الفصل ٤٩٥: الفصل ٢٥٣: كارلوش ، دموع تجمدت في ليل قارس_٣
دوّى عواء الذئاب المدويّ في أرجاء السهول الجليدية التي اجتاحتها زوابع ثلجية.
جابت قطعان الذئاب الفضية البيضاء الثلوج ، وكأنها كتلٌ من حديد بارد سائل ، تحيط وتتخلل ، فتقسم قطيع الأيائل إلى أجزاء يسهل التحكم بها. عُضّت الجراء والأفراد الضعيفة وسُحبت ، لتصبح فريسةً ووجبةً للذئاب.
أما بالنسبة للبرابرة الذين ألفوا ذئاب الشتاء —تلك الوحوش السحرية الخطيرة التي تكثر في السهول الجبلية الثلجية—فلم يكن وجودها أمراً مستغرباً. و كما أن التجارب الأسلافية المتوارثة التي لا حصر لها ، تُخبرني أن هذه الكائنات التي تُجسّد إرادة الشتاء القاسي ، بأنيابها ومخالبها الملطخة بالدماء ، ستكون عوناً عظيماً في صقل مهارتي القتالية الجديدة. لذا وبتسليحي بأدوات خاصة جلبتها من القبيلة ، وبقدرات منحتني إياها مهنتي ، كنت أكمن حول قطيع الذئاب شهراً كاملاً. أقتفي أثرهم في الصيد ، وأجوب سهول الثلج المتسعة. و لقد ظننت أنني قد أتممت المراقبة بما يكفي ، لكن بعد كل هذه الأيام الطويلة لم أحصد سوى لحم متجمد وروح منهكة تتزايد إرهاقاً. لحسن الحظ ، صبري وافر ، وبمقدوري أن أتحمل لأيام أخرى كثيرة قادمة و ربما كان سلوكي العسير الذي لم يُثمر شيئاً ، قد لفت انتباه الأسلاف فوق القبة الجليدية.
في اليوم الثالث بعد المئة من وصولي إلى مرتفعات "فالق الأنياب " أخذت الأمور منحىً آخر.
كانت بقعةً زغبية ، تبرز بوضوح مدهش فوق السهول الجليدية البيضاء القاحلة ، كتلةً من السواد النقي الكثيف الذي بدا وكأنه لا يتجزأ.
—إنه ذئب شتاء يافع ، بلون مختلف تماماً!
كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها ، بعينيّ هاتين ، وجوداً أسطورياً كهذا. حتى لو أُدرج هذا المشهد ضمن حكايات قبيلة "عواء الصقيع " بأكملها ، فلن يُضاف إليه سوى الكاهن العجوز الذي يضاهي عمره الصخر المتجمد.
"دموع أم الليل... "
تلوت اسمه بهدوء ، مستحضراً إياه من أغاني القبيلة القديمة. تقول الأسطورة إن أم الليل—الإلهة العظيمة التي تحكم الظلام والليل ، والتي خانتها شقيقتها التوأم—ذرفت دموعاً هطلت على هذه الأرض ، فتحولت إلى وحوش سوداء وغامضة بالقدر نفسه. حتى أنني انتابني شعورٌ بالقشعريرة. فلطالما كانت هذه الكائنات ، كذئب الشتاء الأسود ، غالباً ما ترمز إلى سوء الطالع بين البرابرة. والمحظوظ من يلمح وجوده ، فقد قُدّر له موتٌ فظيع وسط الظلام والدماء.
بيد أن رغبةً داخلية ، وشوقاً إلى مستقبل مشرق ومجيد ، سرعان ما كبحت اضطرابي. وإذ أدركت أن هذا قد يكون نقطة تحول في حياتي ، شرعت أراقب عن كثب.
عاش ذئب الشتاء هذا ، ذو اللون الأسود الكامل والمختلف عن أقرانه ، طفولةً غير مرغوبة. فلون فروه الذي يختلف بشدة عن لون جراء الذئاب المحيطة ، جعله منبوذاً منذ لحظة ولادته بين أفراد القطيع. لولا أمه—تلك الزعيمة القوية المهيبة لقطيع الذئاب—لربما تعرضت رقبته للعض والكسر من أقرانه الحاقدين لحظة ولادته ، ليهلك مبكراً. وبما أنني قد تعرضت للنبذ في طفولتي بسبب سلالتي البشرية ، فقد جعلتني هذه التجارب المتشابهة أتعاطف معه بشكل غريب ، مما دفعني إلى إيلائه اهتماماً خاصاً. لحسن الحظ كان قطيع ذئاب الشتاء كبيراً بما فيه الكفاية ، كما أن الفرائس الوفيرة نسبياً في المرتفعات كانت تكفي لإشباع كل فرد من أفراد القطيع. وهكذا ، نجا الكائن الصغير تحت حماية أمه. تلك الزعيمة ، بلطفها الذي يكاد يكون عنيداً كانت تحيط بالجرو تحت بطنها ، مستخدمة دفء جسدها لتبديد صقيع البرد. وحين كانت الجراء الأخرى تلهو وتحاول إزاحة الذئب الأسود كانت تزَمجِرُ لتُفرّقها ، وتسمح للذئب الأسود بالرضاعة من حليبها الوفير أولاً. وتحت هذه الرعاية ، نشأ هذا الذئب اليافع ، الأصغر حجماً بطبعه والداكن كلون الحبر ، بصعوبة بالغة في شقوق الجليد وعتمة الظلال.
ربما يجدر به أن يُمنح اسماً ؟ استقرت هذه الفكرة في خلدي.
بعد طول تفكير ، عزمت على تسميته "كارلوش ". سامحوني على استخدام اسم القبيلة الشعري لذئب الشتاء المختلف اللون ، فلقد وجدت في هذه الأحرف ما يعبر عن معناه بدقة متناهية ، ولم أتخيل بديلاً أفضل.
كارلوش ، دمعة الليل المتجمد ، الظل النذير.
وها هي سجلات الأسلاف تؤكد صحتها. فهذا الذئب الشتوي المختلف اللون الذي أطلقت عليه اسم "كارلوش " يبدو بالفعل رمزاً للشؤم والموت. وقبل أن يكتمل نموه ، تلقى أكبر قطيع لذئاب الشتاء في جواره ضربةً مدمرة. ففي ليلةٍ عاصفةٍ ، تعوي فيها الرياح وتزأر الثلوج ، هاجم شيطانٌ عملاقٌ من قبيله أم أربع وأربعين ، عرين ذئاب الشتاء. ترددت أصداء عواء الذئاب المفجع طوال الليل تقريباً. وحين دنوت مجدداً في صباح اليوم التالي كان محيط العرين مكدّساً بجثث ذئاب الشتاء ، والدماء المتجمدة تشرب الثلوج. تكبد القطيع خسائر فادحة ، حيث هلك ما يقرب من نصف الأفراد البالغين في تلك المعركة الضارية. وحتى أم "كارلوش " زعيمة القطيع ، تلك الذئبة الشجاعة واللطيفة ، أضحت مجرد جثة أخرى بين ضحايا الثلوج المتجمدة.
حياة "كارلوش " اتجهت نحو الهاوية. و لقد انتزع موت أمه الذئبة منه آخر موطئ قدم له في القطيع ، ليتحول كلياً إلى ظلّ الشؤم ذاك. ازداد نبذه وطردُه الصامت ، فكلما حاول الاقتراب من القطيع ليشاركهم الفريسة كان يُقابل دائماً بأنياب بيضاء مكشوفة وزمجرات تهديدية تحذيرية. ولون فرائه الذي يبرز كراية في الثلج ، جعله مستبعداً من الصيد الحيوي الضروري للبقاء ، وجعل من الصعب عليه المشاركة في حياة الجماعة المشتركة. فبات معزولاً بشكل متزايد. أخيراً ، وبعد حصار صيد باء بالفشل ، قام الزعيم الجديد لقطيع الذئاب بطرد "كارلوش " كلياً من أراضي ذئاب الشتاء. وقف وحيداً فوق التل الثلجي الذي تعوي فيه الرياح ، شاخصاً ببصره نحو القطيع ، مطلقاً عواءً أخيراً طويلاً كاد يمزق الروح ، ثم استدار واختفى في الأعماق الشاحبة. وهكذا ، أصبح ذئباً منفرداً حقيقياً.
وفي الوقت نفسه ، ومع هدفي المتمثل في مراقبة سلوك الشياطين لصقل مهارة قتالية جديدة ، وجب عليّ أنا أيضاً الاختيار بين قطيع الذئاب و "كارلوش ".