Switch Mode

كود بلاكستون 97



الفصل السابع والتسعون:

في صباح اليوم التالي ، أضحت النقاشات حول مزاد السلع المستعملة الذي أقيم يوم السبت محور اهتمام الرأي العام.

ورغم الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة لم يتراجع مستوى الاستهلاك ، بل لم يكن بوسعه أن يتراجع ؛ مما جعل احتياجات الكثير من الأسر حبيسة خطط قد لا تُنفذ أبداً.

في واقع الأمر ، وحتى في الماضي كان في مدينة "سابين " وفي كافة أرجاء الاتحاد ، أماكن مخصصة لتجارة السلع المستعملة. ففي بعض الأزقة الواقعة في المناطق محدودة الدخل كان الناس يتخلصون من بضائع مسروقة من أماكن أخرى بأثمان بخسة ، وكانت الملابس أكثر تلك السلع شيوعاً.

أما متاجر التحف ، فكانت غالباً تقبل السلع المستعملة الأحدث نسبياً ، وإلى جانبها وجدت متاجر صغيرة متخصصة في إعادة تدوير الأجهزة المستعملة ، فضلاً عن محلات الرهن الحقيقية.

بيد أن محلات الرهن في "اتحاد بايلور " لا تُقارن بنظيراتها في عالم آخر ؛ إذ كانت في الاتحاد تتعامل فقط مع السلع الفاخرة ، ولا تولي أدنى اهتمام للصفقات الزهيدة التي لا تساوي سوى بضعة دولارات.

لذا ظلت صناعة تجارة السلع المستعملة برمتها في مرحلة أشبه بالركود ، ولم يدرك الكثيرون بعدُ ما تنطوي عليه من ثروات كامنة ، وهو ما منح "لين تشي " فرصة ذهبية لجني الأرباح.

لقد كان مزاد السلع المستعملة واسع النطاق الذي نظمه "لين تشي " يوم أمس حدثاً غير مسبوق في تاريخ الاتحاد ، فاستحوذ فوراً على اهتمام العامة.

تمحور ما جذب أنظار الجميع حول شقين رئيسيين: الأول هو رغبة الجميع في التأكد مما إذا كان مزاد "لين تشي " يضم حقاً كل شيء ، بتنوعه الكبير وأسعاره الزهيدة كما روجت الصحف. أما الثاني ، فكان حجم التداولات الذي بلغ يوم أمس نصف مليون تقريباً!

هذا المبلغ سيخضع للضريبة ، ولم تكن لدى "لين تشي " أي نية لإخفائه ؛ بل قدم بسخاءٍ المعلومات الحقيقية للصحف ، بما في ذلك سلطات الضرائب ، مما أحدث صدمة في مدينة "سابين " بأكملها.

وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي المتردي ، أثار تحقيق نصف مليون في تداولاتِ عصرٍ واحدٍ تساؤلاتٍ عن طبيعة ما باعوه وحجمه وأسعاره.

وبغض النظر عن النقاشات والتكهنات الخارجية ، ظلت حقيقة واحدة راسخة ؛ فقد أصبحت شركة "لين تشي " للتجارة بين النجوم ، وهذا المزاد ، ذائعي الصيت فجأة ، مما سلط الضوء أيضاً على عمدة المدينة.

حتى مأدبة الغداء التي كانت مقررة أصلاً بعد غدٍ ، عجل بها العمدة لتصبح ظهر يوم الأحد.

كان العمدة يخطط لقضاء عطلة نهاية أسبوع سعيدة مع عائلته ، لكن مفاجأه "لين تشي " اضطرته لتخصيص بعض الوقت ظهراً للتعامل مع هذه المستجدات.

أقيمت مأدبة الغداء في مكانٍ سري ، وهي سمة شائعة تمتد من المناطق الريفية إلى قلب الاتحاد ، حيث توفر هذه الأماكن أجواء ملائمة للأفراد لإجراء مناقشات سرية في أي وقت ومكان.

كان غداءً بسيطاً ، وصل "لين تشي " قبل الموعد بعشر دقائق إلى الموقع المتفق عليه ، ولحقه العمدة بعد فترة وجيزة.

كان العمدة في أربعينيات عمره ، بشعرٍ بدأ يشوبه الشيب ، وبدا عليه شيء من الإرهاق. حيث كان بدين القوام ، لا يُوصف بالسمنة المفرطة ، لكنه أكثر امتلاءً من القوام المعتاد. يبلغ طوله حوالي خمس أقدام وسبع بوصات ، وهو طول لا يُعتبر قصيراً في هذا العصر.

كان يبعث في النفس انطباعاً بالصرامة ، لكنه بدا في الوقت ذاته هيناً ليناً. وبعد أن قدمهما "فيرال " لبعضهما ، تبادلا عبارات المجاملة ، معلنين رسمياً عن تعارفهما.

بادر "فيرال " بتوجيه الطاهي لإعداد الطعام لهما ، مانحاً إياهما المساحة التي يحتاجانها بذكاء.

أخرج العمدة من جيبه جراباً قماشياً يحوي غليوناً جميلاً ذي نقوش خشبية ذهبية ، مما أضفى عليه طابعاً من الفخامة.

سأل العمدة "هل تمانع في التدخين ؟ ". ولم ينتظر حتى رأى "لين تشي " يهز رأسه بالنفي حتى حشا الغليون بالتبغ وأخذ يرشف منه بضع رشفات بعد إشعاله ، وبدا عليه الاسترخاء بوضوح.

ضحك وقال "أنا أحب هذا ، رغم أن البعض يقولون إنه غير صحي ". ثم تحول الحوار سريعاً من الغليون إلى أحداث الأمس "كانت خطتي اليوم هي البقاء مع أطفالي ، لكن عندما رأيت الأخبار هذا الصباح ، صُدمت حقاً ".

أضاف العمدة مشيداً دون تحفظ "نصف مليون في التداولات ؛ ربما صنعتَ التاريخ ". فبعد ظهور الأخبار ، اجتمع مساعدوه أيضاً في مكتبه لمناقشة المزاد.

في نظرهم كان مبلغ نصف مليون يعادل تقريباً تلبية الاحتياجات الجسديه لما لا يقل عن مليون "ثور " من الطبقات الدنيا. (الثور هو وحدة العملة الفيدرالية ، ومصادفةً كان "ثور " أيضاً اسم الشخص الذي أسس الاتحاد وشغل منصب أول رئيس له).

لقد مجده الناس كبطل ، ولتخليد ذكراه ، تقرر بعد نقاشات على مستوى البلاد وضع صورته على الأوراق النقدية.

أصبح الناس يطلقون على المال اسم "ثور " لكن هذا كان مسمىً رسمياً أكثر ؛ ففي الحياة اليومية ، لن يقول أحدٌ بتكلف "واحد ثور فيدرالي " بل يكتفون بقول "دولار واحد ".

مليون "ثور " فيدرالي ، قد لا يبدو رقماً غريباً عند توزيعه بالتساوي ، لكن عند النظر إلى تلبية المزاد لاحتياجات عشرة آلاف أسرة في "سابين " لفترة قصيرة ، تحول الأمر إلى إحصائية تستحق الوقوف عندها.

ومن خلال المعالجة الإضافية والتوجيهات السياسية ، يمكن القول إن تجارة السلع المستعملة التي تبنتها البلدية والعمدة المبجل ، قد لبت إلى حد كبير تطلعات الطبقات الكادحة في "سابين " نحو حياة أفضل ، ونجحت في تخفيف حدة الصراعات الاجتماعية المحتملة ، وهو إنجاز جدير بالذكر بلا شك!

لم يتوقع هو ومساعدوه أن ينجح "لين تشي " بهذا القدر ؛ فقد فاق الأمر توقعات الجميع. قد تتأجل أمور أخرى ، لكن ما يتعلق بمصالحه الشخصية لا يمكن تأجيله.

أظهر "لين تشي " تواضعاً قائلاً "أدين بإنجازاتي لبيئة السوق المفتوحة في مدينة سابين ، وللسياسات المحلية الداعمة والمرحبة بالمبادرات الجديدة. وبشكل خاص كانت مساعدتكم حاسمة في هذا الصدد ".

لقد بالغ في إطراء العمدة دون خجل ، مما جعل ابتسامة أكثر اتساعاً ترتسم على وجهه. حيث كان العمدة قد قابل الكثير من رجال الأعمال الانتهازيين من قبل ، لكن مقابلة شخص مثل "لين تشي " يستطيع الحديث بطريقة تجعله يشعر بأنه رائد أعمال استثنائي حقاً كانت سابقة بالنسبة له. وفجأة ، وجد في "لين تشي " شخصية مثيرة للاهتمام ، أو على الأقل شخصاً يعرف كيف ينتقي كلماته جيداً.

كان هذا أيضاً السبب الرئيسي في تقديم موعد اللقاء ؛ فقد أراد العمدة تقديم "لين تشي " ومشروعه كإنجاز مدفوع من الإدارة المحلية. ومثل هذا التصوير سيستدعي حتماً تدقيقاً من أطراف شتى ، لذا كان الحفاظ على اتساق التصريحات بينه وبين "لين تشي " أمراً حيوياً ؛ لضمان استفادة الطرفين ومنع ظهور فضائح أو متاعب.

اعتقد في البداية أن "لين تشي " كونه شاباً ، قد لا يكون سهل الحديث ؛ فغالباً ما يظن الشباب أن العالم سيتوقف عن الدوران بدونهم. ولكن على غير العادة ، وعلى عكس صبي عادي من أسرة عادية ، أظهر "لين تشي " فهماً مذهلاً ، مما أدهش العمدة.

وبالرغم من أن التحول من مراقب إلى قائد كان فكرة العمدة الأولى إلا أن سلاسة الأمر جعلته يشعر بشيء من الذنب ؛ وإن كان ذنباً ضئيلاً لا يكاد يُذكر.

أشار العمدة بغليونه قائلاً "سمعت أنك تخطط لتوسيع عملك ليشمل الولاية بأكملها ؟ ".

أومأ "لين تشي " بهدوء "استلهاماً من كاريزما العمدة المبجل ، أعتقد أنه يجب علينا تجاوز القيود الجغرافية ، وتحمل المزيد من المسؤوليات الاجتماعية. فطالما أن الأمر يحمل معنىً نبيلاً وخيراً ، يجب أن نسعى جاهدين لتحقيقه ".

"لن أكتفي ببيع السلع المستعملة فحسب ، بل أخطط لإعادة تدوير السلع المستخدمة على نطاق واسع في جميع أنحاء الولاية. فالعناصر التي يهجرها الناس لعدم فعاليتها حالياً أو فقدان قيمتها ، يمكن إعادة ضخها في التداول عبر قنوات متخصصة. ما قد يكون عديم الفائدة بالنسبة لي مؤقتاً ، قد يلعب دوراً محورياً في حياة شخص آخر. ومن خلال قنوات تجارية متفانية ، يمكننا تلبية الاحتياجات الجسديه للطبقات الدنيا دون زيادة أعبائهم الاقتصادية ".

"حتى في أوقات الضائقة المالية و يمكنهم بيع السلع المستعملة لتخفيف الضغط الكبير عن ميزانياتهم الأسرية. و هذا سيحسن الظروف المالية والمعيشية لملايين العائلات في السنوات القليلة المقبلة. و أنا أؤمن بذلك بشدة! ".

ومع استرسال "لين تشي " في عرض أفكاره ، استمر العمدة في الإيماء. حيث كانت هناك أفكار أخرى تدور في ذهنه ، لكن كلمات "لين تشي " كانت ملهمة أيضاً. وإذا تمكن "لين تشي " من إنجاز كل ما قاله ، فلا شك أنه سيشكل إنجازاً سياسياً ساطعاً خلال فترة ولاية العمدة.

وبعد اكتساب المزيد من الفهم ، أصبحت ابتسامة العمدة أكثر ودية "أفكارك ممتازة. و عندما كنت أتحدث مع الحاكم سابقاً ، ذكر هو أيضاً الأفكار المثيرة للاهتمام التي يتمتع بها شباب اليوم. و إذا أتيحت الفرصة ، سأعرفك عليه ".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط