لم تكن الغابةُ لتنتهي ؛ لا في اتجاهٍ محدود ، ولا لغايةٍ معلومة. و لقد كانت سجناً مثالياً ؛ حياً ، واعياً ، وقاسياً بلا هوادة. حيث كانت الأوراق تتهامس وتصدر حفيفاً حتى في غياب الريح ، وكان الهواءُ يزكم الأنوف برائحة التعفن وشيءٍ آخر ؛ شيءٌ بدا وكأنه... يتمتع بوعيٍ خاص.
سارت خُمس شخصياتٍ عبر أرضٍ وعرة ، لقد أمضوا هنا وقتاً طويلاً جداً ، طويلاً أكثر مما ينبغي ؛ ثلاثة أشهرٍ بالتمام والكمال. حيث كانوا ما زالوا يزعمون أنهم في كامل قواهم العقلية ، لكن العقلَ صار شيئاً مرناً وقابلاً للتشكل ، شيئاً ينحني تحت وطأة الجوع وهلوساتِ العزلة. و لقد انقضت ثلاثة أشهرٍ منذ أن عبروا تلك البوابة الملعونة على ذلك الكوكب الميت ؛ عالمٌ مهجورٌ يدور حول نجمٍ آفل. ظنوا أنهم أصابوا حظاً وفيراً ؛ مملكةٌ سرية ، وإرثٌ خفي ، ومكانٌ عتيقٌ لم تمسه يد. لم يشعروا بأي اضطراباتٍ قوية ، مجرد نقطة دخولٍ تشع بطاقة "مانا " خافتة ، وإحساسٍ مُغْرٍ بالثراء. و لكنه لم يكن ثراءً ، بل كان فخاً مُحكماً ، وكانوا هم الأغبياء الذين وقعوا فيه. فبمجرد دخولهم ، أُغلِقَ المدخل خلفهم.
قالت "ليرا " وهي تبصق بضيقٍ وتزيح بجسدها جذع شجرةٍ ملتوياً "هذا محض هراء ". فصدر عن الجذع أنينٌ مكتوم ، ليس صريراً عادياً ، بل أنينٌ كأن شيئاً حياً يتظاهر بالموت. لم يرتجف أيٌ منهم ، فقد اعتادوا على ذلك. وبصقت عليه مرةً أخرى. حيث كانت "ليرا " فارعة الطول ، ذات شعرٍ بلون اللهب ، يشع من كل شبرٍ في جسدها حرارةٌ من الغضب والتوتر ، ورغبةٌ عارمةٌ في حرقِ شيءٍ ما لمجرد رؤيته يصرخ. حيث كان ذيلُ حصانها الأحمر يتأرجح خلفها مع كل خطوةٍ غاضبة ، وارتطمت قدماها بالأرض وكأنها تريد أن تُسمع الغابةَ بأكملها صدى كرهها. حيث تمتمت قائلةً "أقسم ، حين نخرج من هنا ، سأعود إلى ذلك الكوكب وأدمر إحداثياته ". لم تكن "ليرا " غاضبةً فحسب ، بل شعرت بالإهانة ؛ فهي سيدةٌ شابة من "عشيرة بيريلان " في "سولارا 9 " إحدى أرقى بيوت العناصر في كوكبها. وكان الآخرون مرؤوسيها الذين أقسموا على خدمتها خلال هذه البعثة ، وها هم الآن جميعاً تائهون في جحيم غابةٍ موحشة ، وقد سُحِقت رتبهم تحت أقدامهم.
في تلك اللحظة ، رد عليها أحد مرؤوسيّها "هذا بافتراض أننا سنخرج " قالها "لين " خلفها ، وكان من الإنهاك بحيث لم يعد قادراً على تبني نبرة التكبر المعتادة. حيث توقفت "ليرا " عن السير ، والتفتت برأسها ببطء ، وضاقت عيناها ، وقالت "ما الذي قلته يا لين ؟ ". لم يرتجف ، أو ليس تماماً ، وأجاب "قلت بافتراض أننا سنخرج. و هذه ليست تشاؤماً ، بل واقعية ". كان "لين " طويل القامة وشاحب البشرة ، يبدو بمظهرٍ علمي ، وكانت رداؤه الذي كان يوماً أنيقاً قد أصبح بالياً ومتسخاً ، ونظاراته غطتها البصمات حتى حجبت الرؤية ، لكن عصاه السحرية ظلت في قبضته ، لا تزال تُصدر طنيناً خافتاً. حيث تمتمت "ليرا " "سأحرق واقعيتك حتى تصير رماداً ". شعرت بالغضب ، لكنها اضطرت لكبح جماحه ؛ فهي بحاجةٍ إليهم.
قالت "زيل " بنبرةٍ حادة "اصمتي. و لقد هددتِ بحرق الناس طوال الأسابيع الثلاثة الماضية. و في هذه المرحلة ، إما أن تفعلي ذلك أو تصمتي ". نظرت "ليرا " إلى "زيل " الوحيدة التي تجرؤ على مخاطبتها بهذا الأسلوب ؛ فلم تكن مجرد مرؤوسة ، بل صديقة طفولتها. حيث كانت "زيل " أكثرهم تغيراً ؛ فقد ظهر ندبٌ على خدها كان حديثاً وضحلاً ، وعيناها صارتا حادتين وخطيرتين. و لقد توقفت عن الأمل في النجاة منذ شهرين ، والآن لا تأمل سوى ألا يصدأ نصلُ سيفها قبل أن ينفد طعامهم.
خلفهما سار الاثنان الأخيران ؛ الفتاة "ميرا " التي كانت تتحرك كطيف ، مع نصلٍ ضخمٍ مربوطٍ على ظهرها ، ولم تنطق بكلمةٍ منذ الشهر الثاني. وبجانبها الفتى "ألوس " الذي كان عيناه غائرتين ووجهه خالياً من التعبيرات ، وبشرته شاحبةٌ للغاية الآن ، كأن أي جذوةٍ كانت في داخله قد خمدت منذ زمن. حيث كانوا صامتين ، لكنهم ليسوا ضعفاء ؛ بل إن صمتهم كان يثير قلق الآخرين.
وفجأة ، تغير الهواء ، وسمعوا نقرةً خافتةً غير مسموعة ، ثم ومضت شاشةٌ زرقاء فجأةً أمامهم. حيث توقف الخمسة:
[تم اكتشاف متسللٍ جديد]
[الزنزانة: إثبات الأهلية]
[نوع الزنزانة: عالم التدفق التكيفي]
[فرض التوازن المطلق]
[تم اكتشاف أدنى رتبة متسللة]
[جاري موازنة القوى]
[سيتم تعديل جميع المتسللين الحاليين وفقاً لذلك]
[إعادة معايرة الرتب ووحوش المنطقة]
ساد الصمت ، ثم وقع عليهم الخبر كالصاعقة ؛ إنه التخفيض. ضعفت أجسادهم ، وخبِت حواسهم. تنفس "لين " بحدة "هل قال للتو... إننا سنتعرض للتقليص ؟ ". صرخت "ليرا " "أنا مقلصةٌ بالفعل! هذا المكان أضعفني في اللحظة التي دخلت فيها ". وكان الأمر كذلك ؛ فقد كانوا جميعاً نخبةً شابة ، وكان هذا التعديل بمثابة صفعةٍ على وجوههم ، وإهانةٍ لقدراتهم. والأسوأ من ذلك أن الوحوش تتناسب معهم في القوة ، وهي وحوشٌ ذكية ، أكثر بكثير مما ينبغي لها أن تكون. والآن ، دخل شخصٌ أضعف ، فجعلت الزنزانة الأمور أكثر سوءاً ، ضاق القفص ، وتكيفت الوحوش ، مرةً أخرى.
جزّت "زيل " على أسنانها وقالت "لقد أضعفونا للتو بسبب شخصٍ آخر ". قالت "ليرا " بحدة "من ذا الذي يملك من الغباء ما يكفي لدخول مكانٍ كهذا وهو بهذه الرتبة ؟ ". تلاشت نافذة النظام ، لكن الصمت لم يتبدد ؛ بدت الغابة وكأنها تحبس أنفاسها ، وانحنت الأشجار نحوهم ، ونبضت الأرض نبضةً واحدة. و قالت "زيل " ببطء "...أيّاً كان من دخل ، فإنه سيموت ". لم تكن "زيل " تعرف من يكون ؛ هل هو شخصٌ تائه ؟ أم نبيلٌ ساقط ؟ أم أحمقٌ محظوظٌ يطارد إشاعة ؟ لم يعد ذلك مهماً. و هذا المكان لا يكافئ الشجاعة ، بل يعاقب على مجرد الوجود. وأي شخصٍ تعثر بالدخول هنا صار عبئاً إضافياً. وإذا تقاطعت دروبهم... فلن تكون هناك رحمة ، ليس بعد الآن.
تمتم "لين " "هذا إن لم تقتلنا الزنزانة أولاً ". هبت عاصفةٌ عبر الأشجار ، وتجمدوا في أماكنهم ؛ فالريح لا وجود لها هنا. التوت الأغصان ، وتلوى الطحالب ، وعوى شيءٌ ما من بعيد ؛ عواءٌ منخفضٌ ومزعج ، كأن حجراً يكشط عظمة. أمرت "ليرا " بصوتٍ خفيض "...أشهروا الأسلحة ". لم يكن الأمر ضرورياً ، فقد كان الجميع قد استلوا أسلحتهم بالفعل. لم يعودوا غاضبين فحسب ، بل كانوا مستعدين لإيذاء أي شخصٍ الآن. وفي مكانٍ ما هناك ، في هذه الغابة المشوهة ، دخل للتو شخصٌ ضعيف ، شخصٌ جعل الأمور أكثر صعوبةً مرةً أخرى. وإذا صادف ذلك الشخصُ طريقهم يوماً... فلن يطرحوا أي أسئلة ، ولن يقدموا أي عون ، بل سيجهزون عليه دون تردد ، وربما ابتسموا وهم يفعلون ذلك. لم يدركوا ، لكنهم كانوا يغرقون ببطء في الجنون ؛ فالغابة كانت تنهشهم شيئاً فشيئاً. لم تعد أفكارهم واضحة ، وأصبحت أعصابهم أشد توتراً. والآن دخل شخصٌ جديد ، أضعف وأبطأ ، لكن الزنزانة لم تكترث ، بل ابتسمت وغيرت القواعد من جديد.