الفصل الحادي والعشرون: شجرة السنط والمثقف
تحوّل بصر "شين باي " إلى مكانٍ ليس ببعيد. ففي طاولة مجاورة كان رجل نحيل البنية يهمُّ بالجلوس. حيث كان الرجل يرتدي رداءً أبيض ، وتتدلى من خصره مروحة مطوية ، واضعاً بذلك صورةً تجسد الأديب الأريب. و في دولة "شوه " العظيمة ، ورغم الاضطرابات الراهنة ، لا تزال الدولة قادرة على بسط سيطرتها ولو بصعوبة ؛ فكما يُقال "الجمل وإن هزل ، يبقى أكبر من الحصان ".
تُعقد الاختبارات كل عام ، لذا كان وجود المثقفين أمراً مألوفاً بطبيعة الحال. توجد أكاديمية في هذا القضاء بالذات ، حيث يدرس الكثير من الطامحين لنيل المراتب العلمية والتشريفات الرسمية. استطاع "شين باي " أن يتبين بلمحة عين أن هذا الرجل هو أحد مثقفي مقاطعة "شينغ يون ".
بيد أن هيئة ذلك المثقف لم تكن طبيعية ؛ فقد كانت عيناه محاطتين بهالات سوداء داكنة ، ورغم أن شعره كان مربوطاً إلا أنه بدا جافاً وذابلاً ككومة من الأعشاب الضارة. والأكثر لفتاً للانتباه أن الشاب كان يقبض في يده على قطعة من الخشب ؛ قطعةٌ سميكة كذراع إنسان وطولها يضاهي المسطرة ، ومع ذلك كان المثقف يمسكها بقوة ، وكأنها كنزٌ لا يقدر بثمن.
لاحظ نادل المطعم المثقف المرتدي للأبيض ، فاقترب منه بابتسامة قائلاً "ماذا تود أن تأكل يا سيدي ؟ ".
ألقى المثقف نظرة خاطفة من حوله قبل أن يطلب بعض الأطباق. تجعدت حاجبا النادل ، لكنه لم ينبس ببنت شفة ، واستدار مسرعاً للمغادرة.
*«فخذ خنزير مطهو ، ولحم بقري مطهو بصلصة الصويا ، وشراب قوي... أيأكل مثقفٌ هذا النوع من الطعام ؟»*
داعب "شين باي " ذقنه ، وشعر بأن ثمة خطب ما. حيث كان يعرف شيئاً عن مثقفي مقاطعة "شينغ يون " ؛ فكثيراً ما يقصده المعوزون منهم إلى متجر الرهن الخاص به لرهن مقتنيات عائلاتهم و كل ذلك أملاً في فرصة لاجتياز الاختبارات. و في نظر "شين باي " أن تكون ذا طموح فهذا أمر محمود ، لكن أن تُفلس عائلتك من أجل أحلام واهية فليس ذلك إلا حماقة. ومن خلال هؤلاء المثقفين المعوزين ، علم "شين باي " أن هؤلاء الأدباء عادة ما يقدرون الأناقة ، وحتى وجباتهم تكون بسيطة وزهيدة. و لكن هذا الرجل طلب لحوماً دسمة ثقيلة وشراباً قوياً ، مما جعل "شين باي " يوقن بأن هناك خللاً ما.
بالطبع كان مجرد فضول ، فالأمر لا يعنيه ، ولم تكن لديه أدنى نية للتدخل.
بعد أن أكل قليلاً ، استدعى المثقف النادل ليحزم له ما تبقى من الطعام. حيث كان هذا المشهد أغرب ؛ فقد أخذ المثقف قضمة أو قضمتين من الطعام الموجود على الطاولة ، وبالكاد ارتشف من الشراب ، ومن الواضح أنه لم يستمتع بالوجبة.
*«لماذا طلبها إذن ؟»* ، زاد فضول "شين باي ".
في تلك الأثناء ، انتهى النادل من حزم الطعام ، وكان "شين باي " قد أنهى وجبته هو الآخر تقريباً ، فدفع حسابه مستعداً للعودة إلى متجر الرهن. أخرج المثقف بعض المال من صُرّته الذابلة التي فرغت فوراً ، لكنه دفع دون تردد ، ثم حمل الطعام المحزم وغادر مقعده.
تثاءب "شين باي " فقد نوى المرور بصيدلية الأعشاب ليحصل على المزيد من "دواء طاقة الدم " ويسأل الطبيب إن كان لديهم شيء أقوى ؛ فدواء طاقة الدم الحالي لم يعد كافياً لمدّه بالقوة المطلوبة. ولكن بينما كان يهم بالمغادرة ، وقع بصره لا إرادياً على ظهر المثقف ، فتقطب حاجبه. و من هذه الزاوية كان غصن شجرة يبرز من كتف المثقف ، وقد علّق عليه كل الطعام المحزم.
رأى "شين باي " أثراً لطاقة خبيثة باردة تسري على طول الغصن قبل أن تتسرب إلى الطعام.
*«هذه الطاقة مألوفة جداً... أين صادفتها من قبل ؟»*
راقب "شين باي " الشخصية المبتعدة ، وداعب ذقنه مستغرقاً في التفكير ، فمرت بذهنه بضع صور. وبعد لحظة تذكر أخيراً أين واجهها.
تلك الطاقة المخيفة.
*«باردة وشريرة للغاية ، مع لمحة من الرعب... إنها تطابق تماماً طاقة كيان شرير.»*
والآن ، بعد أن صار لدى "شين باي " طاقة في جسده ، أصبح أكثر حساسية لمثل هذه الأمور. وبعد لحظة من التفكير ، بدأ يتبع المثقف بصمت.
إن كان الشخص بشراً ، فيمكن للمرء تمييز الخير من الشر فيه ، أما إن كان كياناً شريراً ، فلا يوجد سوى الشر. و هذه الكائنات تحمل بغضاً وكراهية لا تنتهي للأحياء ، ولا ضير في استلال السيف وقطع دابرها بمجرد رؤيتها. فلم يكن "شين باي " يعلم لماذا تورط هذا المثقف مع كيان شرير ، لكنه كان في حاجة ماسة إلى "الطاقة الشريرة " التي توفرها ؛ فكلا "الكتاب المقدس القديم " وجسد "اليشم المضيء " يحتاجان إلى الطاقة الشريرة كمكمل لهما.
«...»
تتبع "شين باي " خطاه عبر الشوارع المزدحمة ، ثم تحولت الشوارع من الصخب إلى السكون ، ولم يمر وقت طويل حتى وصلا إلى زقاق منعزل. حيث كان المثقف حذراً للغاية ، يلتفت خلفه من حين لآخر. ولحسن الحظ كان "شين باي " ممارساً لفنون القتال ، فلم يشكل هذا أي صعوبة عليه ؛ إذ تفادى بسهولة نظرات المثقف.
بعد قليل ، دخل المثقف إلى الزقاق ، حيث كانت توجد ساحة صغيرة متهالكة. دخل المثقف مباشرة ، وفتح الباب الخشبي العتيق واختفى خلفه. و نظر "شين باي " إلى الجدران الترابية المنخفضة حوله ، وفكر للحظة ، ثم قفز مستخدماً الجدار ليخفي نفسه وهو يتطلع إلى داخل الساحة. فلم يكن يلام على التدخل ؛ فقد كان بحاجة ماسة للطاقة الشريرة.
كانت الساحة بسيطة التخطيط ، مع مسار ترابي يشير إلى أن صاحبها لا يملك الكثير من المال. ولكن في زاوية من الساحة ، نمت شجرة سنط شاهقة. وما إن صار فوق الجدار حتى رأى "شين باي " المثقف يضع الغصن عند قاعدة شجرة السنط. وبنظره إلى الغصن والشجرة ، فهم أخيراً من أين أتى الغصن.
*«إذن هو غصن من شجرة السنط. ما الذي يخطط له هذا الرجل ؟»*
لم يتحرك "شين باي " بل استمر في المراقبة. و بعد وضع الغصن ، أخرج المثقف الطعام من العبوات ووضعه عند قاعدة الشجرة. وما إن انتهى من كل ذلك حتى جثا المثقف أمام الشجرة غير آبه بالتراب ، وبدأ في السجود.
"سيدتى ، أتوسل إليكِ ، ساعديني أرجوكِ. امنحيني تلك الذاكرة الفوتوغرافية مجدداً ".
سجد المثقف مراراً وتكراراً ، متمتماً بكلمات غير مفهومة. وبعد أن سجد بصوت عالٍ عدة مرات ، تكشفت أمامه مشاهد مرعبة ؛ فقد بدأت شجرة السنط تهتز قليلاً رغم عدم وجود ريح في الهواء. ومع اهتزاز أغصان الشجرة ، أطلق الغصن الموجود على الأرض مجدداً تياراً من الطاقة الباردة الشريرة.
بمجرد ظهور هذا التيار ، انخفضت درجة الحرارة في الساحة بأكملها بشكل ملحوظ ، فضم المثقف ذراعيه لا إرادياً وهو يرتجف. ذبل الطعام الموضوع على الأرض سريعاً وتعفن ، وتحول إلى كومة من الرماد في طرفة عين. وفي تلك اللحظة ذاتها ، ازدادت الهالات السوداء تحت عيني المثقف قتامة. و لكنه لم يلحظ ذلك بل قفز فرحاً وبدأ يرقص.
"لقد عادت لي ذاكرتي الفوتوغرافية! سأجتاز الاختبارات حتماً وأنال اللقب هذه المرة! "
صاح المثقف وهو يرقص ، كما لو أنه حصل على أغلى شيء في العالم. وبينما كان يصرخ ، انطلق غصن فجأة ، وبسرعة البرق ، التفت حول عنقه. خُنق المثقف المسرور ، وتدلى لسانه وبدأ يكافح بيأس ، بينما بدأت عيناه المحاطتان بالسواد تبرزان من محجريهما ، وازدادت الطاقة الشريرة كثافة.