الفصل 1191: الفصل 1189: الاحتياطيات
«لا يمكننا بحالٍ من الأحوال السماح بتأسيس مقر لجنة التطوير العالمية على أراضي "بيل " الفيدرالية!»
كانت هذه العبارة مما تفوّه به دبلوماسي "غافورا " في محادثاته الخاصة ، إذ كان يرى أن تحويل "أراضي الفيدرالية " إلى مقرٍ للجنة التطوير العالمية سيجعل منها مجرد فرعٍ من أجهزة الفيدرالية ، لا كياناً دولياً حقيقياً ومستقلاً.
وفي نظره لم تكن تسمية الدول بـ "الدول الأعضاء " دقيقة بقدر وصفها بدولٍ مقيدةٍ بكماشة السياسة الدولية لحكومة الفيدرالية. وهل كان الواقع يشي بغير ذلك ؟
إن ميزة إدارة الأمور على أرض الوطن ستعزز من نفوذ الفيدرالية داخل لجنة التطوير العالمية ، وستدفع ببعض الدول الأعضاء للانحياز بطبيعة الحال نحو الفيدرالية ، ليكون الكلمة الفصل في النهاية للفيدرالية وحدها. وهذا المسار لا يتفق مع المصالح والمطالب الراهنة للدول المختلفة في الشؤون الدولية.
أعرب الجميع عن اتفاقهم مع هذا الرأي وأيدوا وجهة نظر دبلوماسي "غافورا " واتفقوا جميعاً على أنهم سيقفون صفاً واحداً في المفاوضات القادمة للضغط على الفيدرالية بشأن موقع التأسيس.
لكن المفاجأة كانت في أن الفيدرالية بادرت بتقديم تنازل في هذه المسأله.
«خُطتنا الأولية هي تأسيس مقر لجنة التطوير العالمية في "السيدولاس ". فنحن نعلم جميعاً أن "السيدولاس " حافظت دائماً على الحياد ، ولا تميل إلى أي طرفٍ من الأطراف.»
«وهذا سيوفر بيئة ملائمة جداً لإدارتنا وعملنا اللاحق!»
لم تكن "السيدولاس " سوى دولة صغيرة ، وكان الوضع الدولي يتغير بسرعة فائقة. و في الواقع كانت "السيدولاس " قد تواصلت بالفعل مع حكومة الفيدرالية سراً ، آملةً في تعميق التعاون الشامل بين الطرفين.
لم يكن بيدهم حيلة ، فالزمان يتقلب بسرعة مذهلة ؛ فبعد أن كانت "غافورا " تهيمن على العالم ، جاء دور الفيدرالية لتبدأ ببسط قوتها خطوة بخطوة. وفوق ذلك كانت "دول تحالف المهزومين " تحشد قواها استعداداً لحربٍ عالمية ثانية ، مما أثار الذعر في أرواح أهل "السيدولاس ".
كان الكثيرون يعتقدون أن حرباً عالمية ثانية قد أضحت حتمية ، وأن حجمها والدول التي ستنجرف في أتونها سيفوق بمراحل عدد المتحاربين في الحرب العالمية الأولى.
بل ربما تجرُّ العالم بأسره إلى الحرب ، وحينها لن يكون هناك معنى لموقف "حيادي " أو "غير حيادي ".
فالحرب لا تعترف بمنطق. ولأجل استنزاف وتوفير كافة الموارد ، بما فيها الموارد البشرية ، فإن الغزو يظل الطريقة الأنسب والأسرع والأكثر فاعلية.
ولا شيء أسهل من غزو دولٍ صغيرة محايدة لم تتكتل في تحالفات.
وانطلاقاً من كونها من "الدول المحايدة " سابقاً ، أرادت "السيدولاس " أن تتقرب من الفيدرالية ، فإن تمكنت من حل مشاكلها الأمنية في تلك العملية ، فذلك خيرٌ على خير.
شاءت الأقدار أن يكون تأسيس لجنة التطوير العالمية فرصة مثالية. فبمجرد وضع هذه المنظمة في "السيدولاس " سيعني ذلك تحولاً في موقفها.
ربما قد تظل محتفظة بوضعها الرسمي كدولة محايدة ، بينما تعلّق نفسها في الوقت ذاته بهذا التحالف الصلب.
أما عن تساؤل: هل يمكن لمثل هذا الأمر الجيد أن يسقط في حجرها دون مقابل ؟
فذلك شبه مستحيل. ففي الواقع كان خلف هذا الأمر الكثير من العمل ، مثل التوقيع السري على اتفاقيات وبنود معينة بين الطرفين.
كان من بينها التزام "السيدولاس " بتوفير ميناء مياه عميقة لترسو فيه سفن الفيدرالية الحربية ، مع بناء مرافق عسكرية -تشمل على سبيل المثال لا الحصر ، مطاراً ومخازن للإمدادات- على الأرض المحيطة بالميناء.
جعل تنازل الفيدرالية دبلوماسي "غافورا " يرتاب في وجود مؤامرة ما ، لكن لم يعد بيده أن يمعن التفكير أكثر. وتحت ضغطٍ معين ، اختار الجميع في نهاية المطاف الموافقة.
على أقل تقدير كان هذا الخيار أفضل من التأسيس على أراضي الفيدرالية ، أليس كذلك ؟
بمجرد تسوية هذا الأمر لم يتبق سوى المسائل المتعلقة بمؤتمر التأسيس. أرسلت حكومة الفيدرالية مجموعة عمل إلى "السيدولاس " لتولي المهام الأولية.
بدأوا باستئجار أو شراء مبنى ليكون مقراً مؤقتاً للجنة التطوير العالمية ، بالتزامن مع بناء مبنى جديد كلياً.
وفي غضون ذلك أعلنت مجموعة "بينغ جياو " عن تأسيس منظمة تجارية دولية مماثلة ، وعادت أجواء الصراع بين التكتلات لتصبح متوترة مرة أخرى.
لكن هذه المرة ، لن يندفع الطرفان إلى حرب فعلية بسرعة ؛ بل سيبدآن بالمواجهة في الساحة التجارية أولاً.
رأى معظم الناس في هذه الخطوة تأكيداً من حكومة الفيدرالية على مكانتها في المجتمع الدولي ، وسعياً حثيثاً لاحتلال موقعٍ استراتيجي.
أجرت بعض المؤسسات المرموقة استطلاعات رأي في الربع الثالث ، أظهرت أن نسبة التأييد للرئيس الحالي بلغت خمسة وستين بالمئة ، مع احتمالية استمرارها في الارتفاع.
وإذا ما نجح فعلياً في تنفيذ إصلاح التعليم ، فلن تكون هناك أي عقبات أمام إعادة انتخابه.
في الوقت ذاته ، داخل أجهزة الأمن الفيدرالية ، بدأ "صاحب الندبة " الذي تم إنقاذه في الكلام أخيراً.
كان قد قضى فترة في غيبوبة بسبب خطورة جراحه ، ولم يستيقظ إلا مؤخراً. حيث كانت المستشفى شديدة الحرص على صحته ، ولم تسمح لأفراد لجنة الأمن باستجوابه إلا في ذلك اليوم.
اتخذت المجموعة الطبية موقفاً حازماً فيما يتعلق بصحة المرضى ؛ فقد طلب أفراد لجنة الأمن استجواب "صاحب الندبة " فور استيقاظه ، لكن المستشفى رفضت طلبهم رفضاً قاطعاً.
كانت حجتهم أن حالة المريض لا تزال غير مستقرة ، وأن الاستجواب قد يؤدي إلى مضاعفات غير معلومة.
لقد كان موقفهم تجاه المال جاداً ، ومن ثم كان موقفهم تجاه المرضى جاداً بالقدر ذاته.
فإذا قضى المريض نحبه ، من أين سيحصلون على تلك الرسوم الطبية الباهظة ؟
وعندما وصلت حالة "صاحب الندبة " إلى مرحلة "التعافي النسبي " مُنحت لجنة الأمن الإذن باستجوابه ، بشرط ألا تتجاوز الجلسة نصف ساعة.
جاءت عملية الاستجواب أبسط مما كان متوقعاً.
فعندما دُفع "صاحب الندبة " إلى غرفة الاستجواب على كرسي متحرك لم تكن لديه أي نية للمقاومة.
لم يكن من دعائم التنظيمات السرية ، بل كان مجرد "صياد " مرتزق مستقل ، وظيفته أخذ المال وإنجاز المهام. فلم يكن لديه يوماً أي ولاء لأي عميل.
لكن كان لديه أفكاره ومطالبه الخاصة. حيث كان يعلم أن "تشارلي " (الأخت الصغرى) قد تم إنقاذها.
لقد تعرضت للتعذيب أثناء اختطافها. حيث كان ما زال يذكر نظرات الكراهية في عينيها ، والكلمات التي قالتها "ستندم على هذا! "
وغني عن القول إنه ندم بالفعل.
«جعلي أتكلم أمر سهل. طالما تستطيعون حماية عائلتي ، فسأخبركم بكل ما تريدون معرفته.»
كان أول من استيقظ منهم وأصبح لائقاً للاستجواب ، مما منحه أساساً للتفاوض مع الفيدرالية.
لم تكن مطالبه كبيرة في الواقع. حيث كان يعلم أنه لن ينجو من عقوبات قوانين الفيدرالية ، وكل ما يثقل كاهله الآن هو عائلته.
كل إنسان يولد من أبوين ، و "صاحب الندبة " لم يكن استثناءً. و لقد دفعته الحاجة والفقر وأسباب أخرى إلى هذا الطريق.
كان يعرف القوة المرعبة للمال ، وكل ما يشغل باله الآن هو ألا تطال أيدي الانتقام عائلته.
قال عميل خاص من لجنة الأمن: «عليّ طلب التعليمات» ، ثم وقف وتوجه إلى غرفة أخرى لإجراء مكالمة.
خلال ذلك كان "صاحب الندبة " يسعل من وقت لآخر ؛ فقد اخترقت رصاصة مرتدة الجزء العلوي من رئته اليسرى.
كان محظوظاً لأنها لم تصب قلبه ، وبفضل استعداد "تشارلي " لإنفاق كل ما تملك لإنقاذهم ، فقد نجا.
لكن الضرر الذي لحق برئته لا يمكن إصلاحه على المدى القريب ، وحتى بعد التئامها ، سيظل يسعل بين الفينة والأخرى ؛ سيرافقه ذلك بقية حياته.
كان متوتراً قليلاً. فلم يكن يعرف إن كانت تلك المرأة المجنونة قد فعلت شيئاً أثناء علاجه ، ولم يسعه سوى الأمل في ألا تكون قد وجدت الوقت لذلك.
عاد العميل الخاص من لجنة الأمن بسرعة. جلس على الجانب الآخر من الطاولة ، وبعد لحظة من الصمت ، قال: «من حيث المبدأ ، نحن نوافق على طلبك. و لكن هناك أخبار سيئة. و لقد سمعت أن شركة "دارك ستون " للأمن قد قبلت مهمة».
«المهمة هي العثور على عائلاتكم. وقد غادروا بالفعل...»
قبض "صاحب الندبة " على يديه بقوة حتى طقطقت مفاصله ، ثم أرخاهما مجدداً.
أطرق رأسه وقال: «أرجوكم ، دعوا أخي الأصغر يعيش. و هذا هو شرطي الوحيد».
نهض العميل مجدداً: «سأطلب التعليمات. لا ينبغي أن تكون مشكلة كبيرة ، إن كان لديك أفراد عائلة آخرون».
بحلول هذه اللحظة كان الجميع قد أدركوا المسار الحقيقي للأحداث. لم تعد قيمة استجواب "صاحب الندبة " تكمن في إجباره على الكشف عن العقل المدبر ، بل في تأمين تعاونه.
بالنسبة لقضية تحظى بكل هذا الاهتمام الدولي ، فإن قيمتها ليست في القضية ذاتها ، بل في التأثير الذي يمكن أن تحدثه وفي قيمتها في الساحة السياسية.
أحياناً ، لا يحتاج الناس إلى الحقيقة المجردة ؛ فكل ما يحتاجونه هو "إجابة " تتوافق مع توقعاتهم مختلة.
وصدور إجابة من مرتكب هجوم إرهابي تجعل تصديق الناس لها أكثر احتمالاً مما لو أعلنتها حكومة الفيدرالية بنفسها.
تم ربط الاتصال الهاتفي بـ "لينش " على الفور. لم يفكر كثيراً في هذا الطلب البسيط ووافق في الحال.
عاد العميل الخاص إلى غرفة الاستجواب حاملاً "الأنباء السارة " فكشف "صاحب الندبة " على الفور عن كل ما يعرفه.
بالإضافة إلى هذه القضية كانت لجنة الأمن مهتمة جداً ببعض أنشطته الماضية ؛ مثل عمليات الاختطاف والهجمات والاغتيالات التي نفذها في جميع أنحاء العالم.
لم يفهم "صاحب الندبة " سبب اهتمام الفيدرالية الكبير بما مضى ، لكنه تعاون بالكامل ووصف كل ما فعله.
سرد كل شيء ، من المهام الصغيرة ككسر أنف هدفٍ ما ، إلى القضايا الكبرى التي تنطوي على مجازر.
إذا أردت أن تحيا ، وأن تعيش عائلتك ، فعليك أن تتعاون. حيث كان قد استوعب هذا الدرس بوضوح منذ لحظة دخوله هذا المجال.
المرتزقة—أي عقيدة أو موقف يمكن أن يكون لديهم ؟
ربما يملك البعض منهم ذلك لكن ذلك الشخص بالتأكيد لم يكن "صاحب الندبة ".
استغرق الأمر ثلاثة أيام ليسرد كل ما يمكنه تذكره من أمورٍ كثيرة كان مستعداً للحديث عنها.
وبعد تجميع هذه المواد في ملفات وإرسالها إلى لجنة الأمن ، رُفع بعضها إلى مستوى أعلى.
وهكذا اتُخذ القرار بشأن كيفية التعامل مع "صاحب الندبة ". سيُحكم عليه بالسجن لأكثر من خمسمئة عام بسبب الهجمات الإرهابية والجرائم الأخرى. ولن يظهر مجدداً في الأفق العام إلا إذا دعت الحاجة لشهادته في وقت ما.
لفت أحد الأشخاص المذكورين في اعترافات "صاحب الندبة " انتباه لجنة الأمن. حيث كان ذلك الشخص هو السيد "ويكليف " لأنه كان قد دخل البلاد منذ فترة قصيرة.