الفصل 452: أنا رجل عادل
لم يكن هناك أزيز للأجهزة الإلكترونية في المدينة ، ولا ضجيج للمصانع ، ولا هديرٌ مستمر لإطارات السيارات أو محركاتها على الطرقات ؛ كان كل شيء ساكناً سكوناً موحشاً.
وفي وسط ذلك الصمت ، دوّى صوت طلقة نارية أشدَّ صخباً ، مرتدةً أصداؤها من مسافة بعيدة.
تجمّد أفراد قبيلة "ناغاريل " الذين كانوا ينهالون بالضرب والتحطيم على الحاوية ، وكأن أحدهم ضغط على زر الإيقاف المؤقت. حتى المتفرجون تراجعوا إلى الخلف وابتعدوا ليراقبوا ما يحدث.
أعاد لينش المسدس إلى جراب الحارس بجانب خصر الرقيب ، وأصدر أمراً مقتضباً "سيطروا عليهم ".
أشار الرقيب بيده ، فاندفع جنودٌ عدة من الشاحنات ليطوقوا المحرضين.
ومع تصويب أكثر من اثني عشر سلاحاً نحوهم ، أدرك حتى هؤلاء "الناغارايليون " عديمو التعليم جيداً ما يمكن لرصاصة صغيرة العيار أن تفعله بجسد الإنسان ؛ فلم يجرؤوا على الفرار ، بل وقفوا في أماكنهم متجمدين.
ارتجف رئيس الشرطة قليلاً ، وأطرق برأسه ذليلاً خلف لينش ، محاولاً تبرير الموقف.
كان يود الشرح قبل ذلك لكن تصرف لينش قاطعه "السيد لينش... ".
لم يلتفت إليه لينش ، وبحركة خاطفة من يده ، انتفض رئيس الشرطة ، ظناً منه أن لينش سيوجه إليه صفعة.
وفي تلك اللحظة ، راودته رغبة خفية بأن يصفعه لينش فعلاً.
ليس لولع غريب لديه ، بل لأن تلقي صفعة من لينش سيمحو رمزياً كل الأخطاء التي اقترفها ؛ فبمجرد أن يعاقبه لينش ، لن يعود مضطراً لتحمل المسؤولية ، وسيلقى باللوم على كاهل غيره.
إن ارتداده الفطري ، وتراجعه ، وانحناء رأسه لم يكن نابعاً من الخوف فحسب ، بل من التردد أيضاً. فأن يُصفع من قبل أجنبي أمام مرؤوسيه حتى وإن كان ذلك الأجنبي ذا نفوذ ، لن يُنظر إليه على أنه تجاوز من الأجنبي ، بل سيقول الناس إن رئيس الشرطة يفتقر إلى الهيبة.
تلك هي طبيعة العالم القاسية ؛ معايير مزدوجة ، تشتدُّ وطأتها دائماً على أبناء الجلدة الواحدة.
لكن لينش لم تكن لديه نية لضربه ، فقد رفع يده ببساطة ليخرج سيجارة من جيبه ويشعلها.
وحتى هذه الحركة البسيطة جعلت رئيس الشرطة يلوذ بالصمت ، عاجزاً عن الكلام ومحتاراً في أمره ؛ فلا هو قادر على البقاء ، ولا هو يعرف كيف ينسحب.
بحلول ذلك الوقت كان المتمردون قرب الحاوية قد أُخضعوا. فتح الرقيب باب الحاوية ، وخرج منه "نيل " ورأسه ملطخ بالدماء. و أدرك رئيس الشرطة حينها أن الأمور قد سارت على نحو كارثي.
لم يكن يعلم أن نيل هو والد لينش ؛ فلو كان يعلم ، لما حدث ما حدث.
لم يكن نيل من النوع الذي يتباهى بهويته أو يتشدق بها ؛ فقد تمتع بقيم متزنة ، وعلى عكس بعض الرجال سريعي الغضب الذين يقيمون التماثيل عند مداخل البلدات ليعرف الجميع من هو ابنهم لم يفعل نيل ذلك قط.
أما التماثيل التي أُقيمت هناك ، فقد كان أحدها له والآخر لابنه البار. وعلى قاعدة تمثال الشاب ، نقَش الحجّار اسم "دولين " وعلى قاعدته هو كتب "هذا والد دولين ".
كان ذلك العجوز غريب الأطوار ممتعاً في حد ذاته ، لكن نيل كان مختلفاً ؛ فقد كان رجلاً متحفظاً ، أصبح يتدلل قليلاً بعد أن نال ثروته ، وما زال يحاول التأقلم مع حياته الجديدة. لم يعلن قط أن لينش ابنه ، بل كان يرى نفسه مجرد رجل عادي.
والآن ، وهو يمسك رأسه ، خرج من الحاوية ، وألقى نظرة حوله ، ثم سار نحو لينش بابتسامة مرتبكة يغشاها شعور بالذنب "آسف ، لقد أفسدت الأمر ".
كان لينش قد حذره ، لكن نيل لم يدرك مدى خطورة الأمور أو مدى تطرف ردود أفعال الناس.
لم يكن الخطأ خطأ نيل بالكامل ، فقد كان طيب القلب أكثر مما ينبغي ، على الأرجح أنه لم يستوعب بعد ما الذي أثار كل هذا حقاً.
لكن لينش كان يرى الصورة كاملة ؛ فهؤلاء الفتيات ، و "الإخوة " المزعومون من حولهن كانوا يطمعون في شيء محدد ؛ في شخص ما داخل المعسكر ، في أجنبي.
ببساطة كان لينش قد زار ذات مرة مكاناً يدعى "مدينة الجنة " حيث مجرد وجود أجنبي كفيل بجذب أسراب من النساء ؛ نساء ربما كنَّ في بلادهن بعيدات المنال. حيث كان دفؤهن يضاهي حرارة المناطق الاستوائية ، بل يكاد يختنق المرء من حدته.
بالنسبة للأجنبي كان ذلك جنةاً ، أما للسكان المحليين ، وخاصة النساء ، فقد كان جحيماً.
كان أملهن الوحيد أن ينظر إليهن أجنبي ما ، خلال إقامته القصيرة ، بعين الاهتمام ؛ وربما - ربما فقط - أن يشتري لهن تذكرة خروج.
هؤلاء الفتيات ، مثل تلك التي تراقب لينش بتوتر الآن لم يكنَّ مختلفات ؛ كنَّ يرغبن في الرحيل ، وكذلك الشباب الواقفون بجانبهن.
لكنهم لم يستطيعوا المغادرة ، ليس لأن حكومة "ناغاريل " تمنع ذلك بل لأنهم لا يملكون ثمن تذكرة ذهاب فقط بعيداً عن هذه الأرض.
بالنسبة لشباب "ناغاريل " الطموحين كان هذا المكان سجناً. قد يراه الأجانب جنةاً ، لكنه بالنسبة للسكان المحليين مطهرٌ من العذاب.
بلا تعليم حقيقي ، ولا فرص ، وفي مجتمع لا يقدم شيئاً كانوا يشاهدون حياتهم تتلاشى. الرجال يكافحون في الزراعة ، والنساء قد يلجأن إلى الدعارة ، وغالباً ما يكون المقابل ليس نقداً ، بل أساسيات ؛ طعاماً ، أو مؤناً ، أو حتى أمراضاً.
كان مجتمعاً يتداعى في يأس صامت ، يتوق إلى أن يولد من جديد في حياة أفضل.
ثم وصل الأجانب ، فكانت تلك فرصتهم ؛ فلو ظفرت بواحد منهم ، ربما تنجحين في الهروب ، وإذا هربتِ ، فقد يلحق بكِ الآخرون.
لو سُئلوا عما يعنيه الأمل ، ربما لم يعرفوا الكلمة ، لكنهم عرفوا شكله: كان "الأجنبي ".
فهم لينش ذلك وتعاطف معه ، وفي تلك اللحظة شعر برغبة في الضحك.
سأل "هل تحتاج إلى طبيب ؟ ".
أومأ نيل ، ثم هز رأسه نفياً ؛ فقد توقف النزيف ، وطلب الطبيب الآن سيجعل مرؤوسيه يسخرون منه.
لم يكن موظفاً يحمل شهادة جامعية خلف مكتب ، بل كان عاملاً ، وبالنسبة لرجال مثله ، الجروح جزء من روتين الحياة اليومي.
"أحتاج إلى سيجارة أكثر من حاجتي لطبيب ".
أشعل له لينش سيجارة ، وبينما كانا يدخنان ، سأله "من بدأ هذا ؟ ".
أشار نيل إلى شاب خجول اقترب منه ؛ كان الانفجار غير المتوقع للأحداث قد أصابه بالذعر بوضوح.
قبل أن يصل الصبي إليهما ، سأل نيل "ما الذي ستفعله ؟ ".
ابتسم لينش "سأساعده على تكوين أسرة هنا ".
نظر إليه نيل بحيرة "لكنه متزوج بالفعل ، ولديه زوجة وأطفال ".
سخر لينش "لكنه لا يستطيع كف يده عما لا يخصه! ".
الشاب المقصود -رغم أنه في الواقع أكبر من لينش سناً- كان ما زال يبدو بمظهر غير ناضج وعديم الخبرة.
وما إن اقترب حتى أمسك به لينش من ياقته ، وصفعه على مؤخرة عنقه ، وجره نحو الحاوية ، ثم ركله فجأة خلف ركبتيه.
سقط الرجل أرضاً بصوت مكتوم وهو يرتجف ، واحتقر وجهه بالدم ، ثم شحب فجأة.
كان حشد من السكان قد تجمعوا ، وقد جذبت الطلقة النارية المزيد من الناس من مسافات أبعد. فلم يكن لدى معظم العاطلين عن العمل في "ناغاريل " ما يفعلوه سوى مراقبة ماذا يجري.
لولا هذا العدد الكبير من الناس ، لكان حل المسأله بسيطاً ، لكن مع وجود كل هذه الأعين التي تراقبهما ، تعقدت الأمور.
فخطأ واحد ، أو أي تصرف قد لا يبدو لائقاً ، كفيل بأن يثير "حزب الشباب " عاصفة أخرى.
لم يأتِ لينش إلى "ناغاريل " ليحل دراما تافهة ، بل جاء لجني المال ، وأي شيء -أو أي شخص- يقف في طريق ذلك سيُكنس بعيداً. و إذا لم يعترض أحد طريقه ، ربما يتريث للحظة ، لكنها لحظة فقط.
ألقى نظرة حوله ، ثم أشار إلى الفتاة المرتجفة في الجوار ؛ ترددت طويلاً قبل أن تجبر نفسها على التقدم والتوقف على مسافة قصيرة من لينش. لم تجرؤ على النظر إليه ، وبدلاً من ذلك حدقت بغضب في الرجل الملقى على الأرض.
قال لينش بصوتٍ وصل صداه بعيداً "لقد سمعتُ السبب ، والقصة ، والآن أرى النتيجة... ". كان مثل الخطباء المخضرمين ، يعرف كيف يرفع صوته وكيف يوجهه إلى حواف الحشد.
كانت الرياح هي الصوت الوحيد في المعسكر الآن ، مع توجّه عدد لا يحصى من الأعين نحوه.
"أنا رجل عادل ، رجل منطقي ، ولا أنحاز لأحد قط ".
"سأمنح هذه الشابة وهذا الرجل ، خياراً ، خياراً عادلاً ".
نظر لينش إلى الرجل "أياً كان ما حدث بينكما ، فبعد أن قررت الابتعاد ، الأمر ليس بهذه البساطة ".
"اترك خلفك ذراعاً ، أو خصية ، هذا هو ثمن خطيئتك ". نفض عقب سيجارته بعيداً ، وأكمل "أو... تزوج الفتاة ".