«لن يقوموا بأعمال شغب …»
في مبنى شاهق لا يبعد كثيراً عن القصر الملكي ، تجمع عدد من السادة المرتدين حُللاً أنيقة من "الاتحاد " المتحضر ، يراقبون المشهد في الخارج من خلف نوافذ تمتد من الأرض حتى السقف ، وعلى وجوههم تعبيرات غامضة.
التفت رجل كان يقف بجوار الزجاج ممسكاً بكأس نبيذ إلى الآخرين قائلاً: «يبدو أنهم لن يقوموا بأعمال شغب».
رد عليه آخر بشيء من الدهشة: «لم أتوقع أن يتسامح أفراد العائلة المالكة مع هذا الأمر».
غالباً ما يخلط الناس بين التخلف والجهل والهمجية وانعدام العقل. ومع أن هذه الصفات تُجمع في سلة واحدة عادةً إلا أن هناك أوقاتاً يتحتم فيها الفصل بينها ؛ وهذا الوقت هو أحدها. فوفقاً للخطة ، ومع وجود هذا الحشد الكبير خارج القصر مطالباً العائلة المالكة بتبرير لما يحدث كان من المفترض في "جيفرا " أن تباشر الحرس الملكي باعتقال الناس بالفعل.
لقد افترض هؤلاء السادة أن ملك مملكة "ناجاريل " لن يقف مكتوف الأيدي ، بل سيبادر حتماً بفعل شيء دفاعاً عن سلطته وهيبته. وقد توقع السادة في تلك الغرفة أنه حتى لو لم يقم الملك بتفريق الحشد ، فإنه على الأقل سيتقدم بضع خطوات ليلقي كلمة تهدئ من روع الجماهير الغاضبة الباحثة عن إجابات.
ولو فعل ذلك لكان العناصر المندسون الذين زرعوهم وسط الحشود قد قذفوا الملك بالنفايات المجهزة مسبقاً ، مما سيؤدي إلى تصعيد عنيف للأحداث. ولكن على غير المتوقع لم يرسل الملك أحداً لتفريق الحشد ، ولم يظهر للعلن قط ؛ بل اختار التزام الصمت ، مما أربك خططهم وجعل المندسين بلا فائدة.
سار أحد السادة متبختراً نحو النافذة ، ناظراً إلى الساحة خارج القصر ، ثم رشف من نبيذه وابتسم قائلاً: «لحسن الحظ ، لدينا خطة أخرى...».
في تلك اللحظة ، تجمع أكثر من مائتي شخص من "ناجاريل " حول القصر بوجوه خالية من التعبيرات. وبعد تلقيهم أمراً ما ، ارتدوا بسرعة زي الحرس الملكي ؛ تلك القوة النخبوية التابعة للعرش مباشرة. حيث كانوا يدركون تماماً ما يفعلونه والعواقب التي ستترتب على ذلك لكنهم لم يشعروا بأي ندم.
وبالمقارنة مع وعود الحصول على تذاكر سفر إلى "الاتحاد " وإقامة قانونية هناك لم يكن ما يفعلونه الآن سوى خطوة نحو تحقيق هدفهم. أما عما قد يؤول إليه الحال فهل كان ذلك يعنيهم في شيء ؟
انطلقوا نحو ساحة القصر وهم يحملون في أيديهم أسلحة بدائية كالعصي والسياط وحتى السكاكين. ومن المبنى الذي كان يراقب منه سادة "الاتحاد " شوهدت أمواج زرقاء ترتطم بصخرة سوداء صلدة.
ثارت الحشود في لحظتها ، وبدأ الحراس الملكيون المزيفون بضرب المواطنين ومطاردتهم وشتمهم ، صارخين فيهم بأن يرحلوا وألا يلوثوا ساحات القصر.
في اللحظة التي بدأت فيها الفوضى ، شعر الملك العجوز بأن شيئاً ما ليس على ما يرام ، فأمر على الفور بإجراء تحقيق ، ولم يمضِ وقت طويل حتى عرف حقيقة ماذا يجري. تبادل قادة الحرس الملكي الحقيقيون نظرات حائرة ، لكن الملك لم يلحظ في تعبيرات وجوههم الفارغة ما يفيده ؛ فلم يكن قد تم نشر أي من الحرس الملكي الفعليين.
وهذا يعني أن من كانوا في الخارج ليسوا سوى دخلاء.
ساور الملك الشك فوراً في "الاتحاد ". فمنذ ظهور ذلك المقال في الصحيفة -ذلك المقال الذي لم يكن ينبغي له أن يُطبع أبداً- كان يعلم أن "الاتحاد " قد أصبح مستعداً للتحرك.
كان الملك العجوز يجلس على عرشه ، بكتفين غير متساويتين وذقن يستند إلى كفه المدعوم بمسند العرش ، يراقب بصمت الناس في القصر قبل أن ينطق أخيراً: «اطلبوا من رجالنا تغيير زيهم ، أو إضافة بعض العلامات المميزة على الأقل ، واخرجوا لاعتقال الدخلاء».
ثم التفت إلى كبير خدمه وقال: «ما حدث قد حدث ، وعلينا أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وأيضاً... جهز الأمور ؛ فبمجرد أن نكشف مؤامرة الأجانب ، سألقي خطاباً وطنياً».
في البداية لم يكن يخطط لاتخاذ مثل هذه الخطوات أو وضع نفسه في مواجهة علنية مع القوى الأجنبية ، ولكن بين التقارير الأخيرة وهذا الهجوم ، اتضح الأمر: لقد تحرك الأجانب.
كان الهيكل السياسي الفريد لـ "ناجاريل " يجعل الملكية هشة ؛ فالأقاليم كانت تتمتع باستقلالية ذاتية عالية ، وكانت العائلة المالكة في جوهرها أقوى عشيرة لا أكثر ، وكان الملك أقرب إلى حاكم إقليمي منه إلى ملك حقيقي. حيث كان بإمكان الأجانب تجاهل أصحاب السلطة الآخرين واستهدافه هو مباشرة ، ولن يأتي أحد لإنقاذه.
لم يكن هذا شبيهاً بالملكيات التقليديه ، حيث كان نزع السلطة من الحاكم يتطلب وقتاً وعملاً دؤوباً لهدمه من القاعدة. و في "ناجاريل " كان مهاجمة العائلة المالكة أبضع ومباشرة أكثر بكثير.
لم تكن الملكية لتصمد أمام هجوم "الاتحاد " ولم يعد بإمكان الملك العجوز التظاهر بالجهل. حيث كان عليه أن يخبر الناس: «إننا نعيش أوقاتاً استثنائية ، وهناك من يريد سلبكم كل شيء. وأنا حارسكم الأخير».
«إذا سقطتُ ، ستصبح هذه الأرض جنة للأجانب».
ذهل كبير الخدم لكنه أطاع. وفي غضون ذلك بدأ الحرس الملكي الحقيقي بالتحرك.
ولكن على غير المتوقع... بدأ بعض الناس في الحشود بالمقاومة فجأة ، يلوحون بقبضاتهم وبأسلحة ارتجالية من محيطهم. تشتت الحراس المزيفون وفروا على الفور ؛ وبسرعة جعلت الكثيرين لا يدركون ما يحدث.
إلا أن البعض أدرك ذلك وهم من قاوموا. اشتبكوا بعنف مع الحرس الملكي الحقيقيين الذين كانوا يخرجون للتو من القصر. حيث كانت ومضات كاميرات الصحفيين في الساحة لا تتوقف ، تلتقط كل شيء بوضوح لا لبس فيه تحت ضوء الشمس.
كان الصحفيون في غاية الحماس ؛ ففي أوقات السلم ، لا شيء يجذب الانتباه كهذا المشهد. حيث كان يعني الثراء والشهرة والمكانة ، وربما الحصول على عمود خاص بهم إن لم يكن لديهم واحد بالفعل.
سرعان ما غُلب الحرس الملكي الحقيقيون على أمرهم ، وتعرض بعضهم للضرب حتى سالت دماؤهم قبل أن يدركوا حتى ما الذي يقع. حاول القادة قيادة انسحاب نحو القصر ، لكن المشهد كان أكثر فوضوية من أن يُحتوى. وبمجرد أن سالت دماء الحراس الذين كانوا مترددين في البداية ، ردوا الضربة أخيراً ؛ مما أشعل فتيل معركة شوارع شاملة بين الملكية وشعبها.
في اليوم التالي للفوضى خارج قصر "ناجاريل " علم الحاكم "دراج " حاكم إقليم "ماجولانا " بكل شيء ، ووجد نفسه أمام قرار مفصلي آخر في حياته. أمامه كانت ترقد رسالة وورقة مطوية مليئة بخط يد كثيف ، أرسلها "لينش " ووصلت إلى "دراج " قبل وقت قصير.
كان ضوء الشمس في الخارج ساطعاً ، لكن "دراج " كان يشعر في الداخل بأن الظلال تبتلعه. و قبل لحظات كان يشعر بالحر ، والآن شعر وكأنه سقط في حفرة جليدية ؛ تملكه الخدر والبرد. حيث كانت رسالة "لينش " واضحة وبسيطة: على "دراج " أن يختار.
الخيار الأول: الاستمرار كحاكم لـ "ماجولانا " تحت لواء مملكة "ناجاريل " والحفاظ على موقفه المعلن. ومهما تغيرت أحوال "ناجاريل " ستقطع شركة التطوير المشتركة و "لينش " كل صلاتهما العميقة به ، وسيصبح مجرد شخصية رمزية ؛ لا يتدخلون في شؤونه ولا يُسمح له بالتدخل في شؤونهم.
انفصال سلمي في الظاهر ، لكن "دراج " كان يعلم أنه أبعد ما يكون عن السلم.
لم يعد شباب اليوم يكترثون بالأيديولوجيا أو الولاء للأوطان ، بل يفضلون العمل لصالح "الاتحاد ". ربما لن يبدو أي شيء مختلفاً في البداية ، لكن مع نمو شركات "الاتحاد " في "ناجاريل " سيبدأ المجتمع بالدوران في فلكها. وفي نهاية المطاف ، ستحل الإدارة العليا لهذه الشركات -وخاصة مجلس إدارة شركة التطوير المشتركة- محل الحكام التقليديين.
سوف يملون على الناس التعليم وسبل العيش والعمل ، وستصبح قواعدهم هي القوانين التي يتبعها المجتمع.
لم يكن "دراج " يرغب في الخيار الأول ، لكن الخيار الثاني لم يكن سهلاً أيضاً. حيث كان لدى "لينش " طلب واحد فقط: عندما يحين الوقت ، يجب على "دراج " أن يتقدم ويطالب بإنشاء مدينة-دولة أو إمارة ، منفصلاً عن مملكة "ناجاريل " لتحقيق استقلال وحكم ذاتي حقيقي.
كان هذا الخيار صعباً بنفس القدر لأن "لينش " أراده أن يكون الداعي ؛ أي أن يكون أول من يتقدم ويتحدث.
بصراحة... كان من الصعب عليه تقبل ذلك رغم أنه تفهم منطق "لينش ": إذا كان الاستقلال أمراً لا مفر منه ، فبدلاً من اتباع الآخرين بصمت ، من الأفضل أن تكون أول من يعلنه وتحويل ذلك الفعل إلى ميزة شخصية.
لكنه... كان ما زال من "ناجاريل " حاكم إقليم بها. أن يكون هو أول من يقف ليعلن الاستقلال ، بدا أمراً مستحيلاً. حيث كانت كفاه تنضحان عرقاً ، وفمه جاف ، وأطرافه باردة ، ومع ذلك كان جسده غارقاً في العرق.
ظل يلتقط الرسالة ويضعها مراراً وتكراراً ، عاجزاً عن اتخاذ قراره. فلم يكن أي من الخيارين ما يتمناه ، لكنه كان يعلم أن عليه الاختيار ، وبسرعة.
إذا تقدم شخص آخر أولاً للمطالبة بالانفصال عن مملكة "ناجاريل " فستضيع كل مزايا السبق. وعندها ، مهما كان قراره ، فلن يكون هو الخيار الأفضل.
ذلك اللعين... دائماً ما يجبر الناس على اتخاذ قرارات صعبة!
ضرب الحاكم "دراج " الطاولة بيده.