في قلبِ ملعبٍ فسيحٍ كان فتى وسيمٌ يجلسُ على مقعدٍ داخلَ ساحةِ النزال ، بشعرِهِ الأبيضِ الذي يلمعُ خاطفاً الأضواء ، منغمساً كلياً في جهازِ الـ "الماناسينس " الخاصِ بِه. حيث كان يكتبُ بشراسةٍ مع ابتسامةٍ غامرةٍ ترتسمُ على شفتيهِ بين الحينِ والآخر ، محادثاً أحدهم.
«كيفَ لها أن تكونَ بهذهِ الرقةِ حتى وهي تتحدثُ عبرَ الشاشة ؟» كان هذا جُلَّ ما يدورُ في خلدِهِ.
إنه "لوسيان سيليستريان " بطلُ الروايةِ الأصليّ. ذات يومٍ كان بطلاً أسطورياً ، ومُنقذاً موعوداً ، ومنارةً للعدالة. أما الآن ، فقد استحالَ إلى مجردِ "مُتيمٍ " (سيمب) سقطَ في شباكِ ساحرةٍ لا ترحم.
أجل ، إنها ساحرة. واسمُها ، كما قد تخمنونَ ، هو "سيليس دخارجين ".
«يا للهول ، ما الذي أفعلهُ الآن ؟ هل تحولتُ إلى راوٍ لحياةِ البطل ؟» فكر "ألدن " وهو ينهي تعليقَهُ الصامت. فقد سحبَهُ "أزيل " إلى هنا لمشاهدةِ المباراةِ على عجل ، ولكن لأيِّ غاية ؟ فالمباراةُ لم تبدأ بعد. وهكذا ، بدأ "ألدن " بتسليةِ نفسِهِ بِلعبةٍ صغيرة: سردُ وقائعِ انحدارِ "لوسيان " في الوقتِ الفعلي.
وفي هذهِ اللحظة كان الانحدارُ يبدو تراجيدياً بحق.
أما عن سببِ علمِ "ألدن " بأنَّ "لوسيان " يتحدثُ مع "سيليس " فهو لأنَّهُ كان يراها تجلسُ في الجهةِ المقابلةِ من مقاعدِ المتفرجين ، غارقةً هي الأخرى في جهازِها ، تكتبُ وتكتب. وما إن اقتربَ موعدُ النزال حتى أُمرَ "لوسيان " بالتوجهِ إلى المنصةِ الرئيسية. ودون أدنى تأخير ، أخرجَ "الماناسينس " الخاص بِه ليواصلَ محادثةَ "سيليس " التي لم يفصلهُ عنها سوى لحظاتٍ قلائل.
شعرَ "ألدن " بضيقٍ يتصاعدُ في صدرِهِ كلما رأى تلكَ الابتسامةَ الغبيةَ على وجهِ "لوسيان ". لم يكن من المفترضِ أن يؤولَ حالُهُ إلى هذا الحد ، ولكن "ما حيلةُ المضطرِ إلا ركوبُ الصعاب ".
«هل سحرتْهُ "سيليس " بسحرٍ ما ؟ لا ، هذا مستحيل. فـ "نظام " لوسيان يحميهِ من أيِّ سحرٍ يؤثرُ على العقل. إذاً ، لماذا يتصرفُ كالمُغرمِ الولهان ؟»
لم يكن "تأثير الفراشة " كافياً لتغييرِ شخصيةِ المرءِ جذرياً. وحتى لو كان كذلك فكيفَ يُعقلُ أن يحدثَ هذا التحولُ الجذريُّ في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ كهذه ؟
أشاحَ "ألدن " ببصرِهِ... غيرَ قادرٍ على تحملِ رؤيةِ "سيليس " وهي تتصنعُ الدلال ، و "لوسيان " وهو يتصرفُ كالمُغيب. استقرَّت عيناهُ بجانبِهِ ، حيثُ تجلسُ فتاةٌ فائقةُ الجمال "أَميرا ".
«لماذا تجلسُ هنا الآن ؟» تساءلَ في سرِّهِ ، «ربما لأنَّ الملعبَ يغصُّ بالحشودِ ولا مقاعدَ شاغرة». كان الملعبُ يضجُّ بآلافِ المتفرجينَ المتشوقينَ لرؤيةِ النزالِ بين اثنينِ من أفضلِ الطلابِ ترتيباً. أطالَ "ألدن " النظرَ إليها للحظةٍ قبلَ أن يشيحَ بوجهِهِ.
وفجأةً ، حدثَ ما لم يكن في الحسبان.
«لماذا لا تكفُّ عن التحديقِ بي دائماً ؟» سمعَ "ألدن " صوتاً بارداً خالياً من العاطفة.
رمشَ "ألدن " بذهول. «انتظر... هل هي... تتحدثُ إليّ ؟» نظرَ حولَهُ بحيرة ، فلم يجد أحداً غيره قد تكونُ "أَميرا " تخاطبُه.
تباً! «إنها تحدثني أنا».
وضعُ التأهب: مُفَعَّل.
«تباً ، تبّاً! فكر في ردٍ سريع... انتظر ، لماذا تظنُّ أنني أحدقُ بها باستمرار ؟»
«أعتذرُ يا سموَّ الأميرة ، » اعتذرَ "ألدن " وعقلُهُ يتسابقُ مع دقاتِ قلبِهِ ، «لقد سُحرتُ بجمالِكِ لدرجةٍ لم أستطع معها صرفَ بصري».
ما الذي قالهُ للتو ؟ في اللحظةِ التي غادرت فيها الكلماتُ شفتيه تمنى "ألدن " لو تنشقُّ الأرضُ وتبتلعُه. كيفَ سيخبرها بأنها "شريرة " وأنَّهُ كان يتساءلُ فقط عن سببِ تغيرِ تصرفاتِها ؟ لقد انزلقَ لسانُهُ بأكثرِ الجملِ ابتذالاً التي قرأَها في حياتِهِ. احمرَّت وجنتاهُ خجلاً. حيث كان ممتناً لأنَّ "أزيل " ذهبَ لشراءِ الفشار ؛ وإلا لكان عيَّرهُ بهذهِ الجملةِ إلى أبدِ الآبدين.
رفعَ رأسَهُ ليرى ردَّ فعلِ "أَميرا " متوقعاً وجهاً متجمداً كما هي عادتُها. و لكن بدلاً من ذلك... كانت تحمرُّ خجلاً.
ما هذا بحقِّ الجحيم ؟ توقفَ عقلُ "ألدن " عن العملِ للحظة ، ليس بسببِ جمالِها ، بل من شدةِ الذهول. «هل... هل نجحت تلك الجملةُ السخيفةُ فعلاً ؟» لم يصدق "ألدن " عينيه. لم تكن الأمورُ لتسيرَ هكذا أبداً. و في حياتِهِ الماضية ، جربَ جملةً مشابهةً ، فكان نصيبُهُ صفعةً كادت ترسلُهُ إلى بُعدٍ موازٍ! أما هنا ؟ لم تكتفِ "أَميرا " بعدمِ صفعهِ ، بل خجلت ؟
«هل يعقلُ أنني وسيمٌ لدرجةٍ لا تقاومُها حتى شريرةٌ باردةٌ مثلك ؟» بدأت شخصيتُهُ النرجسيةُ بالظهور ، فسارعَ إلى كبتِها.
«أعتذرُ يا سموَّ الأميرة لم أقصد ذلك » أضافَ متسرعاً محاولاً التراجع.
«إذاً أنتَ تعني أنني لستُ جميلة ؟» ضيَّقت "أَميرا " عينيها بخطر.
تجمَّد "ألدن ". يا إلهي ، لغمٌ موقوت. مستوى الخطر: قُصوى.
«لا ، لا ، ليس هذا ما قصدتُه... أعني... أنتِ جميلة ، لكن...» صمتَ فجأة.
«كيفَ بحقِّ الجحيمِ وصلتُ إلى هنا ؟» وفي مكانٍ ما في الكون ، شعرَ "ألدن " وكأنَّ قوةً كونيةً تضحكُ على مأساتِهِ مرةً أخرى. وفكّر بمرارةٍ: «تباً لك ، أيها المؤلف».
ابتلعَ "ألدن " ريقَهُ. كان هذا حقلَ ألغامٍ حقيقياً. تلاطمت الأفكارُ في رأسِهِ: لماذا النساءُ كائناتٌ غامضةٌ هكذا ؟ ورغمَ خبرتِهِ السابقة لم يكن الأمرُ يزدادُ سهولةً. «ما الذي عليَّ فعلهُ الآن ؟»
أخذ "ألدن " نفساً عميقاً. «أعني... أنتِ جميلة ، » قالها وهو يختارُ النجاةَ على الكبرياء ، «ولهذا كنتُ أنظر. وبكلِّ وضوح». ورغمَ هدوءِ ملامحِهِ كانت روحُهُ تتعذبُ من فرطِ الإحراج.
في تلك اللحظة ، عادَ "أزيل " حاملاً كميةً هائلةً من الفشارِ والمشروبات. «يا صاح ، لماذا تبدو وكأنك رأيتَ شبحاً ؟» ضحكَ "أزيل " وهو يجلسُ بجانبِهِ. وقبلَ أن يتمكنَ "ألدن " من الرد ، عادت ملامحُ "أَميرا " إلى برودِها المعتاد.
رمشَ "ألدن " وهو ينظرُ إليها ؛ فقبلَ ثوانٍ كانت تحمرُّ خجلاً ، والآن ؟ عادت باردةً متبلدة.
التفتت "أَميرا " بنظراتِها نحوهُ مرةً أخرى ، لكنَّ وجهَها ظلَّ خالياً من أيِّ تعبير. ولو دققَ "ألدن " أكثر ، لرأى شيئاً غامضاً في عينيها ، وربما... ابتسامةً خفيفةً جداً في طرفِ شفتيها. حيث كانت "رضا ".
دون أن يدرك كنهَ ردةِ فعلِها ، تنهد "ألدن ": «شكراً للورد ، لقد انتهت تلك اللحظةُ المحرجة».
«تفضل ، خذ بعضاً منها ، » أعطاهُ "أزيل " علبةَ فشارٍ قبل أن يميلَ إلى الأمامِ بحماس: «ستعشقُ هذه المباراة ، ستكونُ حمامَ دم». لم يشكَّ "ألدن " في ذلك ؛ فـ "لوسيان " هو البطل ، ولا داعيَ لقولِ المزيد.
أما "زيفير " ؟ فقد كان واحداً من أقوى طلابِ العام. والحقُّ يُقال ، إنَّ تصنيفَ "لوسيان " الأعلى من "زيفير " في الروايةِ والواقعِ لم يكن إلا بسببِ الاختبارِ الذي لم يواجهَا فيهِ بعضَهما البعض. حيث كانت تلكَ هي الحالَ في بدايةِ القصة ، قبلَ أن يتجاوزَ "لوسيان " "زيفير " بمراحل.
«حياةُ بطلٍ يملكُ "أصابعَ ذهبية " (حظاً وافراً) ، هكذا هي دائماً ، » تنهدَ "ألدن " واستندَ إلى مقعدِهِ ، مفضلاً الاستمتاعَ بالعرض.
صدحَ صوتُ المُعلنِ في أرجاءِ الملعب: «سيداتي سادتي ، نزالُ الترتيبِ بين "زيفير التنين " و "لوسيان سيليستريان " على وشكِ البدء».
انطلقت هتافاتٌ تصمُّ الآذان. وقف "لوسيان " أخيراً عن مقعدِهِ ، ووضعَ جهازَ الـ "الماناسينس " جانباً. رأى "ألدن " "سيليس " تضحكُ في منطقةِ المتفرجين ، تشجعُ "لوسيان " وتتظاهرُ باللطف ، فكادَ يتقيأ.
صعدَ "لوسيان " إلى المسرحِ متممطاً بكسل ، وكأنَّهُ ليس على وشكِ مقاتلةِ أحدِ أقوى طلابِ السنةِ الأولى. أما "زيفير " فكان واقفاً بالفعلِ على المنصةِ بوقفةٍ هادئةٍ ومنتصبة ، غيرَ أنَّ تعبيراتِ وجهِهِ الغاضبةَ التقطتها عينا "ألدن ".
«يا صاح ، لِمَ بدأت المعركةُ أصلاً ؟» غمز "ألدن " "أزيل ". كان "ألدن " في حيرة ؛ فبناءً على شخصيةِ "زيفير " كان من المفترضِ أن يدخرَ نقاطَهُ ويتحدى "نيكس " مباشرةً ، صاحبةَ الترتيبِ الأول ، لا "لوسيان ".
نظرَ "أزيل " إلى "ألدن " متردداً: «حسناً يا صاح... الأمرُ متعلقٌ بـ "سيليس "».
«كنتُ أعلم! تلك العاهرةُ متورطةٌ بطريقةٍ ما».
«ما الذي حدثَ بالضبط ؟» سألَ "ألدن " طالباً تفاصيلَ أكثر.
«لا أعلم ، » أجابَ "أزيل " «لكنَّ الشائعاتِ تقولُ إنَّ "زيفير " كان يضايقُ "سيليس " فتدخلَ "لوسيان " لنجدتِها».
عقدَ "ألدن " حاجبيْه. «هل يفعلُها "زيفير " حقاً ؟ صحيحٌ أنه مهووسٌ بالمعارك ، لكن مُتنمر ؟ لا يبدو هذا من شيمِهِ». ثم تذكرَ أنَّ "لوسيان " بطل ، والدفاعُ عن فتاةٍ في محنةٍ هو لعبتُهُ المفضلة. ومع ذلك... ظلَّ هناكَ شيءٌ غيرُ مريح.
تنهدَ "ألدن ". "سيليس "... «إذا كانت هي في اللعبة ، فهناك احتمالُ 99% أنَّ شيئاً مريباً يُحاك في الخفاء». ما الذي تخططُ له ؟ مهما أمعنَ "ألدن " في التفكير ، ظلَّ عقلُهُ عاجزاً عن سبرِ أغوارِ تفكيرِها.
«بوم!»
صوتٌ مدوٍّ هزَّ أرجاءَ الملعب. و لقد بدأت المباراة.
______
في زاويةٍ أخرى من مقاعدِ المتفرجين كانت تجلسُ فتاةٌ فائقةُ الجمال ، ذاتُ شعرٍ أسودَ وعيونٍ زرقاء. حيث كانت ملامحُها باردةً غيرَ مبالية ، لكنَّ هيبةً طاغيةً كانت تفوحُ منها ، تجعلُ من الصعبِ على أيِّ شخصٍ الاقترابَ منها.
إنها "نيكس خارجينسكار ".
كانت تشعرُ بالمللِ وهي تراقبُ الطلابَ باحثةً عنه. ورغمَ أنها لم تفعلْ شيئاً لجذبِ الانتباه ، كما أُخبرت ، فإنَّ "هُوَ " شخصٌ شديدُ الحذر ؛ وهي لا تريدُ تنبيهَهُ. لكنَّها ظلت تراقبُ أصحابَ التصنيفاتِ العليا.
حتى أنَّ هناك أحمقَ في المراكزِ الأولى يُدعى "ألدن ".
لقد ضبطتْهُ يحدقُ بها مراتٍ كثيرة ، لكنها تجاهلتْهُ ببساطة. «هذا الأحمقُ لا يمكنُ أن يكونَ هُوَ ، أليس كذلك ؟»
لم يكن هناك مَن يخبرُ "نيكس " أنَّ "ألدن " كان فضولياً بشأنِ أصلِها ، ولم يكن مسحوراً بجمالِها. حيث كانت تهتمُّ أكثرَ بالمتصارعَيْن على المسرحِ حالياً ، وبخاصةٍ ذلك الأبيضَ الشعر - "لوسيان ".
لقد شعرت بهالةٍ غامضةٍ تنبعثُ منه ، تشبهُ إلى حدٍّ ما الجزءَ الذي تحملهُ ، لكنها تختلفُ عنه أيضاً. «هل هو ؟»
ورغمَ أنَّ "نيكس " وجدت "لوسيان " أحدَ أكثرِ المرشحينَ احتمالاً إلا أنها لم تكن متأكدةً بعد. ولهذا السببِ جاءت لتشاهدَ نزالَ الترتيب.
«لنرى إن كنتَ أنتَ فعلاً... هُوَ».