الفصل 1234
«أأشهدُ ذلك أخيراً ؟»
شعر «سيغفريد» بأنه قد خطَا خُطوته الأولى نحو بلوغ القوة التي لا تُقهر.
بالطبع لم يكن هناك ما يضمن له النجاح في إتمام المهمة ؛ فصعوبة «الجدار» تتصاعد في كل مرة ، ولن يكون أمراً مستغرباً إن استغرقت منه حياةً بأكملها لاجتيازه. ومع ذلك لم يرتعد «سيغفريد» ولم يجد الخوف سبيلاً إلى قلبه.
يُقال: «مَن بدأَ فقد أتمَّ نصفَ العمل» ، ومهما كانت الخطوة صغيرة ، فإن النهاية ستكون حتماً مثمرة. إن حقيقة عثوره على خيطٍ يوصله إلى قوة «اللا قهر» تُعدُّ بحد ذاتها إنجازاً عظيماً ، فضلاً عن أنه ليس ملزماً بإنهاء المهمة على الفور إذ لا يوجد وقتٌ محددٌ لنهايتها.
كان المستوى 650 ما زال بعيد المنال ، لذا لم يكن هناك ما يدعو للقلق في الوقت الراهن.
قال «سيغفريد» وهو ينحني بوقار: «شكراً جزيلاً لك يا أخي الأكبر».
رمش الملك «ليونيد» بعينيه مذهولاً من الامتنان غير المتوقع ، ثم ضيق عينيه وسأله: «أهذا مفاجئ ؟ هل توشك على طلبي خدمةً ما ؟»
«لا ، ليس هذا قصدي».
«إذاً ، لِمَ تشكرني ؟»
«لأنني نلتُ الاستنارة بفضلِك».
«أوه ؟»
«كلماتُ مَن عاش محارباً لزمنٍ طويلٍ كهذا... لقد ساعدتني كلماتُك على إدراك شيءٍ ما ، خيطٍ يهديني إلى كيف يمكنني أن أزداد قوةً».
«يا للروعة... أتعني أنك بلغتَ الاستنارة ؟»
«ليست استنارةً بالمعنى الحرفي ، لكنني خطوتُ نحوها خطوةً أولى ، أو هكذا أعتقد على الأقل».
أومأ الملك «ليونيد» برأسه قائلاً: «كنتُ أعلم. حيث كانت تراودني شكوكٌ ، وها قد تبين أنني كنت على حقٍ طوال الوقت».
«عفواً ؟ ماذا تعني ؟»
نقر الملك «ليونيد» على صدغه بإصبعين وقال: «لطالما راودني ظنٌّ بأن جوهر الفنون القتالية يكمن في هذا».
«أتقصد... العقل ؟»
«بالضبط».
«ولِمَ ذلك ؟»
«لأن القوة الجسديه وحدها لها حدود. مهما كان الجسد بديعاً ، فهو ليس أكثر من عظامٍ ولحمٍ إذا كان العقل الموجه له فاتراً. فأي نفعٍ لجسدٍ مثاليٍّ يقوده أحمق ؟»
واصل الملك «ليونيد» مشاركة الرؤى التي كانت يصارعها لسنوات طويلة.
«فهمتُ الآن...»
«وعلى العكس من ذلك العقل اللامع في جسدٍ واهنٍ لن يصنع محارباً عظيماً. لا يُصقل المحاربُ الحقيقي إلا حين يتوازن الفكرُ مع الجسد».
«أتفق معك في هذا».
«لكن بمجرد تجاوزِك لمستوى معين ، تبدأ أهمية الجسد في التضاؤل ؛ ففي نهاية المطاف ، يمكن للـ(مانا) أن تعوض نقائصك الجسديه».
كان للملك «ليونيد» وجهة نظرٍ سديدة.
كان جسد الإنسان ضعيفاً ومثيراً للشفقة مقارنة بالوحوش ، ولكن بفضل الـ(مانا) ، استطاع البشر تجاوز تلك القيود الفطرية. وفي المستويات العليا ، لا يعود الأمر متعلقاً بالجسد ذاته ، بل بمدى براعة المرء في التحكم فيه باستخدام الـ(مانا).
«من مقام السيد وما فوقه لم تعد القوة الجسديه الخام هي ما يهم ، بل مدى براعتك في التحكم بجسدك ومهارتك في التلاعب بالـ(مانا) ؛ هذا هو جوهر الأمر».
أضاف «سيغفريد»: «بالإضافة إلى الخبرات المكتسبة أثناء اتخاذ القرارات على حافة الموت».
أومأ الملك «ليونيد» وقال: «بالضبط. و في تلك اللحظة الخاطفة ، يعتمد الأمر على مدى وضوح رؤيتك للموقف وما ستتخذه من قرار. تلك هي الأمور المهمة ، وأين ينبع هذا الحكم ؟»
مرة أخرى ، نقر على صدغه وأضاف: «أعتقد أن الموهبة ذاتها تكمن داخل عقل المرء».
«فهمتُ ما ترمي إليه».
«أنت ذكيٌ حقاً ، ولهذا استطعتَ التقاط الخيط لمجرد الاستماع إلى هذا العجوز. هاها!»
هز «سيغفريد» رأسه قائلاً: «على العكس ، أنا لستُ ذكياً ، بل محظوظٌ فحسب».
ضحك «ليونيد» قائلاً: «هاها! أنت متواضعٌ أكثر مما ينبغي» ، ثم ربت على كتف «سيغفريد» وأردف: «عليك بالتأمل كثيراً».
«عفواً ؟ التأمل ؟»
«بالنسبة لشخصٍ في مستواك لم تعد ساعات التدريب المادى هي الأهم. ما سينفعك أكثر هو التدريب الذهني ؛ استحضار الحركات في عقلك تمثيلها ، وصقلها».
«أشكرك على إرشادك».
«ربما تلمحُ ما وراء مقام كبار المحاربين ؛ مقامٌ عظيمٌ لدرجة أن كلمة (عظيم) لا تفيه حقه ، المقام الذي لم يبلغه سواك يا سيدي».
«هـ-هذا...»
قال «ليونيد» وعيناه تلمعان: «أرجوك يا أخي ، أريد منك أن ترتقي إلى ذلك المقام ؛ ليس من أجلك فحسب ، بل من أجلي أنا أيضاً».
أجاب «سيغفريد» بنبرةٍ حازمة: «سأفعل ذلك يا أخي».
***
بعد أن افترق «سيغفريد» عن «ليونيد» ، واصل تتبع أثر الميتات الغامضة التي تحدث في مدنٍ عديدة. ورغم أن التقدم إلى ما بعد رتبة «كبير المحاربين» أمرٌ نبيل إلا أن عليه الانتظار ، فحل هذه القضية الغامضة أهم في الوقت الحالي.
كانت الحوادث في مملكة «لامبدا» تطابق تماماً تلك التي وقعت في إمبراطورية «برواتين».
«كيووو! هل يعني هذا أنه يتوجب علينا البقاء في الخارج إن كنا لا نريد الموت ، أيها المالك الأحمق ؟!»
«هذا هو الاستنتاج الذي توصلتُ إليه. إن كنت داخل منزلٍ أو أي مبنى ، فستموت ؛ لا استثناءات».
«كيووو ؟! إذاً ماذا نفعل ؟!»
تأمل «سيغفريد» قليلاً ، ثم توقف عند محطة اتصالات قريبة لنقل أوامره.
- مرحباً ، جلالة الإمبراطور.
ظهر «ميشيل» على كرة الاتصال السحرية وانحنى بعمق.
قال «سيغفريد»: «أصدر أمراً لكل فرد في المدن والقرى الواقعة في المناطق المتضررة بالنوم في العراء ، وأخبرهم أن عليهم البقاء في الخارج إن أرادوا الحياة».
- همم ؟ ماذا يحدث يا سيدي ؟
«الموقف هو كالتالي...» وسرد «سيغفريد» استنتاجاته.
- أن نفكر في إمكانية حدوث أمرٍ كهذا...
«أوه ، واجعل كل أسرة تحتفظ بـ(غول) أو أي وحشٍ ضعيف داخل منزلها أو مبناها. وإن تعذر ذلك فليكن خنزيراً أو بقرةً سيذبحونها قريباً. نحتاج إلى عيناتٍ لاختبار نظريتي».
- أمرك مطاع ، يا سيدي.
أطاع «ميشيل» دون اعتراض. ولحسن الحظ كان الفصل صيفاً ، لذا لم يكن النوم في العراء يشكل خطراً على الناس. هل كان الأمر غير مريح ؟ نعم ، لكنه كان محتملاً. وخططت إمبراطورية «برواتين» لتوفير خيامٍ عسكرية للسكان ، مما يجعل إقامتهم في الخارج أكثر راحة.
«هذا يجب أن يكفي في الوقت الحالي...»
سافر «سيغفريد» إلى القرية التي توقع أن تكون التالية ، وحشد القوات وأشرف بنفسه على التجهيزات ليتمكن الناس من النوم في الخارج دون عناء. وبعد إتمام كل شيء ، انتظر برفقة «هامتشي».
تمركز الاثنان عند البئر المركزية ، ناصبين كميناً للفاعل ، لكن الجاني لم يظهر حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل.
«كيف بحق الجحيم تمكن من قتل كل هذا العدد من الناس وجعل الأمر يبدو كأسبابٍ طبيعية ؟ حتى أنا لا أستطيع فعل ذلك بهذه السرعة...»
بناءً على الأدلة وشهادات الناجين ، استغرقت المذبحة أقل من ثلاثين دقيقة. ورغم قوة «سيغفريد» إلا أنه لم يكن بوسعه قتل عشرات الآلاف في صمتٍ بهذه السرعة.
تساءل «سيغفريد» مع مرور الساعات: «هل كان نوعاً من مهارة القتل الفوري ذات التأثير النطاقي ؟».
حل الصباح ، ولم يكن للجاني أثر.
تمتم «سيغفريد» وهو يفرك عينيه مع بتشينغ أشعة الشمس: «أوه... أنا نعسان جداً...».
«ززز... ززز... ززز...»
في هذه الأثناء كان «هامتشي» قد انكمش نائماً بجانبه.
تنهد «سيغفريد» وهو ينظر بازدراء إلى «الهامستر» العملاق: «تشه... هذه كرة الفراء الخائنة». ثم وقف وفكر: «حسناً ، يبدو أن هذا اليوم ذهب سدى ، سأسجل خروجي وأخلد للنوم».
اندفع قائد الفرقة ليبلغ التقرير صارخاً: «جلالة الإمبراطور! وُجدت كل الماشية والوحوش داخل المباني ميتة!»
هتف «سيغفريد»: «ماذا ؟!».
«تأكدنا من ذلك قبل لحظات».
«لكن هذا مستحيل...».
«بالنظر إلى تيبس أجسادها ، فقد ماتت قبل نحو ثلاث ساعات».
«ما الذي قلته للتو ؟! كيف يكون هذا ممكناً ؟!».
كان «سيغفريد» مصدوماً تماماً مما سمعه.
«لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً... كيف بحق... ؟»
لم يخفف حذره ولو للحظة طوال الليل ، وظل يراقب في قلب القرية ، عيناه مفتوحتان على اتساعهما ، مستعداً للانقضاض على الجاني المسؤول عن موت كل هؤلاء. و علاوة على ذلك كان الفرسان والجنود يجوبون القرية طوال الوقت ، ورغم ذلك ماتت الماشية والوحوش داخل المباني بطريقةٍ ما.
«كيف... ؟ كيف نجح أياً كان في فعل ذلك ؟».
شعر «سيغفريد» وكأنه تلقى لكمةً على وجهه بينما كانت عيناه مفتوحتين تماماً.
ركع قائد الفرقة وقدم سلاحه: «جلالة الإمبراطور! أرجوك أعدمني بسبب تقصيري!».
يُقال: «يُعفى الجندي إن فشل في مهمة ، لكنه يُعاقب إن أهمل في اليقظة». ورغم الدوريات المستمرة تمكن الجاني من التسلل إلى القرية وقتل كل المخلوقات داخل المباني والرحيل دون أن يلاحظه أحد. حيث كان من الطبيعي أن يُعاقب القائد في موقفٍ كهذا.
لكن «سيغفريد» هز رأسه وأجاب: «كيف كان للجنود العاديين ملاحظة ذلك بينما فشلتُ أنا في فعله ؟ لم ترتكب أي خطأ».
«لكن يا سيدي...!»
قال «سيغفريد» بابتسامة: «لقد بذلت قصارى جهدك ، لا تلم نفسك. ولكن لا تنسَ عزيمتك اليوم ، احتفظ بها دائماً وتأمل فيها».
«يا له من كرمٍ لا يُحصى من جلالتكم!».
عفا «سيغفريد» عن القائد ورجاله ببرود ، ثم غادر القرية.
فكر قائلاً: «سأضطر لسؤال (مايكل) عن هذا». لم يستطع فهم الوضع ، لذا قرر سؤال الشخص الأكثر درايةً بالأمر: «مايكل».
لماذا ؟ لأن «مايكل» هو مَن حبس هذه الوحوش الشيطانية في المطهر سابقاً. ومن المؤكد أنه يعرف كيف يتعامل مع هذه الوحوش ويعرف نقاط ضعفها أكثر من أي شخصٍ آخر. ورغم أنه لم يعد قادراً على النزول إلى العالم الأوسط للقتال إلا أنه ما زال قادراً على تقديم المعلومات.
***
زار «سيغفريد» العالم السماوي مرة أخرى ، واستُقبل باستقبالٍ حافلٍ للغاية من قِبل الحشود السماوية.
«إنه ملك الشياطين!»
«لقد عاد ملك الشياطين!»
«كياااااه!»
«اهربوا لحياتكم!»
«أنقذوا أنفسكم!»
شحب لون الملائكة وهرعوا في كل اتجاه ، يفرون وكأن حياتهم تعتمد على ذلك. ومن المفارقات أنهم بدوا تماماً كصراصير مذعورة تركض في فوضى.
تجهم «سيغفريد» وتمتم وهو يراقبهم: «تشه... لستُ أنوي أكلكم».
بالطبع كانت الملائكة تعلم أن ملك الشياطين «سيغفريد» على وفاقٍ مع رئيس الملائكة «مايكل» ، وكانوا يعلمون أنهم لن يتضرروا. ومع ذلك فإن الخوف البدائي المحفور في كيانهم أثار الفزع في قلوبهم ، وهذا الخوف غرس شكاً خفيفاً بأن «سيغفريد» قد ينقلب عليهم في أي لحظة. و هذان الشعوران القويان جعلاهم يفرون غريزياً لحياتهم ، سواء أرادوا ذلك أم لا.
رحب «مايكل» به قائلاً: «مرحباً بك يا سيغفريد».
ضيّق «سيغفريد» عينيه وفكر: «همم ؟ ما باله ؟».
كان «مايكل» يتململ ويبدو عليه الارتباك ويتصبب عرقاً بغزارة. حيث كان «سيغفريد» يعرف رئيس الملائكة جيداً ، لكنها المرة الأولى التي يراه فيها بهذا الحال.
رد «سيغفريد»: «لقد مر وقتٌ طويل ، أليس كذلك يا مايكل ؟».
«أجل يا سيغفريد... هاها... هاهاها...».
«هل هناك خطبٌ ما ؟».
«عفواً ؟ ماذا تعني ؟».
ابتسم «سيغفريد» بمكرٍ وقال: «لا شيء ، يبدو فقط أن وجودي هنا يزعجك».
هتف «مايكل» وهو يلوح بيديه بذعر: «مـ-ماذا ؟! أبداً! ليس هذا صحيحاً البتة! أنا أرحب بزياراتك دائماً يا سيغفريد!».
«إذاً لِمَ أنت مضطربٌ ومتصلبٌ هكذا ؟».
«لستُ متصلباً!».
«أحقاً لا يزعجك وجودي هنا ؟».
«إطلاقاً!».
«إذاً لِمَ تتعرق ؟ لِمَ ترتجف عيناك ؟ ولِمَ أنت متوترٌ هكذا ؟».
تلعثم «مايكل»: «أ-إمم... ذ-ذلك...».
قال «سيغفريد» بابتسامةٍ ساخرة: «آه ، حسناً. و هذا يفسر الأمر».
«عفواً ؟ ماذا تعني ؟».
«زعيم العالم السماوي العظيم يجد زيارات ملك الشياطين عبئاً عليه. و هذا ما يجعلك متوتراً ، أليس كذلك ؟».
«لـ-لا! ليس هذا...!».
داعب «سيغفريد» كبرياءه قائلاً: «لا بأس ، لقد فهمت. أنت تضع حداً الآن بعد أن زالت الأزمة ، ولم تعد بحاجةٍ لي. ففي نهاية المطاف ، كيف لرئيس الملائكة المقدس أن يرى وهو يصاحب ملك شياطين ؟ ستكون وصمة عارٍ على كرامتك ومجدك ، أليس كذلك ؟».
هتف «مايكل»: «سـ-سيغفريد!». كان رئيس الملائكة على وشك البكاء ، إذ أن قلبه الرقيق لم يستطع تحمل مزاح «سيغفريد».