Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 65

كيف تبدأ القتال ؟+


كان لوسيان جالساً في قاعة الدراسة ينتظر وصول سيليس. لم تكن يوماً ممن يتأخرون ؛ بل على العكس كانت تسبق موعدها بنصف ساعة ، لكن هذا اليوم كان مختلفاً. ظل ينتظر قدومها ، بينما كان بقية الطلاب يتبادلون أطراف الحديث ، ولم تكن تفصلنا عن بدء المحاضرة سوى دقائق معدودة.

حين أبصر سيليس تدخل كانت ثيابها التي اعتادت أن تكون هنداماً للأناقة والترتيب ، قد طالتها التجاعيد. بدا وجهها شاحباً كأنها واجهت خطباً جللاً ، وخدها محمرٌّ ليس خجلاً ، بل كأنه أثر صفعةٍ قوية. قبض لوسيان على كفيه وعضَّ على شفتيه ، بينما تشنج فكُّه غضباً ، وحدث نفسه: «مَن ذا الذي تجرأ على إلحاق الأذى بها ؟».

بلغ غضبه ذروته ، فما إن دخلت سيليس حتى رأى زيفير يدخل القاعة بلامبالاة ظاهرة. فلم يكن هناك مَن يخبر لوسيان بأن الأمر برمته كان من تدبير سيليس ؛ فقد كانت تنتظر وصول زيفير لتدخل بعده مباشرة ، بل إنها صفعت نفسها لتضفي على المشهد واقعيةً أشد. والسبب ؟ كانت ترغب في أن يواجه لوسيان زيفير.

يُعد زيفير أحد أقوى أفراد جيله ، بينما كان لوسيان حتى بعد تصنيفه في المركز الثالث ، يُنعت بـ «الأمير غير الجدير». كانت سيليس تراقبه وهو يتدرب منذ بدء الأكاديمية ، وكانت على يقين بأن لوسيان أقوى من ذلك بكثير ، فأرادت أن تمحو ذلك اللقب عنه. فلم يكن دافعها له ، بل لنفسها ؛ فقد خططت لرفع شعبيته ، فكلما زاد نفوذه ، عاد ذلك عليها بالنفع.

رأى لوسيان سيليس تمشي نحوه وهي تتعثر في خطواتها ، فهبَّ واقفاً ليساعدها. سألها لوسيان بعينيه البنفسجيتين اللتين كانتا تغوصان في أغوار روحها: «ما الذي حدث لكِ يا سيليس ؟». أشاحت سيليس بصرها بسرعة كأنها تخفي سراً ، وقالت بصوت منهك: «لا شيء يا لوسيان ، أنا بخير تماماً».

تفرس لوسيان في ملامحها ؛ عيناها الزائغتان ، ارتعاش أصابعها حين تكذب ، صوتها المتعب بشكل غير معتاد.. كلها إشاراتٌ توحي بأن خطباً ما قد ألمَّ بها. لم تكن هناك جروح ظاهرة ، والجروح يمكن مداواتها بالجرعات العلاجية ، فمن ذا الذي تجرأ عليها ؟ كانت من عائلة مرموقة ، لذا استبعد أن يكون غوغاء الأكاديمية قد تعرضوا لها.

هل يُعقل أن يكون هو مَن يضايق سيليس ؟ رمق لوسيان صبياً ذا شعر أسود وعينين قرمزيين يشبهان عيني سيليس. حيث كان ذلك ألدن ، الأخ غير الشقيق لسيليس. وبحسب ما روته له سيليس عن «ألدن» ، فإنه لا يأتي منه خيرٌ قط. فقد قيل له إن ألدن خاض مبارزة مع شقيق سيليس التوأم ، مما جعله عاجزاً عن الحضور للأكاديمية. حيث كان لوسيان فطناً ، فأدرك سريعاً الحقيقة: «لا بد أنه أوسع سيدريك ضرباً لدرجة أفقدته القدرة على الحضور».

لم تكن تكنُّ نفسه تجاه ألدن سوى الضغينة. هل يستهدف سيليس الآن ؟ لا... «لن أسمح بذلك... عليّ أن أريه ما سيحل به إن حاول التحرش بفتاة بريئة». كان ألدن يستفزه لأسباب غامضة ؛ إذ يشعر بالضيق كلما وقع بصره على وجهه المتسم باللامبالاة. فلم يكن لوسيان متأكداً مما إذا كان هو الفاعل حقاً ، لكنه سيكتشف ذلك قريباً ، فهو ذكي (بحسب ما يظن).

لم يكن المسكين ألدن يعلم أنه قد وقف في وجه البطل في موقفٍ خاطئ. حيث كانت تلك حياة «الكومبارس» ؛ دائماً ما يُساء فهمه. ولكن لم يعد مجرد دورٍ ثانوٍ إلا أن لعنة الأدوار الجانبية لا تزال تلاحقه. رمقه لوسيان بنظرات ملتهبة ، غافلاً عن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي سيليس. اتخذ كلاهما مقعده مع بدء المحاضرة.

***

في كافتيريا الأكاديمية ، سألها لوسيان: «سيليس ، أرجوكِ أخبريني ماذا حدث. هل كان أخوكِ ألدن ؟ هل هو مَن يضايقكِ مؤخراً ؟». ردت سيليس وهي تنهض من مقعدها: «لا... لا... لم يفعل شيئاً. طرأ أمرٌ عاجل ، سأراكِ لاحقاً».

غادرت سيليس الكافتيريا وتركت لوسيان وحيداً. وبينما كان يهمُّ باللحاق بها قد سمع همس الطلاب: «أتعلم أن الآنسة سيليس تتعرض للمضايقة من قبل ذلك الرجل ؟». «عمن تتحدث ؟». «أنت تعرف زيفير التنين».

تسمَّر لوسيان في مكانه وتوجه نحو أولئك الطلاب ، وسأل أحدهم: «هل ما قلتموه حقيقي ؟». أجابه الصبي: «أجل ، أنا من فرع عائلة دخارجين ، وزيفير يضايقنا جميعاً لأنه يكره عائلتنا. حاولت الآنسة حمايتنا فأصبحت هي هدفه». تمتم لوسيان بينما ارتجف الطالب من هول تعابير وجهه: «إذاً ، إنه زيفير!».

***

تسللت عينا لوسيان إلى زيفير الذي كان يجلس في زاوية بعيدة يستمتع بوجبته ، محاطاً بطلابٍ يحيطون به كأنه زعيمٌ لهم ، يغدقون عليه بالإطراء ؛ فهو ليس قوياً فحسب ، بل موهوب أيضاً. بلغ غضب لوسيان ذروته ، فاندفع نحو زيفير ، يغلي الدم في عروقه ، وفكه مشدود. «كيف يجرأ ذلك الوغد على مضايقة فتاة بريئة مثل سيليس ؟ سأجعله يدفع الثمن... سأريه معنى الإهانة».

وقف أمام زيفير ، وسأل بصوتٍ متعجرف رغم معرفته بهويته: «أيكم زيفير ؟». درس زيفير لوسيان بهدوء ؛ إنه الأمير غير الجدير ، صاحب المركز الثالث في الأكاديمية. فلم يكن مهتماً به ، فهل عليه أن يُظهر الاحترام ؟ لا. ولماذا ؟ لأن العائلة الإمبراطورية وإن حكمت الإمبراطورية ، فهذا لا يعني أنها تملك سلطة مطلقة على العائلات الحاكمة ؛ فالأمر أشبه بالشراكة لا التبعية.

أجاب زيفير بنبرةٍ أكثر عجرفة: «أنا زيفير. ما الذي يريده الأمير غير الجدير مني ؟». ضحك أتباعه بسخرية. لم يهتم زيفير لأمر لوسيان ، ظناً منه أن وصوله للمركز الثالث كان محض حظ.

رأى لوسيان قامة زيفير الفارعة وهو يقف أمامه ، وعيناه الذهبيتان تفتتحان في لوسيان ، مما جعله يرتجف قليلاً. لو كان لوسيان في حياته السابقة ، لما تجرأ على معارضته ، لكنه الآن مختلف ؛ فقد صار أقوى ، ولم يعد ذلك الرجل الذي قضى بسبب أزمة قلبية. و لديه فتاة يهتم لأمرها ، ولن يقف مكتوف اليدين بينما يمارس متنمّر متعجرف مثل زيفير طغيانه.

«أرى ذلك... أرى ذلك...» لم يقل لوسيان شيئاً ، بل تشنجت يداه ، وسيطر الأدرينالين عليه من فرط انفعاله ، فصبَّ كل مشاعره في يده اليمنى وأطلقها.

«صفعة!» دوى الصوت في أرجاء الكافتيريا ، فقد صفع لوسيان زيفير الذي لم يتوقع ذلك قط. حيث صرخ زيفير: «أنت!... كيف تجرأت ؟». كان هذا أول تعرُّضٍ له للإهانة في حياته ، وعلى يد شخصٍ ضعيفٍ مثله. حيث كانت أنظار الكافتيريا كلها عليه ، مما زاد من حنقه. شدَّ عضلات يده وضرب بكل قوته ، لكن لوسيان كان مستعداً ؛ إذ جرى البرق في جسده ليزيد سرعته ، ففادى الضربة بحركةٍ خفيفة.

بينما كان زيفير يهمُّ بهجومٍ آخر ، ظهر طالب يرتدي زياً أسود خالصاً مع ربطة عنق زرقاء ، وأمسك قبضته بسهولة. حيث كان الطالب ذو شعر أحمر براق وعينين قرمزيين ، تعلو وجهه ابتسامة ماكرة. و عرفه لوسيان فوراً ؛ إنه رودريك دخارجين ، شقيق سيليس ورئيس مجلس الطلبة الذي نادراً ما يظهر لانشغاله في سنته النهائية ، لكنه كان حاضراً اليوم ليشهد هذا الموقف المثير.

قال رودريك ببطء متعمّد: «ما الذي يحدث هنا ؟ التنين يتصرف بوقاحة في كافتيريا الأكاديمية ؟». كان رودريك تعريفاً للفخر ؛ إذ كان شديد الاعتزاز بعائلته ويغار على كرامتها. ورأى في إضعاف وريث عائلة التنين -الخصم اللدود لعائلته- فرصة لا تعوّض.

حاول زيفير التحرر من قبضة رودريك ، وهيهات! كيف لمبتدئ أن يكسر قبضة خبير ؟ قال رودريك بهدوء: «اهدأ وإلا سأفرض عليك عقوبة». ثم أضاف وابتسامته الماكرة تتسع: «لا يهمني من بدأ ، لكن إن كنت تريد قتاله ، فعليك دفع الأسترا وتحديه في مباراة مصنفة».

هدأ زيفير قليلاً ، وحرر رودريك قبضته. أعلن زيفير: «حسناً ، أنا زيفير التنين ، أتحدى لوسيان سيليستريان في مباراة مصنفة». كان يدخر أستراه لمواجهة نيكس ، لا لمواجهة هذا الضعيف ، لكن لوسيان جلب هذا لنفسه. «سأريه... معنى أن يهينني».

قال رودريك: «جيد ، جيد. لوسيان سيليستريان ، أتوافق على مباراة مصنفة ؟ لك الحق في الرفض ، لكنك ستضطر لدفع ضعف تكلفة التحدي». لم تكن لدى لوسيان نية للرفض ، فوافق دون أي تردد. و قال رودريك: «أعلن هنا أن المباراة المصنفة بين زيفير التنين ولوسيان سيليستريان ستقام غداً».



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط