Switch Mode

كود بلاكستون 238



بالنسبة للطبقة العاملة كانت نقابة العمال هي ملاذهم الأكبر.

في الواقع كان هذا القول يحمل نصيباً من الصحة ؛ فبفضل نقابات العمال ، أُجبر أصحاب رؤوس الأموال والسياسيون على صياغة العديد من السياسات والتشريعات المتعلقة برفاهية العمال ومستحقاتهم ، مما أسهم في حماية حقوقهم وضمان سبل عيشهم.

وعلى الورق كانت صورة نقابة العمال تظهر في هيئة عاملٍ بطلٍ يبتسمُ مستقبلاً أشعة الشمس.

لكن في الحقيقة كانت نقابة العمال في جانبٍ منها تحمي العمال ، وفي الجانب الآخر تشارك أصحاب رؤوس الأموال مصالحهم. فالقضايا ذائعة الصيت التي انتصرت فيها النقابات لصالح العمال لم تكن سوى مواجهاتٍ ضد شركاتٍ صغيرة ومحلية مغمورة.

أما أن تحاول الوقوف في وجه تكتلٍ تجاري ضخم ؟

فإن طول أمد التقاضي وتكليفه الباهظة كفيلٌ بأن يجعل النقابة تتنازل طواعيةً وتختار الانسحاب. لذا في مثل هذه الظروف كانوا يغيرون أدوارهم ، فيقبلون العطايا من الشركات الكبرى تحت مسمى مساعدة العمال على التزام الصمت.

كانوا «يناضلون» من أجل الحصول على مزايا متنوعة للعمال ، بينما كانوا في الواقع يوفرون المال لأصحاب رؤوس الأموال. امتلكوا العديد من السبل للقيام بذلك وجعلوا العمال يؤمنون إيماناً راسخاً بأنهم على حق ، وأنهم عادلون وأخلاقيون.

من بين العمال الذين زارهم «آرثر» ، توفي حوالي 30% منهم بسبب مضاعفاتٍ صحيةٍ مختلفةٍ تلت تلك السلسلة من الأحداث.

وما يقل عن 10% منهم ما زالون يعانون من اعتلالٍ في الصحة يجعلهم أوهن من عامة الناس ، بينما يعاني البقية من أمراضٍ مستعصية ، دون أن يمتلكوا أي وسيلةٍ للعلاج.

وعندما وقعوا على المستندات في مكاتب بعض النقابات العمالية أمام الوسطاء وممثلي الشركات ، وقبضوا أموال "تكميم الأفواه " التي ظنوا أنهم لن ينالوها لولا كرم الشركة ، فقدوا حينها حقهم في المطالبة بأي شيءٍ آخر.

وحين أنفقوا تلك الأموال واكتشفوا أنها لم تكن تكفىً لاستعادة عافيتهم كان الأوان قد فات.

وبدلاً من القول بأن هؤلاء ما زالون على قيد الحياة ، سيكون من الأدق القول إنهم في عداد الموتى.

لا أمل ، لا مستقبل ، أيامٌ تتلوها أيامٌ من العذاب ؛ فلم يعد هناك فرقٌ بينهم وبين الموتى ، سوى ذلك التشبث الغريزي بالحياة الذي يدفعهم للاستمرار.

لا أحد يلتفت إليهم ، والمجتمع يتجاهل ذكرهم. و لقد تم قمع هذه الأمور بوحشية ، لتشكل الأساس الذي يقوم عليه هذا المجتمع "المجيد " إن كان له أساسٌ أصلاً.

هل فقدوا قيمتهم ؟

في الواقع ، لا. فعندما تحتاجهم نقابة العمال أو الحكومة المحلية أو فئةٌ معينة ، فإنهم يظهرون مجدداً بطريقةٍ تثير صدمة المجتمع والعالم.

يعرضون معاناتهم ليحصدوا دموع الآخرين وتعاطفهم وقوتهم.

لكن كل هذا لا يعني لهم شيئاً ؛ ففي نهاية المطاف ، لن يجنوا الكثير ، ربما بعض التبرعات الرمزية وعلاجاتٍ لا يمكنهم تحمل تكليفها ، ثم يعودون إلى حياتهم ، ينتظرون أن يحتاجهم أحدٌ أو يتذكرهم في يومٍ ما.

مئات أو آلاف من هذه الأحداث أو ما يشابهها تشكل مجتمعنا. وتحت قشرة الرخاء لا يوجد رخاء ، بل هذه هي الحياة ، وهذا هو العالم الحقيقي.

قال آرثر بتأثر: «إنهم بائسون للغاية يا سيد لينش ، أنا...». كانت تعابير وجهه حيةً ومفعمةً بالمشاعر لأول مرة و ربما جعلته صفته كمهاجر يشعر بتعاطفٍ لا يمكن تفسيره. «أعلم أنه لا ينبغي لي قول هذا ، ولكن هل يمكننا مساعدتهم ؟».

أمسك لينش بكوب القهوة كان يستمتع برائحتها أكثر من مذاقها. وبعد رشفةٍ منها ، وضع الكوب أرضاً ، ونظر إلى آرثر بابتسامةٍ خافتةٍ حتى خفّض الأخير رأسه معتذراً عن اندفاعه.

«يا سيد لينش ، أنا آسف ، لا ينبغي لي التأثير على قراراتك».

زمّ لينش شفتيه دون أن يبدي الكثير من التعابير. لم يقبل الاعتذار ولم يرفضه ، بل طرح سؤالاً لا صلة له بما سبقه: «يا آرثر ، هل تعرف لماذا يسعى رجال الأعمال دائماً لأن يصبحوا من أصحاب رؤوس الأموال ؟».

فكر آرثر بجديةٍ لبعض الوقت ، لكنه هز رأسه في النهاية.

ابتسم لينش ابتسامةً خفيفةً وقال: «الأمر بسيطٌ للغاية. رجال الأعمال ما زالون بشراً ، يحملون مشاعر إنسانية ، وهم مقيدون بعواطفهم».

«فقط عندما يرتقون ليصبحوا من أصحاب رؤوس الأموال ، متحررين تماماً من الغرائز والدوافع البشرية ، لن يعودوا مقيدين بالعواطف الإنسانية».

توقف لينش قليلاً ثم أضاف: «لا داعي لأن تعتذر عن أفكارك. و أنا لست من أصحاب رؤوس الأموال بعد ، ولا أخطط لأكون كذلك».

«أقولها دائماً لك ولشركائي: كسب المال أمرٌ مهم ، ولكن الأهم هو تحمل المسؤولية الاجتماعية».

نظر إلى آرثر مباشرةً كانت نبرته ثابتةً وتعابير وجهه لا تتغير. و لكن في قلب آرثر المتحمس كان الأمر أشبه برؤية شمسٍ جديدةٍ ساطعة.

رفع لينش يده قليلاً وقال: «قم بالترتيبات اللازمة ، أريد مقابلة هؤلاء الناس ورؤيتهم بأم عيني. وبالمناسبة ، ادعُ بعض المراسلين أيضاً فنحن بحاجةٍ لصناعة خبرٍ مدوٍ».

رغم أن آرثر حقق هدفه إلا أنه لم يكن سعيداً كما تخيل ، بل شعر بالحيرة وسأل: «سيد لينش ، هل لي أن أحظى بفرصة معرفة سبب قيامك بهذا ؟».

فكر لينش لحظةً ثم ابتسم: «هذه هي المسؤولية يا آرثر. كلما زادت قدرتك ، زادت مسؤوليتك. و أنا إنسانٌ ولست صاحب رأس مال ، ولن أكرر ما يفعله أولئك».

ربما أثرت كلمات لينش في آرثر ؛ فقد أنجز تعليمات لينش بسرعةٍ تفوق التوقعات.

أثبت ذلك مجدداً أنه عندما يعمل البشر لتحقيق رغباتهم أو أهدافهم الخاصة ، فإنهم يبذلون جهداً وطاقةً أكبر بكثير مما يبذلونه في العمل لصالح الآخرين.

وللتحضير لهذا اللقاء ، تحدث آرثر خصيصاً مع مدير دار الرعاية الذي وافق دون تردد ، غير مبالٍ بقضية افتضاح أمرهم.

فدار الرعاية ، كمؤسسةٍ خيريةٍ أساسية ، لا يمكنها الحصول على تبرعاتٍ دون تسليط الضوء عليها ، لذا كان المدير متعاوناً للغاية.

في صباح يوم 30 ديسمبر ، وصل لينش مع مجموعةٍ من المراسلين إلى دار الرعاية تلك.

لم يكن الصحفيون يعلمون ما ينتظرهم ، لكنهم حضروا لأن لينش هو من دعاهم.

كان لينش شاباً ذا كاريزما طاغية ، وكان لماله سحرٌ خاصٌ أيضاً. ففي كل مرةٍ يحضرون فيها مؤتمراته الصحفية أو فعالياته كانوا يغادرون ومعهم بعض الهدايا الإضافية.

وعلى الرغم من أن أشياء كالأقلام والمفكرات والحبر قد تبدو تافهة إلا أن هذه التفاصيل الصغيرة قادرةٌ على كسب ولاء الناس ، ناهيك عن قسائم المنتجات من شركة "إنترستيلار تريدينج " التي تمنح سلعاً مستعملة تبدو وكأنها جديدة.

لكن اليوم ، ومنذ لحظة ترجلهم من السيارات لم تكن هناك أي ابتسامات. ما رأوه كان مثيراً للاضطراب ؛ حتى إن مراسلةً شابةً غطت فمها وأنفها وركضت خارج الدار ، وعادت بعد قليلٍ بوجهٍ شاحب.

أمامهم كان هناك أكثر من عشرين مسناً مشوهاً ، بعضهم تورمت أجسادهم كأنهم كرات ، وملامح وجوههم مدمرةٌ تماماً ، كما لو أنهم ضحايا حريق.

البعض كانت جلودهم مشققة ، تكشف عن لحمٍ متعفنٍ أو صديد ، وتفوح منهم روائح كريهة.

آخرون كانت أجزاءٌ من أجسادهم متورمةً بشكلٍ هائل ، بينما أجزاءٌ أخرى لم تكن سوى جلدٍ وعظم.

البعض الآخر...

كان المكان أشبه بالجحيم ، ورائحة التعفن المنبعثة في الهواء جعلت قلوب الجميع تخفق رعباً.

«أيها السادة ، هذا ما أرجو منكم تسجيله ونقله...» نظر لينش إلى كل مراسل وقال: «لا أحتاج منكم أن تمدحوني أو تخفوا شيئاً. حيث استخدموا أصدق لغةٍ لوصف ما ترونه وتسمعونه ، ليدرك المزيد من الناس حقيقة هؤلاء الناس وتلك الأمور».

ثم صافح لينش كل مسنٍ بلطف ، رغم أن بعضهم فقد يديه ، وأذرعهم كانت متعفنةً جزئياً ، كاشفةً عن عظامٍ بيضاء ولحمٍ ميتٍ أسود اللون.

كانت تفوح منهم رائحةٌ نتنة ، لكن لينش لم يبدُ متأثراً ، بل جلس معهم يوجه إليهم الأسئلة.

خلف كل مسنٍ مشوهٍ لم تكن هناك مأساة فردٍ واحد ، بل مأساة مجموعةٍ كاملة. فمعظمهم ضحايا لحوادث إنتاجية متنوعة.

تسرب مواد سامة ، تعرض للإشعاع ، أعطالٌ في الآلات... كل حادثةٍ لم تكن تُصيب شخصاً واحداً فقط.

هل هي معاناةٌ لا تُوصف ؟

هل هي مروعة ؟

لا ، هذا لا يكفي.

مع نهاية الزيارة لهؤلاء المسنين ، تحدث لينش للصحفيين عن أمورٍ لم تكن معلومةً لهم ولا للمجتمع.

«في الواقع ، هناك الكثير ممن يجرعون هذه المعاناة ، لكنهم على الأقل ما زالوا على قيد الحياة ، لديهم فرصةٌ لرؤية نور الحياة. و لكن بعضهم قضى نحبه ، تاركاً العالم في أحلك لحظاته...».

وفي وصف لينش ، أصبحت مجموعة «ليستون» بمثابة المتحدث الرسمي باسم الشيطان ؛ فعلى الأقل عشرة عمالٍ مصابين بجروحٍ بليغةٍ دفعوا نحو الموت على أسرة المستشفيات لأن الشركة رفضت دفع تكاليف العلاج.

والسبب وراء ذلك هو أن تكاليف العلاج كانت تفوق بكثير معايير التعويض الفيدرالية عن الوفاة.

لقد منعوا أولئك العمال من تلقي العلاج ، بل ورفعوا ضدهم دعاوى قضائية لتدمير عائلاتهم و كل ذلك لتعجيل وفاتهم ودفع تعويضٍ ضئيلٍ للشركة.

ومن أجل توفير النفقات حتى الشياطين لم تكن بهذه الاحترافية ، وهذه الأمور تحدث فيما يُعتبر الحقبة الأكثر مجداً في اتحاد بايلور.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط