الفصل 408 "في الاتحاد قوة "
كان الحاكم يسعى جاهداً لتأمين إعادة انتخابه ، ولم يكن هناك سبيل أيسر لتحقيق ذلك من تلبية مطالب الشعب. ولكن ، ما الذي كان يصبو إليه الناس في هذه الآونة ؟ كانت الإجابة مقتضبة: الوظيفة. فحتى إن لم تكن الأجور والمزايا ترتقي للحد الأدنى الذي ينص عليه قانون العمل كان الحصول على وظيفة في حد ذاته غايةً يكفى.
فبوجود العمل ، يستشعر الناس الأمان ويكفون عن التخبط بلا هدف. وبوجوده ، تتملؤهم الآمال وتدب في أوصالهم طاقة للمستقبل. ولو قُدّر لهذا المشكل أن يُحل -أو على الأقل أن تظهر الحكومة جديتها في السير نحو الحل- لالتف الشعب فى الجوار ودعمها ، وإذا ما تحققت نتائج ملموسة ، فسيضمن الحاكم ولاية جديدة بلا ريب.
لكن السؤال المحير كان: كيف السبيل إلى ذلك ؟
كان الجميع يدرك الإجابة. فقد كان المشهد يشبه حال المشردين في الطرقات حين يلجؤون لجمع التبرعات ، لا للاستجداء -فالتسول محظور في الاتحاد- بل كانوا يعمدون إلى قضايا يهتم بها الناس أو يغفلون عنها ، وينصبون صناديق التبرع ، محاولين إقناع المارة بدعمهم بأي وسيلة ممكنة. وكانت المساعدة مادية في الغالب ، وإن أبدت بعض النسويات رغبة في العون ، فكان المشردون يرحبون بذلك بامتنان. وهذا ما سمح للاتحاد بأن يتشدق بفخر قائلاً إنه خالٍ من المتسولين.
بعد أن يبددوا أموال التبرعات في شراء الخمور الرخيصة كان هؤلاء المشردون يخلدون للنوم في صناديق الكرتون وبين أكوام الصحف ، معتقدين أنهم حين يستيقظون سيبحثون عن عمل. وحتى إن كان عملاً شاقاً ، فقد كانوا يمنّون النفس بالكدح وتغيير أقدارهم ، ساعين ليصبحوا أفراداً ذوي قيمة في هذا المجتمع.
لكن... كانت تلك أمنيات لا تغني من الجوع شيئاً. فالفقراء يعلمون أن كسب المال كفيل بتغيير حياتهم تماماً كما يعلم الحاكم أن زيادة معدلات التوظيف هي طوق النجاة لولاية "يورك " وضمان بقائه في منصبه. و لقد كان الجميع يمسكون بطرف الحقيقة ، لكن أحداً منهم لم يكن قادراً على الوصول إليها أو الإمساك بها.
لم يكن الحاكم سوى سياسي لا رجل أعمال ؛ فجلّ ما كان يملكه هو إصدار الأوامر لقادة المدن من برجه العاجي "مهلاً ، يجب أن يرتفع معدل التوظيف لدينا ، هل هذا مفهوم ؟ ". لم يكن بوسعه سوى التشدق بالخطابات وتضخيم المشكلات.
كانت هذه هي الحقيقة المرة ، لكن الأمور لم تكن تسير على الوتيرة ذاتها دائماً. فقد اجتمع الحاكم بـ "لينش " والآخرين ليدفع نحو تغيير حقيقي. رمقه الحاكم بنظرات جادة ؛ فقد هزت إنجازات "لينش " أركان الاتحاد ، ولعل هذه المرة تكون سبيله لخلق معجزة أخرى.
أمعن "لينش " الفكر للحظات ، فلم يتوقع سؤالاً بهذا العمق وبهذه السرعة ، فاحتاج إلى وقت لترتيب أفكاره. وبعد سبع أو ثماني دقائق ، تهلل وجهه وقال "نحن بحاجة إلى اتحادات صناعية ، نحن بحاجة إلى عمالقة الاحتكار! ".
ارتفعت حاجبا الحاكم دهشةً من هذا الطرح الصادم. فمنذ أن علّم المستكشفون الأوائل في الاتحاد السكان الأصليين مبادئ "الحب والسلام " بأسلحتهم المزينة بالزهور ونصالهم الملونة ، ترسخ الاحتكار في البلاد. فإدارة عمل تجاري منفرد تُدر من الأرباح أضعاف ما يدره التقاسم. أما فكرة أن يثري الجميع معاً ، فما هي إلا ذريعة واهية للمجموعات الضعيفة لتبرر بقاءها أمام القوى الأعتى. ومن يملك قوة الاحتكار لا يتفوه بمثل هذه الترهات.
كان المناخ التجاري في الاتحاد قديماً يتسم بالفوضى ، حيث صار التجار مرادفاً للعنف. فخذ على سبيل المثال قطب السكك الحديدية الذي استخدم أساليب وحشية ، من تدمير مسارات المنافسين إلى الاعتداء والاغتيال حتى بات نصف سكك حديد الاتحاد مملوكاً له مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. و لقد كانت كل صناعة تعاني من هذا التخبط ، ولم تستطع الحكومة الوليدة حينها مجابهة الرأسماليين المدعومين بالقوة ، مما مهد الطريق لنمو الاحتكارات.
لقد خيّم هؤلاء الأثرياء بظلالهم على الاتحاد لأكثر من أربعين عاماً حتى قررت الحكومة سحقهم لحماية الاستقرار العام ، واعتنقت منهج "السوق الحر ". ومنذ ذلك الحين ، سنّ الاتحاد عشرات القوانين لمنع الاحتكار وشدد الرقابة على كل رأسمالي. حتى إن من كانت له صلة بالاحتكار صار يتجنب الخوض في هذا الموضوع ، بل وأُنشئت "لجنة تدابير مكافحة الاحتكار " في مجلس الشيوخ ، وهيئات مشابهة في مجلس الأمن القومي للتحقيق في الشركات الاحتكارية.
لقد تجذرت كراهية الاحتكار في الوجدان ، ومع ذلك يقترح "لينش " الآن أن الاحتكار هو المنقذ لولاية "يورك ". ظن الحاكم للوهلة الأولى أن "لينش " قد فقد صوابه ولا يعي ما يقول ، لكنه سرعان ما وجد في فكرته شيئاً يثير الفضول. لم يبدِ أي رد فعل ، بل ظل يستمع بجدية يومئ برأسه قائلاً "تابع ".
كان ذلك كافياً لـ "لينش " ليدرك أن الحاكم قد انتقل من الرفض القاطع إلى الفضول. استند "لينش " إلى كرسيه ، وأشعل سيجارة بعد استئذان الحاكم ، وأخذ منها نفساً عميقاً. تصاعد الدخان بينهما وهو يقول "نحن نخشى الاحتكارات دائماً ونتجنبها ، لكن الهدف الأسمى لمعظم رجال الأعمال هو الاحتكار بعينه ".
"الاحتكار يجلب أرباحاً طائلة ؛ فنحن نتحكم في الصناعة ، ونضع معاييرنا الخاصة ، ونفرض الأسعار. حتى الحجر الواحد ، لو احتُكر ، لأمكن بيعه بسعر الذهب ؛ لأنه لا يتوفر عند غيرنا. نحن نقول إن الاحتكارات تجلب الدمار وعدم الاستقرار لأن فهمنا حبيس الماضي ، نركز على الجوانب السلبية ونتجاهل الإمكانات الإيجابية ".
كرر الحاكم "إيجابية ؟ ".
أومأ "لينش " برأسه "أجل ، هناك جوانب إيجابية ". وغيّر نبرته لتصبح أكثر حزماً "سيدي الحاكم أنت تعلم أن قطب الصلب يسيطر على 70% من تجارة الصلب في الاتحاد. وبخلاف دفعه لبعض المنافسين نحو الإفلاس ، ماذا فعل أيضاً ؟ ".
هز الحاكم رأسه "لا أعرف الكثير عن ذلك لكني متأكد أنك تعرف ".
أخذ "لينش " نفساً آخر من سيجارته ونفض الرماد "لقد خلق فرص عمل لا حصر لها. و بالنسبة للأشخاص العاديين ، لا يهم كثيراً إن كان السوق محتكراً أم حراً ، فكل ما يهمهم هو العمل. وإذا كانت الأسعار غير معقولة ، فلن يشتري الناس. وقبل قانون مكافحة الاحتكار كان الضحايا الحقيقيون هم الرأسماليون أنفسهم ، حيث استُغلت الشركات الصغيرة والمتوسطة من قبل عمالقة الاحتكار. ورغم أن العمال استُغلوا أيضاً ، فهذا لا يعني أن الاحتكارات وحدها من تستغل العمال ".
"ماذا لو أزلنا الأجزاء السيئة وأبقينا على الجيدة ؟ أي نوع من الاحتكار قد ينشأ في ظل قيم العالم الحالي وأخلاقه وقوانينه الرصينة ؟ ". أطفأ "لينش " سيجارته في المنفضة قائلاً "مؤسسات الركيزة المحلية! لطالما كانت الاحتكارات حولنا لم تختفِ أبداً ، بل اتخذت وجهاً آخر لمواجهة العالم ".
"الوضع في بعض مدن ولاية يورك أشد قسوة من غيرها لأن العديد من المؤسسات الاقتصادية الركيزة قد أفلست ، وتأثير إفلاسها يتجاوز بمراحل تأثير التسونامي الاقتصادي. فإذا أردنا تعافي اقتصاد الولاية بسرعة ، فنحن بحاجة إلى مؤسسة احتكارية مهيمنة ".
بمعنى ما كانت "مجموعة ليستون " بالفعل تكتلاً ضخماً يمثل بدايات احتكار محلي ، وكان انهيارها ، مقترناً بالأزمة الاقتصادية ، هو ما أطلق سلسلة المشاكل. ولو لم تسقط "ليستون " فمع انتصار الاتحاد على "جيفرا " في الحرب البحرية وتزايد نفوذه ، لكانت سلع الاتحاد قد غزت العالم ولتعافى الاقتصاد سريعاً.
إن قوة المؤسسات الركيزة لا جدال فيها ، وإذا ما تضافرت مع قوة الدولة ، يمكنها بسهولة التفوق على الشركات الأصغر. وهي تمتلك أيضاً نفوذاً كافياً في الخارج ؛ فلو قدمت حكومة الاتحاد مزايا مثل الإعفاءات الضريبية أو تفاوضت على اتفاقيات تجارة حرة دبلوماسياً ، لاسترد الاقتصاد عافيته خلال ثلاث إلى خمس سنوات.
لكن المشكلة الآن أن ولاية "يورك " تفتقر إلى مثل هذه الشركة. فبدون هيمنة أو تماسك ، تتناثر الشركات كحبات الرمل و كل واحدة تحارب في خندقها ، بل وتتصارع فيما بينها. وهذا النزاع الداخلي ، مع المنافسة التجارية الدولية ، لن يؤدي إلا إلى انهيار المزيد من الشركات الصغرى والمتناهية الصغر ، ومعاناة الشركات الكبرى للبقاء ، وهي نتيجة شبه محتومة ؛ لأنهم لم يفكروا يوماً في "أن في الاتحاد قوة " نظراً لتضارب المصالح القائمة.