الفصل السابع والثمانون:
كان في كل مدينة بعض الأعمال الخاصة التي لا تدر أرباحاً طائلة ، ولم تكن الحكومة البلدية ترغب في إدارتها بنفسها. شملت هذه المهام خدماتٍ مثل تنظيف المدينة ، وشركات الخدمات الإقليمية ، ومؤسسات الرعاية العامة. و في السابق كانت هذه المهام تدار من قبل "مكتب الخدمات الاجتماعية " ولكن لأسبابٍ شتى ، تقرر في نهاية المطاف إسنادها إلى شركات ومؤسسات متخصصة بموجب عقود.
وعلى غرار نظام النقل العام في مدينة "سابين " كان هذا القطاع أيضاً واحداً من الخدمات العامة التي نُقلت من "مكتب الخدمات الاجتماعية ". ولأن هذه الأنشطة — كعمليات تنظيف المدينة ، ومحطات التخلص من النفايات ، ودور الرعاية المختلفة — لم تكن تدر ربحاً وفيراً ، فلم يكن بوسعها الاعتماد حصراً على ما يجنيه عمال النظافة لتحقيق ثروة حقيقية. لذا عمدت الحكومة البلدية إلى تقديم بعض الإعانات المالية والحوافز السياساتية.
فعلى سبيل المثال ، مُنحت إعفاءات معينة في مجال الضرائب لتشجيع الشركات الكبرى على تحمل مسؤولية اجتماعية أكبر. ومع ذلك هل كانت شركات الخدمات العامة غير الربحية وحدها هي التي تتلقى الإعانات ؟ ليس بالضرورة ؛ فشركات النقل داخل المدينة كانت معروفة بكونها مربحة ، وكان تحديد استحقاق الشركة للإعانة يعتمد كلياً على قيمتها وثقلها السياسي.
وعند الضرورة كان قادة مدينة "سابين " يبادرون إلى عقد مناقشات وإجراء جلسات استماع لجمع آراء خبراء القطاع والعامة ، وما إن يتفق الجميع ، تُصرف الإعانات. حيث كان الخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه هو ألا يشعر العامة بأن مثل هذه الإجراءات لا طائل منها. ومن الناحية الإعلامية كانت الحكومة الفيدرالية تروج لنفسها كحكومة كفؤة وشفافة ، تلتزم دائماً بعدم هدر أموال دافعي الضرائب.
ورغم أن المواطنين قد يفتقرون إلى المعرفة في بعض الأمور إلا أنهم كانوا يدركون جيداً كيف يؤكدون هويتهم كدافعي ضرائب ، وكيف يثيرون الضجيج حول ذلك.
غير أن مزاد "لين تشي " لتجارة السلع المستعملة... لم يكن يبدو كمسعىً للرعاية العامة ؛ ففي أقصى تقدير كانت تربطه صلةٌ ما بالخدمات الاجتماعية.
هذا الأمر ألقى بظلالٍ من التعقيد على وجه "فيرال ". فمن ناحية ، شعر بأن "لين تشي " ليس خصماً يسهل التعامل معه ، ومن ناحية أخرى ، انتابه شعور بالسخرية ، مدركاً أنه بات أشبه بالأحمق بعد أن دأب على التقليل من شأن الآخرين.
وبمجرد أن يظفر "لين تشي " بالإعانة ، فإن الراتب الذي سيدفعه له قد لا يساوي حتى جزءاً بسيطاً منها. ورغم أن تلك الأموال لم تكن تخص "فيرال " بشكل مباشر إلا أنه شعر بخسارة.
صمت "فيرال " متظاهراً بالجهل ، لكن "لين تشي " بدأ برفع سقف الرهان "السيد مستشار ، قد لا تدرك هذا ، ولكن بحلول نهاية هذا العام ، سأقوم بتوسيع شركة (إنترستيلار للتجارة) في جميع أرجاء الولاية ، مع اتخاذ مدينة (سابين) مقراً رئيسياً لها ".
"في ذلك الوقت ، سأؤسس أيضاً منطقة مستودعات جديدة كلياً وشركة نقل مخصصة لتعزيز اقتصاد الولاية من خلال سوق السلع المستعملة ".
"وبحلول ذلك الحين ، ستغطي صفقات السلع المستعملة لشركة (إنترستيلار) الولاية بأكملها ، بل وستمتد إلى ما وراء حدودها. وأعتقد أن هذا سيكون له أثرٌ كبير وسيوفر للسيد العمدة إنجازاً سياسياً لافتاً ".
"سيتمكن الناس من تلبية سعيهم نحو حياة كريمة بمبالغ أقل ، مع تقليل الكثير من المشكلات الاجتماعية التي طفت على السطح. فغالباً ما يلجأ الناس إلى الجريمة بسبب الفقر ، والآن صار هناك طريق قانوني لكسب المال. طالما أن الحكومة الفيدرالية وحكومة الولاية قادرتان على إيجاد سبل لإنعاش الاقتصاد في وقت قصير ، فقد يصبح خروجنا من الأزمات أيسر ، وربما نصبح محط أنظار الأمة ".
"وأعدك شخصياً بأنه بحلول العام القادم ، سيتجاوز عدد الموظفين في شركتي خمسمئة موظف ".
وبينما كان "لين تشي " يتحدث ، أخرج دفتر شيكات وقلماً. وعندما كاد رأس القلم يلامس الشيك ، رفع رأسه وسأل سؤالاً لا صلة له بما سبقه "ما هو الحد الأقصى لتبرع الفرد في هذه الولاية ؟ ".
من أجل كبح جماح الرأسماليين عن الانخراط في التبرعات السياسية والمعاملات غير الأخلاقية مع السياسيين ، وضعت الحكومة الفيدرالية قانوناً للحد الأقصى للتبرع ؛ إذ حددت لكل شخص سقفاً سنوياً للتبرع ، مما يحد فعلياً من زخم الرأسماليين الساعين للحصول على تأييد سياسي. ومع ذلك جعل هذا الأمر الأمور أكثر تعقيداً ، ولم يكن فعالاً في الواقع.
فمعظم الشركات كانت تتبرع بشكل جماعي للسياسيين الموالين لها ، بما في ذلك الموظفون بدوام جزئي الذين قد لا يتقاضون سوى مئة دولار شهرياً ؛ فكانوا يتبرعون أيضاً حتى يصلوا إلى الحد الأقصى لدعم حزبهم. حيث كان الجميع يعرف لماذا يتم ذلك ويدرك الأسباب الكامنة وراءه.
ولتعزيز إدارة المعلومات ، عُدّل القانون لاحقاً ليفرض تسجيل اسم كل متبرع والمبلغ الذي قدمه. ومع ذلك لم يمنع هذا من نقل المصالح ، إذ كان يمكن اخذ مبالغ التبرعات التي تتجاوز الحد المسموح به. ظل الناس يتبرعون بحماس ، بل وكانوا يشعرون أن الحد المسموح به منخفض للغاية.
أدرك "فيرال " الأمر على الفور فعدّل من جلسته وقال بصوت خافت "حد الولاية هو مئة وخمسون دولاراً نقداً... ".
لم يقل "لين تشي " شيئاً ، بل كتب مبلغاً على دفتر الشيكات فوراً ، ومزق الشيك ودفعه باتجاه "فيرال ".
لقد كان شيك تحويل جديداً كلياً ، وجعل المبلغ المكتوب عليه — خمسة وسبعون ألف دولار — أنفاس "فيرال " تتسارع.
نظر "فيرال " إلى الشيك ، ثم إلى "لين تشي ". وضع "لين تشي " القلم جانباً ، مرتسماً على وجهه ابتسامةٌ زاهية كأشعة الشمس "أعتقد أنه منذ أن تولى السيد العمدة زمام الأمور في مدينة (سابين) ، حققت مدينتنا تقدماً ملموساً. و أنا أدعم بشدة الأجندة السياسية وفلسفة الحوكمة التي يتبناها السيد العمدة ".
توقف للحظة قبل أن يتابع "بالمناسبة ، إلى أي حزب ينتمي السيد العمدة ؟ ".
كاد "فيرال " يغادر المكان مغطياً وجهه خجلاً ، ثم رفع يده ومسح على حاجبيه وقال على مضض "حزب التقدم الفيدرالي... ".
"أجل! حزب التقدم الفيدرالي! " أشار "لين تشي " إلى "فيرال " قائلاً "حزب التقدم الفيدرالي ، حزب عظيم. و أنا أعرفهم وأقدر أداءهم. و هذا تبرعي للسيد العمدة ولحزب التقدم الفيدرالي. و هذا ليس مخالفاً للقانون ، أليس كذلك ؟ ".
ابتسم "فيرال " بتكلف وهز رأسه ؛ فالأمر لم يكن مخالفاً للقانون ، ولم يتجاوز الحد المسموح ، لذا لا توجد انتهاكات. "لكن يا سيدي ، ستحتاج إلى قائمة ، فهذه الأسماء يجب أن تُسجل مع التبرع ".
تناول "لين تشي " دليل الهاتف من زاوية الطاولة ببساطة وألقى به عليها مرة أخرى. ونظر إلى "فيرال " وقال بنبرة آمرة "هنا أكثر من خمسمئة اسم ".
تلاقت نظراتهما للحظة ، فتنهد "فيرال " وأومأ برأسه ، فقد فهم ما يرمي إليه "لين تشي ".
بالطبع ، لن يكون هو من يقوم بكل هذا ؛ فمكتبهم يضم شباباً مخصصين للتعامل مع هذه المهام القذرة والشاقة. وهؤلاء الأفراد يعرفون كيف يستخرجون خمسمئة اسم من دليل الهاتف ليجعلوا التبرع يبدو متكاملاً.
وبعد أن التقط "فيرال " الشيك ووضعه في جيبه ، استفسر "لين تشي " مجدداً "متى يمكنني توقع الحصول على إعانتي ؟ ".
فكر "فيرال " للحظة وقال "علينا دراسة الأمر ، وستكون هناك خمس جلسات استماع على الأقل. و إذا تمت الموافقة ، ستدعمك الحكومة البلدية بالأموال أو المساعدة السياساتية ، مثل الإعفاءات الضريبية ".
رفع "لين تشي " حاجبه قائلاً "ظننت أن الإعفاءات الضريبية مخصصة للشركات الصغيرة فقط ".
بالمقارنة مع الإعانات كانت الإعفاءات الضريبية تجلب فوائد أكثر واقعية ، لكنها ليست مطلقة. فبالنسبة لشركة لا تكسب سوى مليون واحد سنوياً ، فإن إعانة إضافية قدرها خمسمئة ألف من الحكومة الفيدرالية ستتجاوز فوائد الإعفاء الضريبي. فالحد الأقصى للإعفاء الضريبي لا يمكن أن يعفي أكثر من ثلاثين بالمئة من الضرائب المختلفة ، وهو ما يعادل حوالي ثلاثمئة ألف. أما الإعانة التي تبلغ خمسمئة ألف ، فستسمح لهم بتحقيق ربح حتى بعد دفع الضرائب.
ولكن بالنسبة لشخص مثل "لين تشي " الطموح والواثق من تحقيق طموحاته كانت الإعفاءات الضريبية أكثر قيمة من الإعانات ؛ فقد كان واثقاً من أنه في غضون عامين أو ثلاثة ، سيتمكن من تحقيق صافي ربح بالملايين ، أو عشرات الملايين ، أو أكثر من ذلك.
أومأ برأسه راضياً ، وسأل عرضاً وكأن الأمر لا يعنيه "لن يضع أحد عقبات في طريقي ، أليس كذلك ؟ ".
حملت هذه العبارة تلميحاً بالتحذير. هز "فيرال " رأسه وقال "لا ينبغي أن يحدث ذلك ".
"جيد! " قال "لين تشي " ووقف ، مما دفع "فيرال " للوقوف أيضاً. حيث مد يده وصافح "فيرال " مبتسماً "أرجو أن تبلغ السيد العمدة أنني أكنّ له إعجاباً شديداً ، وآمل أن نتناول العشاء معاً في وقت ما ".