الفصل 477: صقيعٌ هائج
كان هناك أمرٌ واحدٌ أدركه الشيخ "مولون " قبل لفظ أنفاسه الأخيرة ، حقيقةٌ هزَّت كيانه وأورثته رعباً لا يوصف. لم يغادر قاعة المزاد قط ؛ فكلُّ ما خاله من حواراتٍ وسيرٍ مع ذلك الشيطانيّ الذي ظنَّه "السيد الشاب " لم يكن سوى وَهمٍ محض. لم يدرِ كنه ذلك ولا كيف استحال ذلك الخداعُ بهذه القوة والسطوة. تلاطمت في ذهن الشيخ "مولون " أسئلةٌ لا حصر لها ، لكنه لم يجد سبيلاً لطرحها ؛ إذ لم يمنحه "سايمون " أدنى فرصةٍ لذلك.
في هذه الأثناء كان "سايمون " يراقب جثة الشيخ "مولون " وهي تهوي أرضاً بتعبيرٍ جامدٍ لا مبالٍ. فقد أقدم ، بصفته شيطاناً ، على قتل شيطانٍ أعظم ، بل شيطانٍ أعظم من الطبقة الأولى ؛ وهو إنجازٌ بدا له شخصياً أمراً يفوق التصديق حتى إنه لم يستوعب تماماً أنه نجح في مسعاه. ومع ذلك كان يدرك أن سرَّ انتصاره يكمن في ثلاثة أركان "عيون السماء الخاوية " و "نصل الفوضى " وطاقته الذهنية الفياضة والفريدة. لولا هذه الركائز الثلاث ، ما كان ليتمكن من القضاء على "الصقيعي " العجوز.
أطلق "سايمون " زفيراً عميقاً ، ثم حدق في قناع "سيف الشيطان " قائلاً "حسناً ، لقد كنت عوناً كبيراً أيضاً ". لم يستطع منع شفتيه من الانحناء في ابتسامة ؛ فقد غمره شعورٌ بالفخر والاعتزاز. ورغم أنه لا يستطيع مقارعة شيطانٍ أعظم في نزالٍ فردي إلا أن إقصاءه وهو ما زال في رتبة شيطانٍ عاديٍّ هو إنجازٌ أثلج صدره حقاً. ثمة سببٌ آخر لسعادته ، وهو أن جثة العجوز "الصقيعي " ستكون كنزاً ثميناً له.
'ربما أستطيع استخلاص قرابة الجليد من جثته '.
سار نحو الجثة ونقلها إلى خاتمه المكاني ، وفعل الشيء نفسه مع قناع "سيف الشيطان ". وما إن انقضت ثانيةٌ حتى دوى زئيرُ غضبٍ مزلزل ، هزَّ أرجاء المكان وأثار الضباب الكثيف من حوله.
"الشيخ مولون!!!!!!! "
رمق "سايمون " تلك الجهة بعينين باردتين ، لكن سرعان ما اتسعت عيناه في اللحظة التالية ، فهتف "تباً! ". قفز إلى الوراء ، ثم صعد في الهواء جاعلاً "نصل الفوضى " أمامه في وضعية دفاعية.
وبعد ثانيةٍ واحدة...
بام! بوم!
برزت كتلاً جليدية هائلة فجأة من الأرض ، وارتفعت بسرعةٍ فائقة حتى بلغت سقف قاعة المزاد.
"تشه ".
أصدر "سايمون " صوتاً بلسانه ، وفي طرفة عين ، غيّر وضعيته في الهواء ؛ فأحكم قبضته على "نصل الفوضى " وهوى به على الكتلة الجليدية التي كانت توشك على سحقه. حيث اخترق الشفرةُ كتلة الجليد كما يُخترق الزبد بالسكين ، وانشطرت إلى نصفين.
بام! بام!
هوى شطرَا الجليد على الأرض وتحطما إلى قطعٍ متناثرة ، وحط "سايمون " برفقٍ على الأرض بعد لحظاتٍ قصيرة ، لكنه لم يُمنح ثانيةً واحدة للراحة.
هوش!
سمع "سايمون " صوتاً لخرق الرياح عن يساره ، فوضع "نصل الفوضى " بسرعةٍ في وضعية الدفاع.
كلانغ!
ارتطم رمحٌ أبيضُ ناصعٌ بنصل الفوضى ، واضطر "سايمون " للتراجع خطوةً للخلف بفعل القوة التي كانت خلف الرمح. ومع ذلك صمد "سايمون " في مكانه ، ثم نظر إلى ما وراء الرمح ؛ حيث كان يقف "لوسيان " عبقري عشيرة "الصقيعيين " قابضاً على رمحه.
"أيها الوغد ، أين الشيخ مولون ؟ " زمجر العبقري بملامح يملؤها الغضب ، وقد انبعثت منه هالةُ قتلٍ كثيفة لدرجة أن "سايمون " تساءل في سره عما إذا كان هذا الصقيعي العجوز يقرب لـ "السيد الشاب " من آل "ميرسر ".
أمال "سايمون " رأسه ببرود ، وأجاب بنبرةٍ وتعبيرٍ ينمّان عن لا مبالاةٍ تامة "لقد مات ".
ارتجفت عينا العبقري الزجاجيتان ذات اللون الأزرق الجليدي ، ثم جزَّ على أسنانه وأحكم قبضته على رمحه. حيث كان "لوسيان " صقيعياً ، وإذا ما عُرف الصقيعيون بصفة ، فهي قدرتهم على الحفاظ على رباطة جأشهم في شتى الظروف ؛ فقرابتهم العظيمة لعنصر الجليد لم تعنِ قدرتهم على التحكم به فحسب ، بل كانوا يشبهون الجليد في برودتهم وسكونهم.
إلا أن "لوسيان " بالكاد استطاع كبح نيران الغضب المتقدة في قلبه. فلم يكن الشيخ "مولون " يقرب له بصلة ، لكنه كان أحد الشيوخ الذين دعموه بقوة وكانوا مستعدين للموت في سبيله. و لقد كان يكنُّ للشيخ "مولون " تقديراً كبيراً ، وقد نال الكثير من الفوائد بفضل ذلك العجوز. وما زاد من غيظ "لوسيان " هو عجزه التام عن فعل أي شيء بينما كان الشيخ "مولون " يحتضر ؛ فمنذ اللحظة التي عاد فيها الشيخ إلى قاعة المزاد كان يرى ما يحدث.
لقد رأى شيطاناً يتنكر في هيئته يقترب من الشيخ عبر السلالم ، ثم رآهما يتحاوران. حينها ، ظنَّ أن الشيخ يضمر خطةً ما ، وأنه يساير هذا المنتحل لربما لاستدراج أعوانه... إن كان له أعوانٌ أصلاً. ولمَ لا ؟ فقد كان المنتحل يرتدي وجهه فحسب ؛ أما ملابسه ، وهالته ، وبنيته الجسديه ، وطريقة حديثه ، وحتى طاقته الشيطانية ، فكانت مختلفةً اختلافاً جذرياً.
وإن كان هذا مغتالاً ، فلا شك أنه مبتدئ ، إذ لن يقع في فخٍ كهذا حتى طفلٌ صغير ، فما بالك بالشيخ "مولون " الذي كان شيطاناً أعظم. ومع ذلك كلما طال أمد حوارهما ، أدرك "لوسيان " أن أمراً ما ليس على ما يرام ؛ فالشيخ "مولون " لم يُبدِ أدنى علامة حذرٍ أو ريبةٍ تجاه المنتحل ، بل كان يتحدث معه كما يتحدث معه هو... "السيد الشاب " الحقيقي لآل "ميرسر ".
وحينما طلب الشيخ الاجتماع بالشياطين النبلاء الآخرين والعبيد ، أيقن "لوسيان " حينها أن هناك خطباً ما. راقب الشيخ "مولون " وهو يدور في أرجاء القاعة كالأبله ، بينما كان المنتحل يسير خلفه ويتبادل معه الحديث. عند تلك اللحظة ، صار الأمر جلياً ، وهنا حاول التدخل.
أو... حاول جاهداً أن يتدخل.
'لكن هذا الوغد وضع تعويذة وهمٍ من المستوى العالي حول قاعة المزاد '. هكذا فكر "لوسيان " والأوردة تنفر من عنقه وذراعيه وجبهته.