في ساحةٍ أخرى ، تُشبه في هيئتها تلك التي كانت فيها ألدن ، وقف فتىً ذو شعرٍ بنيّ. لم تكن هذه الساحة ساحة معركةٍ تقليدية ، بل كانت تُحاكي مدينةً عصريةً أصابها الدمار ؛ حيث تناثرت ناطحات السحاب المهشمة ، وخلت الشوارع من المركبات المهجورة.
وقف أزيل في المنتصف ، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الجدية ، مغايرةً تماماً لتلك التي اعتادت عليها بمزاحه المعهود. وفي الجهة المقابلة ، وقفت فتاةٌ فائقة الجمال ، ذات شعرٍ بنيٍّ متلألئ وعينين خضراوين ، بدت رقيقةً كنسيم الصباح. حيث كانت عيناها الخضراوان الهادئتان تمسحان المكان ، وتحدقان في أزيل بلمعةٍ من المشاغبة.
تراقص قلب أزيل كلما وقعت عيناه عليها. وكيف لا ؟ وقد كانت تلك الفتاة سكن قلبه منذ نعومة أظفاره. إنها سيسيليا دسكوود. "يا للإله ، لماذا هي بالذات ؟ " شتم في قرارة نفسه ؛ فهو لم يرد قتالها أبداً ، لكن الأقدار غريبةٌ في مسالكها ، إذ وضعته وجهاً لوجهٍ أمامها هي تحديداً.
في المقابل ، بدت سيسيليا ذات ملامح مرحة ، فهي تعرف أزيل منذ الطفولة ، إذ كانا من المدينة ذاتها. فالنقابة التي يديرها والد سيسيليا تقع في "إمبرهولد " عاصمة "بيرليس " وهي الولاية التي تحكمها عائلة إيغناريس ؛ لذا كان أزيل وسيسيليا على معرفةٍ وثيقة منذ صغرهما. و لكن أزيل كان يفرُّ هارباً كلما حاولت الحديث معه ، مما جعلها تتخذه هدفاً لمشاكستها المتكررة.
لم يكن قد تبادل معها الكثير من الحديث منذ وصولهما إلى الأكاديمية ؛ مختلقاً الأعذار تلو الأخرى ، متجاهلاً رسائلها ، ومبتعداً في كل مرة تقترب منه. فلم يكن ذلك كرهاً لها ، بل على النقيض تماماً ، فقد أحبها منذ صغره ، ولكن تلك كانت الضباب.
سيسيليا كانت عبقرية ، أما هو ؟ "أنا مجرد فاشل ". لطالما ترسخت هذه الفكرة في عقله منذ أن كان طفلاً. حيث كان أبعد ما يكون عن الفشل ، لكنه كان يُقارن دوماً بشقيقته التي كانت نابغة. "أنا لا أستحقها... ولن تسعد مع شخصٍ مثلي ، كما أنها لا تبادلني المشاعر... " هكذا كان يُحدث نفسه ، وهذه الأفكار السلبية كانت السبب الرئيس لتجنبها ؛ إذ لم يرد أن يراها الناس بصحبة شخصٍ فاشلٍ مثله.
لكن ، ومما لم يكن يعلمه ، أن سيسيليا كانت تبادله المشاعر ذاتها ؛ فقد رأت أزيل منذ الطفولة وأحبته أكثر مما يتخيل. كلُّ مزاحٍ منها ، وكلُّ تصرفٍ قامت به كان غايته أن تستحوذ على انتباهه ، وأن يصبَّ تركيزه عليها وحدها. حيث كانت تعلم أن لأزيل مشاعر تجاهها ، وأدركت أنه إن بادرت هي بالاعتراف ، فسيقوم برفضها ؛ لظنه الراسخ بكونه أدنى منها ولا يستحقها. لذا كانت تنتظر منه أن يبوح بما في قلبه ، لكن ذلك اليوم لم يأتِ قط في الرواية الأصلية ، حيث مات أزيل قبل أن يحدث بينهما أي شيء.
"مهلاً يا أز ، هل افتقدتني ؟ " قالت بابتسامةٍ لعوبٍ كانت كفيلةً بأن تغيب أزيل عن وعيه للحظات. ارتبك أزيل للحظةٍ حتى خلا ذهنه من كل فكرة. أحبت سيسيليا تلك الملامح فيه ، وفكرت "تباً.. لو لم يكن بهذا الغباء ، وكان يتقبل مشاعره فحسب ". ثم تابعت بلهجةٍ درامية "لقد نسيتني منذ أن حصلت على صديقك الجديد ، أليس كذلك ؟ إن استمريت في تجاهلي ، فستجعلني أبكي... ".
أجابها وهو يرتجف "أنا.. لا ، الأمر ليس كذلك يا سيسيليا.. كنتُ فقط.. مشغولاً ".
قالت بعبوسٍ طفولي "صحيح ، مشغولٌ بتجاهلي ، أتقصد ذلك ؟ ".
حاول الرد وهو يوجه نظره في كل اتجاهٍ إلا إليها "ليس الأمر هكذا... ".
استطردت بعبوسها "صحيح ، مشغولٌ جداً لدرجة عدم الرد على رسائلي ؟ أم كنت مشغولاً بما يكفي للذهاب في مواعيد مع بعض الجميلات المجهولات ؟ ". تحول صوتها إلى الجدية قليلاً ، فانتفض جسد أزيل عند سؤالها "تباً ، كيف عرفت ؟ ". لم يجد أي عذرٍ لذلك.
تنهدت سيسيليا وهي تلين ملامحها "أنت أحمق ، أتعلم ذلك ؟ ".
رمش أزيل بعينيه وقال "ها ؟ ".
تابعت وهي ترفع قوسها "لقد كنت دائماً قوياً يا أز حتى وإن لم ترَ ذلك في نفسك. والآن ، دعنا نرى ما إذا كنت مشغولاً بالتدريب أم كنت تفرُّ مني فحسب ".
زفر أزيل مهدئاً من روعه "حسناً ، لا تبكي عندما تخسرين ". ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجهه.
ضحكت سيسيليا بلطف "سنرى بشأن ذلك ".
اشتعلت "كاتانا " أزيل باللهب واندفع نحوها بسرعةٍ فائقة ، بل إنه أطلق ومضاتٍ صغيرةٍ من النيران تحت قدميه ليعزز سرعته أكثر. تراجعت سيسيليا برشاقة ، وكانت حركاتها انسيابيةً وهي تُثبت سهماً في قوسها ، لكنها لم تطلق النار فوراً ؛ فهي تعلم أن أزيل سريع ، وبدلاً من ذلك قامت بدمج سهمها بـ "مانا " الرياح ، معدلةً مساره ببراعة.
وجه أزيل ضربةً قويةً للأعلى ، مرسلاً موجةً من النيران نحوها. و لكن سيسيليا التوت في الهواء متفاديةً إياها بأناقة ، بينما انطلق سهمها من وتر القوس. كاد أزيل ينجح في صده ، ولكن بمجرد أن أرخى قبضته ، جاء سهمٌ آخر من زاويةٍ مستحيلة. انحنى أزيل متفادياً السهم بصعوبة وقال وهو يلهث "أنتِ تغشين ". كانت سيسيليا تستطيع تغيير مسار أسهمها إلى حدٍ ما بمساعدة سحر الرياح لديها.
ابتسمت سيسيليا وقالت "هذا ليس غشاً ، إنها مهارتي ".
استمر القتال في توازنٍ دقيق ؛ فلم يكن أزيل يهدف لإيذائها ، وكانت سيسيليا حريصةً على ألا تسبب أسهمها أي إصابةٍ خطيرة. فلم يكن قتالاً بالمعنى الحرفي ، بل كان رقصةً من ألسنة اللهب والسهام. و شعر أزيل بالسعادة ، وذُكرت نفسه مجدداً بمدى حبه لوجوده بجانب سيسيليا. و بدأت شرارة عزيمةٍ صغيرة تتوقد في قلبه "ربما... فقط ربما.. يمكنني المحاولة ، يمكنني أن أصبح أقوى ، وفي يومٍ ما سأعترف لها بمشاعري. لن أستسلم ".
تأثر أزيل بأفعال ألدن ؛ فبالرغم من أن عائلة أزيل أحبته إلا أنه كان يُقارن دوماً بشقيقته. ومنذ أن التقى بصديقه ، تغيرت أموره. حيث كان الجميع يعرف قصة ألدن ، الابن غير الشرعي لعائلة دريفن ، وكيف أنه لم يستسلم قط رغم التمييز الذي واجهه من عائلته ، فلماذا يستسلم هو ؟ لا ، لن يستسلم بعد الآن ، بل سيصبح أقوى ويكشف عن مشاعره لسيسيليا.
استمر النزال لفترة ، ومهما حاول أزيل كانت سيسيليا الأفضل دائماً ؛ إذ كانت أسهمها تجد طريقها متعاليةً دفاعاته ، ومع أنها كانت تكبح قوتها إلا أنها استنزفت قدرته على التحمل تدريجياً. و بدأ أزيل يتنفس بصعوبة ، والعرق يقطر من جبينه ، وألسنة لهبه تخبو ، وثقل الـ "كاتانا " بدأ ينهك يده. و نظرت إليه سيسيليا بابتسامةٍ هادئة وقالت "لقد انتهى الأمر يا أزيل ".
أدرك ذلك لكنه لم يشعر بالإحباط ، بل ابتسم وقال وهو يسقط على ركبتيه "لقد فزتِ ".
اقتربت سيسيليا ومدت يدها قائلة "لقد قاتلت جيداً ".
أمسك أزيل بِيَدها وهو يهز رأسه بابتسامة "لم تحاولي حتى إيذائي ".
أجابت بابتسامةٍ مشاكسة "ربما قد أكون معجبةً بك ، من يعلم ؟ ".
تخطى قلب أزيل نبضةً ؛ كان يعلم أنها تمازحه فحسب ، لكنه لم يستطع منع نفسه. حيث فكرت سيسيليا "تباً ، كم من الإشارات عليَّ أن أعطي لهذا الغبي ؟ إنه ميؤوسٌ منه حقاً ". وقبل أن تتمكن سيسيليا من قول أي شيءٍ آخر ، استسلم أزيل ، ولأول مرةٍ في حياته ، رد على مشاكستها قائلاً "ربما قد أكون معجباً بكِ أيضاً ، من يعلم ؟ ".
خلا ذهن سيسيليا من التفكير وظهرت حمرة الخجل على وجهها ، لكن أزيل لم يرَ ذلك فقد كان قد نُقِل بالفعل إلى مباراته التالية بسبب انسحابه. و قالت بصوتٍ يملؤه الإحباط مع ابتسامةٍ مرتسمةٍ على ثغرها "يا لك من أحمق... ".