه لن يغفر لنفسه أبداً إن أصاب "ليّا" أي مكروه؛ فهي أمله الأخير في هذا العالم الملعون، والوحيدة التي جعلت من مرارة العيش أمراً يُحتمل. لو فقدها، فلن يتبقى منه سوى حطام إنسان.
حتى دموعه جفت من مآقيه؛ فقد بكى حتى نضب معينه. توالت عليه نوبات الهلع واختفت مراراً حتى فقد القدرة على عدها، وكل نوبة كانت تتركه أضعف مما سبق. أطبق على فكيه بقوة، وتحول غضبه إلى الداخل وهو يلعن قلة حيلته.
في البداية، غمره الابتهاج بموهبة "سيد العبيد" التي امتلكها، وظنها هبةً ستمنحه السيطرة في عالمٍ سلب منه كل شيء. لكن مع مرور الوقت، اصطدم بالواقع المر؛ فاستعباد البشر لم يكن بالسهولة التي تصورها. كان بإمكانه استعباد الضعفاء بسهولة، لكنهم لم يكونوا سوى عبءٍ في أي قتال حقيقي.
وفي رتبته الحالية (B)، كان مجرد البدء في "تحدي ميثاق" مع شخص يساويه قوةً مغامرةً محفوفة بالمخاطر؛ فالفوارق في التقنيات والخبرة والغرائز قد تودي بحياته في لحظة. كان الخطر يتربص به في كل قرار. والأسوأ من ذلك، أنه إذا علمت "الدوقية" بموهبته، فقد يصبح والده عدوه اللدود.
أدرك ماكسيموس أن عليه السير فوق الشوك؛ فخطيئة واحدة قد تعني الموت. وبينما لم يكن يخشى الموت لذاته، كان يخشى ما هو أعظم: لو مات الآن، لضاع دم والدته سدى. تلك الفكرة وحدها هي ما دفعه للمضي قدماً والتمسك بالحياة. كان ينشد الانتقام، ويطوق لتحقيق العدالة بيديه، وسقوطه قبل ذلك يعني أن معاناتها لم تكن سوى هباء منثور.
كان ماكسيموس بحاجة إلى مخرج، ولم يعد استخدام موهبته خياراً قابلاً للتردد، بل ضرورةً حتميةً عليه تقبلها لتحقيق غاياته. فتح وصف موهبته بأصابع مرتعشة، وأجبر نفسه على قراءته بتمعن:
=============
سيد العبيد (الرتبة: SSS)
1. يستطيع المضيف استعباد أي كائن أضعف منه قسراً. لا تملك الكائنات المستعبدة القدرة على المقاومة، أو الخيانة، أو عصيان الأوامر.
—
2. يتناسب عدد العبيد مع رتبة المضيف. في الرتبة (F)، الحد الأقصى عشرة عبيد.
مع كل ترقية رتبة رئيسية: يضاف (10) عبيد إضافيين.
—
3. يحق للمضيف بدء "معركة ميثاق" قسرية مع كائنات تساويه في القوة. إذا انتصر المضيف، يصبح الخصم دمية مستعبدة. أما إذا خسر، فينتهي تأثير الموهبة عليه تماماً.
—
4. يمكن استعباد الكائنات ذات الرتب الأعلى إذا أُرغمت على الخضوع بأي وسيلة كانت؛ وفي هذه الحالة، ترتفع رتبة المضيف لتطابق رتبة المستعبد.
—
5. مقابل كل كائن مستعبد، يملك المضيف فرصة بنسبة 10٪ لاكتساب مهارة، أو سمة، أو موهبة واحدة يمتلكها العبد بشكل دائم.
=============
بينما كان يعيد قراءة التفاصيل، كان عقله يحلل النتائج. إذا أراد استعباد الأقوياء، فهو بحاجة إلى عوامل خارجية؛ فخاخ، ضغوط، أو تحالفات تجبرهم على الانصياع. عندها فقط يمكنه ردم فجوة القوة والارتقاء إلى مستوياتهم.
لم يكن يملك خطة واضحة بعد، لكنه أدرك أمراً واحداً: لا مجال للتراجع.
"ليس أمامي سوى المحاولة،" تمتم بصوت خافت.
وقبل أن يغرق في تفكيره، شعر بوخزٍ غريب عند حافة وعيه. تصلب جسده والتفت فجأة، لتستقر عيناه على اضطرابٍ في الهواء بجانبه؛ حيث بدأت بوابة تتشكل من العدم، وحوافها تتوهج ببريق خافت.
ابتلع ريقه بصعوبة؛ فقد تذكر هذا المشهد جيداً. فمنذ أسبوع واحد فقط، رأى شيئاً مماثلاً تماماً. رفرفت فراشة ذهبية خارجة من البوابة، تلمع أجنحتها بنورٍ رقيق وهي تحوم حوله، قبل أن تستقر ببطء على يده الممدودة.
في اللحظة التي لمسته فيها، تلاشت الفراشة تاركةً وراءها لفافة صغيرة في كفه. كان قلبه يخفق بعنف وهو يحدق بها؛ ففي المرة السابقة، لم تجلب هذه اللفافة سوى اليأس. أخذ نفساً عميقاً ثم فتحها.
————⁜⁜⁜⁜⁜————
إلى ماكسيموس، ناكث العهد…
إن الندم الذي ينهشك الآن يتغلغل في أعماقك، يزيد الشك طعناً ويوهن الإيمان. ما كان مجرد صدوعٍ في الماضي، صار الآن عهوداً لم تفِ بها…
أصغِ إلى الحقيقة وإن كانت مرّة: "ليّا" التي تنعيها ما زالت حية. قلبها لا يزال ينبض، وقد نُجّيت من مخالب الظلم. ليس بصلواتك ولا بتوسلك اليائس، بل بأمرٍ سلطاني…
إن الإله لا يبارك من يكتفي بالبكاء، ففضله لا يُنال إلا بثمن باهظ. "ليّا" الآن في مكانٍ لا تدق فيه الأجراس، حيث لا يجرؤ إله على الصعود، محفوظةً بعيداً عن قبضة الزمن…
لا تحسبنّ هذا من فضل الملوك الذين يمنّون، فهو لا يترك عملاً بلا جزاء ولا ديناً بلا وفاء. رحمته تترك وسماً على الروح التي ينقذها، فلا يزول فضله ولا يسقط تكليفه…
إن شئت أن تراها تخطو ثانية، وإن أردت انتشالها من عاصفة الصمت، فعلى القوة أن تجيب نداء الحب. لا دموع، ولا صلوات، بل هو "أمر الموت" وحده…
انهض يا ناكث العهد، استل سيفك وأثبت جدارتك أمام أولئك الذين حطموا آمالك ولعنوا قدرك منذ ولادتك.
ائتِ برؤوس من صنعوا آلامك، وبالأيدي التي سفكت دم أمك. لتمحُ العدالة أثراً لا يندمل، ولتحفر يداك قبوراً رويت بالدماء…
ثم ارفع سيفك عالياً، واقضِ على "سيد الشياطين ذو العيون السبع". واطلب ممن باع روحها، ومن ساوم على مصيرك، أن يدفع الثمن…
أربعة رؤوس. أربعة ديون، لا تزيد ولا تنقص. هذا هو ثمن فضل الملك. عندها فقط ستعود "ليّا" إلى حضنك، من ظلمة الحماية إلى دفء الحياة…
إن فشلت، فلن ترى وجهها أبداً، وستبقى محرومةً من رحمتك للأبد. أما إن نجحت، فستعود إلى جانبك عبر الدماء التي اخترت سفكها من الآن فصاعداً.
— السيد الأبدي
————⁜⁜⁜⁜⁜————
ارتجفت يدا ماكسيموس بينما انطبعت الكلمات في ثنايا عقله.
هل أُنقذت "ليّا" حقاً على يد "الحاكم الأبدي"؟
غمره شعور هائل بالارتياح جعل عينيه تغرورقان بالدموع، لكن سرعان ما تلاه ثقل المهام المطلوبة منه. كان عليه أن يأتي برؤوس أعدائه.
انقبضت أصابعه ببطء بينما تلاشت اللفافة، وراح يحدق في الغابة المظلمة أمامه. صار الطريق المرسوم لا مفر منه الآن. لقد مُنح فرصة أخيرة لإنقاذ "ليّا"، والمطلب رغم قسوته، كان يتماشى تماماً مع رغبته الدفينة في الانتقام.
وبينما تشابك الخوف والعزيمة في صدره، برزت فكرة واحدة طغت على ما سواها: إذا كان هذا هو الثمن لاستعادة "ليّا"، فسيسلك هذا الطريق المدمى دون أدنى تردد.