بدأ ملمسُ شهر فبراير يميلُ نحو الدفء تدريجياً ، وأصبح الشتاء القارس شيئاً من الماضي. وفي الأثناء كانت إجراءات التقاضي في قضية "مجموعة ليستوان " قد بدأت تأخذ مجراها ؛ إذ طُويت بالفعل صفحات المحاكمات لبعض الموظفين الهامشيين ممن لا يمثلون جوهر القضية.
أما الدعوى المرفوعة ضد "فيرا " فقد استوفت مسارها القانوني ؛ فقد كانت تجهل أن الوثائق التي جمعتها تُعدُّ أدلةً حاسمةً ، وبزعم "جاب " أنه خدعها بشأن أهمية تلك الأوراق ، قررت النيابة العامة حفظ التهم الموجهة إليها لعدم كفاية الأدلة.
بدا الأمر وكأنه بلغ منتهاه ، بينما كانت مشاريع "لينش " التجارية -في شتى جوانبها- تحافظ على وتيرة صعودٍ ثابتةٍ وإن كانت طفيفة. ومع النجاح الذي كُللت به مزادات السلع المستعملة التي نظمتها الدولة ، شهد الناس مجدداً سطوة "الأزمان المتغيرة " ؛ فالأغراض التي كانت تُلقى عرضاً على أعتاب المنازل أو قرب صناديق القمامة ، باتت تُباع بأسعارٍ مقبولة ، وبدأ رواج تجارة السلع المستعملة يزدهر في أرجاء الاتحاد.
وبتوجيهٍ من "لينش " انشقت شركةٌ جديدةٌ عن "شركة النجوم للتجارة " متخصصةً حصراً في مركز تجارة السلع المستعملة. تدافع الكثيرون للاستثمار فيها ، بعضهم بالسيولة النقدية ، والآخرون بالأراضي ؛ فكانت تلك هي أشكال رأس المال الوحيدة التي يرتضيها "لينش ". وفي ظل المناخ الاقتصادي الحالي الذي لا يؤتمن جانبه لم يكن الناس يسعون بالضرورة لاستثمار أموالهم لمضاعفتها ، بل كان هدفهم الأسمى ألا تتبخر ثرواتهم في ظروفٍ غامضة ، فكان جلُّ طموحهم الحفاظ على قيمتها ، ولا شيء غير ذلك.
كانت شركات "لينش " تتمتع بهذه الميزة بوضوح ، فحتى إن لم تحقق أرباحاً طائلة كانت على الأقل توفر الأمان. وكان الكثير من المستثمرين يدركون أن أعماله لها قيودٌ جوهرية ؛ فتجارة السلع المستعملة لا تزدهر إلا في أوقات الكساد الاقتصادي. فبمجرد أن ينتعش الاقتصاد ، سيعاود الناس ترك أغراضهم غير المرغوب فيها على أعتاب منازلهم ، ملصقين عليها ورقةً كُتب عليها "بلا صاحب " مع دولارٍ واحد ، ثم يتوجهون فرحين إلى المتاجر لشراء سلعٍ جديدة. وحينها ، سيخبو بريق السلع المستعملة بطبيعة الحال لكن لم يكن أحدٌ يأبه لذلك ؛ فكل ما كان يهمهم هو النجاة من الشتاء القارس ، وبعدها سيفترقون عن شركة "لينش ". كان "لينش " يعي ذلك جيداً ، ولهذا السبب آثر النقد أو الأراضي على الأسهم.
وفي فبراير أيضاً استقبل الرئيس المنتخب حديثاً للاتحاد أول زيارةٍ رسميةٍ للدولة منذ سنوات. فقد أرسلت "جيفرا " (أو "جيفيرا " كما يسميها البعض ، وهو اختلافٌ في النطق لا يغير من الأمر شيئاً) رئيس وزرائها لزيارة "اتحاد بايلور ". كانت "جيفرا " دولةً إمبراطورية ، وقد فرض الاتحاد على نفسه مقاطعةً لها قبل بضع سنوات ، لأسبابٍ تعود في المقام الأول إلى نظامها السياسي "الاستبداد ". كان هذا ينبع من التناقض بين روح الحرية في الاتحاد والانغلاق الفكري في ظل الحكم الإقطاعي ؛ إذ كان الناس بحاجةٍ إلى شيءٍ "متعفن " ليبرزوا قيمة روح الحرية لديهم ، لذا نُظر إلى "جيفرا " على أنها أمةٌ حمقاء ومتخلفة وإقطاعية ، رغم أن هذا كان أبعد ما يكون عن الحقيقة.
لكن المثير للدهشة هو أن الأمور انقلبت رأساً على عقب في غضون سنواتٍ قليلة حتى إن الرئيس استقبل رئيس وزراء "جيفرا " بنفسه في الميناء. وبحسب ما ورد ، أعدت أمانة مجلس الوزراء حفل استقبالٍ رسمي. حيث كان الناس يفتقرون للخبرة في مثل هذه المراسم ، إذ لم تكن هناك تجارب سابقة ، كما أن سجلات الأحداث الدبلوماسية منذ عقودٍ خلت قد أكل عليها الدهر وشرب ، فاستشاروا بعض رجال الأعمال ، وبرزت فكرةٌ واحدة "الزهور ".
وقف الأطفال حاملين باقات الزهور بين أيديهم على الأرصفة الشتوية ، يلوحون بها في وجه نسيم البحر الجليدي الذي يكاد يجمّد المشردين. و غطّى أريج الزهور على ملوحة البحر ، وبدا رئيس وزراء "جيفرا " مذهولاً للحظات عند نزوله من السفينة. التقط الصحفيون هذه النظرة ، وفي أخبار المساء ، فسر المذيعون هذا الشرود القصير بأنه "شغف الاتحاد الملتهب الذي بدد نسيم البحر الشرقي البارد ، وأذاب قلب رئيس وزراء جيفرا الزائر ".
في الواقع كان توقف رئيس الوزراء للحظات ناجماً عن انطباعٍ بأنه ربما استقل السفينة الخطأ ؛ فرفض الاتحاد المسبق للعلاقات الخارجية كان دائماً مصحوباً بغطرسةٍ غريبة ، تتجاوز حتى غطرسة الدول الإمبراطورية. لذا في اللحظة التي ترجل فيها ، وجد نفسه يتساءل عما إذا كان في المكان الصحيح. وبمجرد أن استعاد رباطة جأشه ، قرر أنه سيوبخ وزارة الشؤون الخارجية لديه ؛ لأنهم أخطأوا بوضوح في تقدير "اتحاد بايلور ".
بالطبع لم يظهر أي شيءٍ من هذا على وجهه ؛ فقد أجرى حواراً ودياً مع الرئيس ، وأتمَّ اليوم الأول من العمل الدبلوماسي في المكتب الرئاسي ، واضعاً اتفاقياتٍ أوليةً بشأن التعاون السياسي والعسكري والتجاري الدولي. حيث كان الاتحاد بأكمله يتابع هذه الزيارة ونتائجها المحتملة باهتمامٍ بالغ ، مدركاً أن هذه التطورات تمثل مستقبل الاتحاد. حيث كان الناس يشعرون بالتوتر ؛ فقد ظلوا محتمين في "منطقة الراحة " هذه لسنواتٍ طويلة ، ولم يعودوا قادرين على الاختباء. ومثلهم مثل المصابين بالخجل الاجتماعي كانوا يتوقون إلى العالم الخارجي ويخشونه في آنٍ واحد.
تابع "لينش " أيضاً تقدم الزيارة. وطوال الليل ، تركزت أنظار جميع محطات التلفاز ووسائل الإعلام -حتى أنظار من كانوا يجوعون لدرجة عدم القدرة على المشي- على هذه الأحداث. وللحظات ، طغت نقاشات رئيس وزراء "جيفرا " وأمته على كل ما عداها. ومع دخول البرنامج في استراحةٍ قصيرة ، غادر المضيف والضيوف المسرح ، فأطلق "لينش " زفرةً خفيفة.
وبجانبه كان يجلس "آرثر " الذي دعاه "لينش " خصيصاً ليشاهد البث معه ، إذ كان لديه بعض المهام التي سينيطها به. وقبل أن يكلفه بها ، استفسر "لينش " عن حال والده ، السيد "نايل " "كيف حاله ؟ أقصد نايل ".
أجاب آرثر بنبرةٍ تشوبها الدهشة "السيد نايل بارعٌ جداً في عمله. و لقد صاغ بالفعل مقترحاً للمشروع الجديد ؛ ولا أحتاج سوى لإجراء تعديلاتٍ طفيفةٍ قبل أن يصبح جاهزاً. لا أحاول تملغي يا سيد لينش ، لكن السيد نايل يبدو على درايةٍ تامة بهذا النوع من العمل ، إنه أشبه بموهبةٍ تحسد عليها ".
موهبةٌ تحسد عليها ؟ لا ، هذا هو كفاح الرجل العادي. فلكي يعيش الإنسان البسيط حياةً كريمة ، لا بد له أن يفهم ليس فقط ما يحتاج إلى معرفته ، بل وأيضاً أشياء أخرى ربما لا ينبغي له معرفتها ؛ مثل كيفية تزييف الامتثال. إنها لمفارقةٌ ساخرة ، ففي مجتمعٍ يروج للصدق ، تُعدُّ هذه الفكرة بحد ذاتها أكبر كذبة. فلم يكن "آرثر " على درايةٍ -كما كان "نايل "- بكيفية تملص العمال من عملهم أو كيفية تحايل الموردين باستخدام مواد رديئة ، لذا بدا في نظر الغرباء وكأنه يؤدي عملاً ممتازاً.
شعر "لينش " بالرضا عن تقرير "آرثر " وشرع في الاستفسار عن تقدم المشاريع الجديدة. فالملعب ، وهو هيكلٌ بسيط نسبياً ، قد أوشك على الانتهاء ؛ فهو يتكون بشكلٍ أساسيٍ من حلقات مقاعد فولاذية جاهزة الصنع ، مما جعل تجميعها أمراً يسيراً. أما بالنسبة لمركز السلع المستعملة ، فلم يطلب "لينش " أي هياكل شاهقة ؛ فقد وجد "نايل " شركةً مرموقة لتولي المشروع ، تتمتع بالمؤهلات والخبرة في البناء ، ونجحوا في تأمين سعرٍ أقل بنحو 30% من عرض مجلس الإدارة. وبطبيعة الحال كان عرض "نايل " أيضاً أقل بنسبة 10% من أدنى عرضٍ مقدمٍ للمجلس ، مما ترك نسبة 20% المتبقية كأرباحٍ لشركة إنشاءات "نايل ". ودون أن يبذلوا أي جهد كان بوسعهم الحصول على ربحٍ بنسبة 20% من مشروعٍ ضخم ؛ فباستثناء عمولة "نايل " وراتبه كانت كل الأموال الأخرى تذهب إلى حساب الشركة ، مما يعني عودتها فعلياً إلى جيب "لينش ".
بعد مناقشة الأمور العرضية ، تفكر "لينش " للحظةٍ وقال "هذه الزيارة تمثل بداية حقبةٍ جديدة. استعد ، عد إلى مسقط رأسك ، ومهد الطريق لاستثماراتي القادمة. بحلول أواخر مارس سأكون هناك. وقبل ذلك تواصل مع السلطات المحلية ، أو الهيئات الدينية ، أو أي جهاتٍ حاكمة في المنطقة ".
كانت هذه الخطة قيد التنفيذ منذ أمدٍ بعيد ، ومع ذلك ومع اقتراب لحظة التنفيذ لم يستطع "آرثر " كبح قلقه "السيد لينش ، ألا ينبغي عليك إعادة التفكير ؟ " ثم تلعثم وكانت كلماته تتخللها وقفات وتكرارات ، علامةً على توتره "مسقط رأسي ليس أفضل مكان. أعتقد أن منطقةً أكثر... تحضراً ستكون أنسب ".
ابتسم "لينش " وهز رأسه قائلاً "أنت لا تفهم يا آرثر. للتحضر مزاياه ، لكن له عيوبه أيضاً. اختياري صائب ، ما عليك سوى فعل ما أُمِرت به. أعدك ، إذا أنجزت هذا العمل جيداً ، فإن ما ستجنيه هناك سيفوق بكثير ما يمكن أن تكسبه هنا. هل تفهم ؟ ".
لم تترك نبرة "لينش " مجالاً للشك ، ولم يجرؤ "آرثر " على الجدال أكثر من ذلك. وسرعان ما سينهي مهامه الحالية في "اتحاد بايلور " ويعود إلى مسقط رأسه الفقير والمتخلف.
في اليوم التالي ، وبدلاً من التوجه إلى مكتبه ، بحث "لينش " عن رقيب الأركان. وبموافقته كان الرقيب قد جند المزيد من الجنود المسرحين في شركة "بلاكستون للحماية ". ورغم شعورهم بعدم الارتياح في البداية ، سرعان ما تأقلم العديد من المحاربين القدامى مع البيئة الشبيهة بالمعسكرات ، واحتضنوا "عائلتهم " الجديدة سريعاً. و لقد شعروا وكأنهم في ديارهم ، يؤدون التدريبات والتمارين كما في السابق ، ثم يخلدون للراحة في إنهاكٍ تام ، متحررين من الهموم.
وعندما وصل "لينش " قابله الرقيب في ساحة التدريب. حيث كان الرقيب الآن يبدو أكثر حنكةً وهدوءاً مما كان عليه قبل شهرين ، مما دفع "لينش " إلى ملاحظة أنه يستحق رتبة "ملازم " لا "رقيب أركان ".
سأل "لينش " وهو يسير عبر الميدان ، والجنود يتجمعون لمراقبته مع كل خطوة يخطوها "لاحظت من تحويلات الأموال الأخيرة أن هناك زيادةً ملحوظةً في عدد الأفراد هنا ؟ ". أومأ "لينش " لهم محيياً ، وسامحاً لهم بين الحين والآخر باستئناف أنشطتهم. ورغم أن هذا كان يستهلك الكثير من الوقت إلا أنه منحه مذاقاً للسلطة.