وقع صوت قبضة الحاكم «دراغ» وهي تضرب المكتب تحت سمع ابنه وبصره ، فالتفت إليه وسأل "ما بالُك يا أبي ؟ "
رفع الحاكم «دراغ» بصره نحو ابنه الذي كان يقف عند باب الغرفة ، وبعد هنيهة من التأمل ، أشار إليه بالاقتراب ، ثم ناولَه رسالةً وقال "سيأتي يومٌ تجلس فيه في مقعدي هذا ، وتتخذ مثل هذه القرارات. أخبرني بما يدور في خلدك. "
لكل امرئٍ ذوقٌ يميل إليه ، وذلك أمرٌ فطري ، فحتى الأب قد يجد في قلبه ميلاً لبعض أبنائه دون غيرهم. أما الحاكم «دراغ» ، فكان أكبر أبنائه وأصغرهم هما الأقرب إلى نفسه.
فأما الأكبر ، فقد قضى معه جُلَّ وقته ؛ وتلك ميزة الابن البكر التي لا تُنكر ، إذ أن الباكورة التي تأتي إلى الدنيا أولاً تظفر -ما لم تسيء التدميه ر- بحظوةٍ لا تضاهيها حظوة لدى الوالدين.
وأما شغفه بأصغره ، فكان نابعاً من دافع التدليل ، وهو تغيرٌ طرأ على شخصيته ؛ فقد كان شديداً مع سائر أبنائه ، ثم ما عاد يطيق تلك الصرامة. ومع ميلاد ابنه الأصغر كان قد تقدم به العمر ، فلان قلبه ، وأفسح مجالاً لنوعٍ مغايرٍ من العاطفة.
أما الابن الثاني ، فلم يكن الحاكم «دراغ» يميل إليه كثيراً ، فقد كان مغرقاً في الحسابات ، ومفرطاً في دهاءٍ يجعله يتغافل عن الهيبة الطبيعية التي ينبغي أن يتحلى بها الحاكم. ولا يعني هذا أن الدهاء مذمومٌ في ذاته ، لكنه ليس الأداة المثلى لمن يتقلد زمام الحكم ؛ فالحكام لا يحتاجون إلى الخديعة ، بل يكفيهم أن يصدروا مرسوماً فتُقضى الأمور. قد يظن البعض أن الدهاء يجعل السلطة أقل قسوةً وجفاءً ، لكنه سرعان ما يفتضح أمره ، فلا يورث إلا العناء. قد يكره الناس الطاغية ، لكنهم يحتقرون الحاكم المخادع أشد الاحتقار.
ثم كان هناك الابن الثالث ، الواقف أمامه الآن. بدا ذكياً ، قادراً دوماً على صهر نقاط قوة إخوته ودمجها مع أفكاره الخاصة. ومهما كانت الاختبارات كانت إجاباته هي الأكثر أماناً وحيطة. ومع ذلك كان الحاكم «دراغ» لا يستسيغه.
لا يتطلب حبُّ المرءِ أسباباً كثيرة ، أما بغضه ، فدائماً ما يجد له من الأسباب ما لا يُحصى. و لقد ساءه في هذا الابن افتقاره إلى الفكر المستقل ؛ فكان يمزج أفكار أخويه الأكبر والأوسط ، دون أن يدلي برأيه الخاص ، وبغير مدخلاتهم كانت إجاباته غالباً ما تأتي قاصرة. بل إنه حاول استمالة الابن الأصغر -محبوب الحاكم- ليستخدمه درعاً ، جاعلاً الحاكم «دراغ» يميل إلى مقترحات الابن الثالث مراعاةً للأصغر.
لقد كان يلهث دوماً وراء نيل الرضا ، متصنعاً التفوق إلا أن تلك المحاولات كانت مكشوفةً للحاكم ، مما زاد من نفوره منه. فإذا كان المرء لا يصدق مع إخوته ، فكيف يطمع في مودة أبيه ؟ لذا حين حانت لحظة الاختيار الصعب ، أرسل «دراغ» أبناءه الأكبر والأوسط والأصغر إلى «الاتحاد» ، ولم يُبقِ معه سوى الثالث.
شعر الإخوة بخيبة أمل -ولا سيما الأكبر- لكنهم لم يدركوا قط أن تلك كانت وسيلة «دراغ» لحمايتهم. أما الابن الثالث الذي كان يحلم بوراثة منصب الحاكم ، فقد توهم أن بقاءه علامة على الرضا ، بينما لم يكن في حقيقته سوى إعلانٍ عن الاستسلام. ويا للأسف لم يدرك ذلك أبداً.
تناول الرسالة باحترام ، وطالعها على عجل ، وبسرعة فاقت توقعات «دراغ» ، أجاب "يا أبي ، أرى أن نكون أول من يدعو للانفصال عن مملكة «ناغاريل». "
أذهلت سرعة الإجابة «دراغ» ، فقد كان أبعد ما يكون عن توقعها. ففي ظنه كان ينبغي على ابنه أن يرتعد خوفاً ، ويشعر بالاضطراب ؛ خوفاً من أن يتجرأ أحدٌ على إملاء ما يجب فعله على الرجل الأقوى في الإقليم -والده- بهذا الأسلوب الذي يفتقر إلى التوقير. وكان ينبغي لمحتوى الرسالة أن يجعله يشعر بأن حتى العائلات مثل عائلتهم قد باتت تحت نير «الاتحاد» ، مما يثير ذعره من فقدان السيطرة. بل إن خيانة الوطن كان ينبغي أن تورثه الشعور بالذنب.
لكن شيئاً من ذلك لم يظهر ، بل بدا شاباً يكبح حماسته ، متخذاً بلمح البصر القرار الذي كان «دراغ» يكره سماعه -رغم علمه بأنه حتمية لا مفر منها.
بعد صمتٍ قصير ، رفع بصره إلى ابنه الذي كان يحاول جاهداً أن يبدو هادئاً ، وسأله "لماذا اخترت هذه الإجابة ؟ "
رد الابن دون تردد "يا أبي ، يعلم الجميع أن سطوة «الاتحاد» في «ناغاريل» في تزايدٍ مطرد. لم تخرج كثيراً في الآونة الأخيرة ، ولو فعلت ، لرأيت أن كل شيء قد تغير! "
"لا أعرف كيف أصف الأمر ، لكن المجتمع في تبدل ؛ كعجوزٍ قارب الموت فإذا به يستعيد شبابه ويضج بالحياة! "
"حين تمشي في الطرقات لم تعد ترى العاطلين يستظلون بالشمس ؛ فكلهم مشغولون بالبحث عن عمل. "
"وحين يتسامرون في أوقات فراغهم ، تغيرت أحاديثهم ؛ فبعد أن كانت هراءً ، صارت تدور حول العمل والحياة. "
"قد لا يروقك ما أقول ، لكنها الحقيقة: نفوذ «الاتحاد» يحل محل نفوذنا نحن الحكام التقليديين. إن مستقبل «ناغاريل» سينتمي إلى «الاتحاد»! "
وبينما كان «دراغ» يراقب ابنه وهو يتحدث بوقاد ، شعر وكأنه يراه للمرة الأولى. جعله ذلك يدرك مدى قوة نفوذ «الاتحاد» حتى بلغ أولئك الأقرب إلى طبقة الحكام. وفجأة ، أيقن «دراغ» أن خياره لم يعد يعني شيئاً لـ «الاتحاد» ؛ فقد كانت خططهم تسير ، وبدأت ثمارها تنضج ، ولا أحد يستطيع إيقاف هذا التحول المجتمعي.
لم يعد الناس يكترثون بما يقوله الحكام القدامى ، بل كفّوا عن احترامهم. انظر.. هذا ما أنجزه «الاتحاد». لقد كانوا يهاجمون الملكية ؛ وبمجرد سقوط العائلة المالكة ، ستتلاشى من قلوب العامة السلطة العلمانية التي يمثلونها ، ثم سيأتي دور الدين. ومع مرور الوقت ، قد تصبح «ناغاريل» «اتحاداً» مصغراً. فلم يكن بوسع «دراغ» ولا أي حاكم آخر ، ولا حتى العائلة المالكة ، إيقاف ذلك ؛ لأن هذا ما يريده الناس.
وقع بصره على صحيفة في زاوية المكتب ، وكان العنوان «من الذي يؤذينا ؟» نصف ظاهر. ومن ذا الذي يؤذي الناس بتهور سوء الحكام أمثال «دراغ» ؟
كانت تلك إرادة العصر. قد تشوب الطريق بعض الاضطرابات -مثل ما يُسمى بـ «شبيبة ناغاريل»- لكنها ليست سوى زبدٍ يذهب جفاءً ، ولن تغير مسار التيار. فحين تبدأ إرادة التاريخ والعصر في فرض سطوتها ، تصبح إرادة الفرد هباءً منثوراً.
قال «دراغ» متنهداً وقد فقد كل اهتمام "اذهب وافعل ما يلزم. " كانت المملكة القديمة التي عرفها بدأت تتلاشى في مخيلته ، وكاد يضحك ؛ فكيف لأمثالهم أن يوقفوا بركاناً ظل خامداً لمئة عام ؟
انحنى ابنه وهمَّ بالمغادرة ، وما إن بلغ الباب حتى ناداه «دراغ» مجدداً "استعد ، واجعل الخياط يفصل لك ثيابك. "
التفت الابن فجأة مذهولاً ، وقد أشرق وجهه بفرح لا يُطاق "أبي ، أتقصد... "
لم يرد «دراغ» ، بل أشار بيده إيذاناً له بالانصراف. حيث كان معناه واضحاً ؛ فقد كان يستعد للتنحي.
وبينما كان يراقب ابنه وهو يغادر في خيلاء وخفة ، وجد «دراغ» الأمر برمته عبثياً ، بل وهزلياً. ابنٌ يغمره الفرح لأن أباه على وشك فقدان سلطته.. لا بد أن هذه هي كنه السلطة الحقيقية.
أطلق تنهيدة عميقة ونظر إلى الرسالة في يده ، مستذكراً ما قاله له الخادم "إن السيد الشاب الثالث يطالع كثيراً من كتب «الاتحاد» في الآونة الأخيرة ، وقد صادق بعض التجار الشباب في المدينة. "
إن الحياة سلسلة من الاختيارات ، ومهما شعرت بالضياع أو الخوف أو العجز ، فإنه يتحتم عليك أن تختار.
وفي الوقت ذاته الذي كان فيه الحاكم «دراغ» يتخذ قراره كان الكاهن الأكبر يصنع الشيء نفسه. فمن تحت عرشه ، احتشد كهنةٌ من مختلف أنحاء المقاطعة ، وبينما كان يحدق في وجوههم الباردة الخبيثة تملكه شعورٌ نادرٌ بالانقباض.
لعق شفتيه ، فجأةً تهلل وجهه بمسحةٍ من الحماسة ، وقال "تراءت لي الآلهة في منامي ليلة أمس ، وأخبرتني أنها ستختار كاهناً أكبر جديداً. فعند عودتكم إلى معابدكم ، على كلٍ منكم أن يصيغ صنماً ذهبياً للآلهة ويحضره إليّ. "
"سيحل الإله في أحد تلك الأصنام ، ومن يأتي بذلك الصنم سيصبح الكاهن الأكبر القادم! "
أجبر عينيه الثقيلتين على الانفتاح ، جعلت الوشوم على وجهه المترهل يبدو منقبضاً ، لكن نظراته كانت حادة ، تثقل على كل كاهن. وحين وقعت عيناه عليهم فرداً فرداً ، انحنى كل كاهنٍ إجلالاً ، واضعاً جبهته على الأرض خشوعاً ؛ فلطالما عُدَّ الكاهن الأكبر وعاءً أرضياً للألوهية ، وتوقيره من توقير الإله ذاته.
"هذه المرة ، لن يُنظر في أمر أحدٍ من دائرتي المقربة. سيأتي الكاهن الأكبر القادم من بين صفوفكم. أسمعتم ؟ "
لم يكن الكهنة حتى تلك اللحظة يشعرون بذاك الحماس ، ففي كل جيلٍ كان الكاهن الأكبر الهرم يعلن مثل هذا الأمر ؛ لم يكن ذلك إلا حيلةً لجمع الذهب. وفي النهاية كان الخليفة دوماً من يختاره هو ، ولم تكن النتيجة تتغير.
لكن هذه المرة ، سرت رعشةٌ من الإثارة في القاعة ؛ فكلمات الكاهن الأكبر تعني أن العائلة الدينية الحاكمة على وشك التنحي ، وأن سلالة دينية جديدة على وشك الصعود. ولن يتوانوا عن تقديم أكوامٍ من الذهب ، وكلهم أملٌ في أن يقع اختيار الكاهن الأكبر عليهم.