الفصل السادس عشر: جسدٌ مُخاط ، ووحشٌ مروع
تحت الكهف امتدت مساحة شاسعة لا تكاد تُرى أطرافها. وبفضل ضياء "لؤلؤة مُضيئة " بانت بقايا عظامٍ محطمة مبعثرة في كل مكان. حيث كان بعضها قد اصفرّ وجفّ ، وكسته شقوق الزمن. وبالنظر إليها عن كثب ، يدرك المرء أنه لا يوجد بين تلك البقايا هيكلٌ عظمي واحدٌ مكتمل ؛ فقد كانت الأطراف والجماجم مفصولة عن الأجساد ، وبعضها لم يكن سوى جذوعٍ مكدسة بغير نظام.
وأحاط بتلك البقايا العظمية حلقةٌ من أشخاص يرتدون أثواباً سوداء ، جالسين متربعين على الأرض في هيئة دائرية. وفي قلب تلك الحلقة انتصب تابوتٌ هائل ، قُيد بطبقاتٍ متراكمة من السلاسل المثبتة أطرافها في الجدران ، مما جعله معلقاً في الهواء. حيث كان التابوت الذي يتجاوز طوله ثلاثة أمتار ذا شكلٍ مريب يبعث الرعب في النفس.
كان ذوو الأثواب السوداء يحنون رؤوسهم ويتمتمون بكلمات غير مفهومة. لم يستطع "شين باي " استيعاب تلك تمتمات ، لكن ذلك لم يمنعه من تأمل المشهد: هياكل عظمية تملأ الأرض ، متمتمون موحشون ، تابوت ضخم معلق بالسقف ، وسلاسل تهتز وترتجف. و شعر "شين باي " فجأة أن هذا يختلف تماماً عن "العالم الغامض " الذي كان يتخيله ، وحدث نفسه: «هذا عالمٌ يزخر بكل ما هو عجيب ومريب».
حين ولج "شين باي " و "تشنج شوانغ " إلى الكهف ، بدا أصحاب الأثواب السوداء غافلين تماماً ، إذ ظلت رؤوسهم منحنية وهم يواصلون تمتماتهم غير المفهومة. وفي الأعالي ، اهتز التابوت الضخم بخفة ، ومع صرير السلاسل المدوّي ، بدأ التابوت يتأرجح بعنف ، كأن مخلوقاً مرعباً في داخله يحاول كسر قيوده.
استلّ "شين باي " سيفه الطويل الصدئ من خصره ونظر إلى "تشنج شوانغ " التي بادلتْه النظرة ، وقد غتبا الحيرة عينيهما. «منطقياً ، لقد اقتحمنا عرينهم ، وكان من المفترض أن يبدوا ردة فعلٍ ما». فبعد المقاومة التي واجهوها في الممر الخفي كان غريباً ألا يلتفت إليهم أحدٌ من هؤلاء الأشخاص. «الأمر مريبٌ حقاً».
وبينما كان "شين باي " يقلب الفكر في الأمر ، ظلت حلقة المتمتمين في حالهم. فقال "شين باي " ببرود: «يتمثلون دوراً ليس فيهم». ثم اندفع بسيفه الصدئ الذي اشتعل بطاقةٍ نقيّة ، موجهاً طعنة مباشرة نحو أقرب شخصٍ منهم. أصاب السيف هدفه ، فسقط الثوب الأسود على الأرض ، ولكن ما تحت الرداء كان مشهداً لا يصدقه عقل ؛ إذ كانت أكوامٌ من الرؤوس مكدسة فوق بعضها لتشكل هيئةً بشرية ، وهو ما استحال كشفه تحت طيات الثوب.
حين نزع "شين باي " الرداء ، تحركت كومة الرؤوس تلك وأطلقت صرخاتٍ مفزعة وهي تندفع نحوه. حيث صرخت "تشنج شوانغ " من خلفه: «احذر!» ، ورفعت خنجريها لتساعده ، لكنها أدركت ألا حاجة لها بذلك. فقد تحول سيف "شين باي " إلى وميضٍ لا يخترق ، ومع تدفق طاقته ودمائه ، أدى رقصة "سيف الدم " ببراعة مذهلة ؛ إذ كانت كل ضربة تطيح برأس.
وعندما تلاشت الرؤوس ، التفت "شين باي " ليراقب شخصاً آخر من أصحاب الأثواب السوداء. حيث كان قريباً منه ، ما زال يحني رأسه ويتمتم ، لكن "شين باي " لاحظ خللاً ما ؛ فقد برزت يدٌ من مكان الرأس ، تلوح في الهواء باستمرار. قطّب "شين باي " حاجبيه ، وبضربة سيفٍ واحدة ، أزاح الرداء ، فكشف عن هيئة بشرية مكونة بالكامل من أذرع ، في مشهدٍ مقزز.
بدا أن كشف الرداء قد فجّر لعنةً ما ، فتراجع "شين باي " فوراً ، لكن الأذرع هاجمته جميعاً. «بدأنا بالرؤوس ، والآن الأذرع ، يزداد الأمر غرابةً». ظل "شين باي " واجم الملامح ، بينما تصاعد نورٌ أخضر من جسده. حيث كانت الأذرع أكثر مرونة من الرؤوس ، تهاجم من كل جانب وتلتوي بطرقٍ غير طبيعية حتى أن "شين باي " لم يستطع تفاديها كلها.
لكنه ، وبما يمتلكه من "قوة جسد اليشم الساطع " لم يكن يخشى شيئاً. فضربت الأذرع جسده ، لكن النور الأخضر ردّ كل هجوم. ورغم استنزاف ذلك لقدرٍ من طاقته لم يبالِ "شين باي " وواصل شنّ هجماته بسيفه الصدئ. ومع كل ضربة كان يقطع ذراعاً ، وفي غضون لحظات قليلة ، أطاح بها جميعاً.
في مكان قريب ، تجمدت "تشنج شوانغ " في مكانها ، كأنها مسخت حجراً ، وأدركت فجأة أن ما قاله "شين باي " سابقاً لم يكن خطأً البتة: «أنا حقاً مجرد تابعة ؛ فلم تتح لي فرصةٌ للمشاركة في هذا القتال». وتساءلت في سرها: «هل هذه هي كامل قوته ؟ حين قاتل والد "يايا " كان يدخر الكثير بالتأكيد».
لم يستطع "شين باي " سماع أفكارها ، ولو فعل لأخبرها أنه كان يقاتل بكل قوته آنذاك ، لكنه تطور كثيراً في وقتٍ وجيز. و بالطبع لم يقل هذا ؛ فلو فعل لربما انهارت "تشنج شوانغ " في الحال لأن هذا التطور في وقتٍ قصير أمرٌ يعجز عنه كبار العباقرة.
بعدما قضى "شين باي " على الشخص الثاني ، تحرك بقية المتمتمين. تلاشت تمتمات ، وانهارت الأثواب السوداء على الأرض ، لتكشف عن رؤوس وأطراف وجذوع تجمعت في مشهدٍ يعكس انحرافاً وفظاعة. حيث زاد هذا المشهد غرابةً تحت ضوء "اللؤلؤة المضيئة " ؛ حيث التحمت الرؤوس في كتلة كروية هائلة ، بينما اصطفت بقية الأجزاء لتشكل هيكلاً عملاقاً لامست رأسه سقف الكهف.
مقارنة بهذا العملاق ، بدا "شين باي " كنصلِ عشبٍ نحيل. حين رأته "تشنج شوانغ " صاحت مذعورة: «هذا فوق طاقتنا! علينا الرحيل فوراً!». كان المخلوق الضخم المُلّفّق يبعث ضغطاً ساحقاً ، ومجرد النظر إليه من بعيد كان كافياً لتشعر بدنو الأجل.
أصدرت كل رأسٍ صوتاً متضارباً ، ومع تداخل الضجيج ، شعر "شين باي " بدوار. وفي هذه اللحظة ، تحرك التابوت المقيد بالسلاسل أخيراً. بصوتٍ يشبه تهشم العظام ، ظهر ثقبٌ في غطاء التابوت ، خرجت منه يدٌ ، تلتها يدٌ ثانية. وبحركة عنيفة تمزق الغطاء تماماً ، وجلس على حافة التابوت رجلٌ في منتصف العمر ، نحيل الجسد ، تغطي رأسه وأطرافه شبكة كثيفة من الغرز التي تربط جسده ببعضه ، وعيناه تلمعان بتعطشٍ للدماء.
«كنت أتساءل من يجرؤ على إثارة المتاعب في طائفتي "القلوب الخمسة " فإذا بهم جروان صغيران لم يشتد عودهما بعد. حيث يبدو أنكما متشوقان لتصيرا رأسين من رؤوسي».