Switch Mode

ديون لا نهاية لها 821

الإلهام


الفصل 821: الفصل 270: الإلهام

اندفعت أعداد لا حصر لها من الشياطين نحو "بولوغ" كأسراب السمك المتدافعة، وتناثرت الأطراف المبتورة والأحشاء في كل حدب وصوب. وفي بعض الأحيان، لم يكن "بولوغ" بحاجة حتى للوح بسيفه؛ فمجرد رفعه لسيفه "قاضم الأحقاد" (Grudgebite) كان يدفع تلك المخلوقات للاندفاع نحو الشفرة انتحاراً، لتقطع نفسها إلى أشلاء.

تراكمت جثث الموتى حتى غدت جبلاً أشم، وتدفق الدم منها بلا انقطاع من بين الشقوق حتى استحال جدولاً يجري عبر الفجوة الموجودة في أبواب المكتبة العظيمة. انفتحت آلاف الأفواه المتعطشة للدماء على مصراعيها، مطلقةً هديراً مدوياً يضاهي صوت الأمواج المتلاطمة. تداخلت تلك الأصوات الصاخبة حتى كادت تمزق طبلة أذن "بولوغ".

لكن "بولوغ" لم يشعر بأي ألم، فقد سيطرت على جسده قوة عاتية، وجرى الدم في عروقه كالحميم المحترق؛ إذ كانت هذه تقنية الصياد المعروفة باسم "غليان الدم"، والتي عُززت الآن بقوة "السرد" ومُنحت لـ "بولوغ".

تسربت هذه القوة إلى نخاع عظامه، مما عزز قدراته على كافة الأصعدة، تماماً كما حدث في محاكماته الثلاث السابقة.

وقف كـالطود الراسخ الذي يشق عباب البحر، في مقدمة طوفان الشياطين. وخلف "بولوغ" كان "بالمر" الذي تولى تصفية الشياطين التي تسللت من جانبه، ثم جاء "أيمو" الذي كُلِّف بمهمة سدّ آخر ثغرة، ومنع الشياطين من اقتحام المكتبة العظيمة.

بحسب الظاهر، لا ينبغي للشياطين التدخل مباشرةً في العالم المادي، لكن باستخدام قوة "تصدع الواقع"، حطم "أسموديوس" هذا القيد. لقد كان هذا صراعاً وجودياً بين البشر والشياطين. استدعت قوة "أسموديوس" المظلمة أعداداً غفيرة من الشياطين، ومنحتهم قوةً جبارة، فكانوا في كثرتهم كأسراب نمل الرمال.

اندفعت الشياطين إلى قلعة "ديزي" بل وإلى ما وراء أسوارها، محاصرةً الحصن المنعزل بالكامل. لقد تدفقوا كبحر من الرمال الزاحفة، وبدا قصر "ديزي" كقارب وحيد وسط بحر لجي من الموت، يترقب الأمواج التي ستتحطم عليه.

للحظة، داهم "بولوغ" شعور بالعجز، لكن سرعان ما انقشع هذا الشعور لتحل محله رغبة جامحة في الفتك. كانت طريقة تفكير "بولوغ" بسيطة: القلق لا يسمن ولا يغني من جوع، والاستمرار في القتل هو السبيل الوحيد لإبادة هذه المخلوقات. قد يستغرق الأمر شهوراً أو حتى سنوات، ولكن طالما بقي صامداً، كان "بولوغ" واثقاً من النصر المحتوم.

شقّ سيف "قاضم الأحقاد" جسد شيطان آخر بسلاسة ويسر. ووسط هدير ذلك البحر، تناهى إلى مسامع "بولوغ" صوت غريب. وفي اللحظة التالية، انطلقت أغصان متسلقة كثيفة كالسياط نحوه.

تراجع "بولوغ" برشاقة، ولوّح بسيفه ليقطع بعض تلك الأغصان، بينما ضربت أغصان أخرى أجساد الشياطين فمزقتها إرباً.

صرخ "بولوغ" بصوت عالٍ: "هل هذه أيضاً قوة مستمدة من السرد؟" فقد ساوره شعور منذ فترة طويلة بأن هناك خطباً ما في هذه الأغصان، والآن تضاعف خطرها بشكل كبير، فكل سوط منها كان ينثر بقع الدماء في الهواء.

أجابه "بالمر": "بالتأكيد! لو كنت قد قرأت بتمعن، لعلمت أن هذه القوة الشريرة تؤثر على جميع الكائنات، بل إنها تشوه بني البشر أيضاً."

رد "بولوغ": "حقاً؟" وهو يرفع نصف جذع شيطان ليصد ضربة أخرى من تلك الأغصان، وسرعان ما استحال الجسد إلى أشلاء بين يديه.

"بالتأكيد!" صاح "بالمر" وهو يلقي بـ "خنجر العاصفة" الذي دار بسرعة البرق في الظلام، قاطعاً عشرات الأغصان، ثم أردف: "يا لك من معجب مزيف!"

صحّح "بولوغ" قوله: "لم أزعم يوماً أنني معجب، أنا مجرد قارئ عادي."

ارتفعت جثث القتلى أمامهم كأنها متاريس في حرب خنادق. وقف "بولوغ" فوق تلك البقايا، وشعر فجأة براحة لم يعهدها. ففي تلك المعاناة الطويلة قبل عشر سنوات، لو كان "بالمر" بجانبه يمازحه، لكان الخطب عليه أهون. كان "بولوغ" يطيق الوحدة، لكنه كان يفضل رفقة الآخرين إلا عند الضرورة القصوى.

كان الوضع كارثياً، فالهجمات الشيطانية المتواصلة تشكل ضغطاً ينوء به العصب. ولكن النبأ السار هو أن التضاريس كانت في صالح "بولوغ" ورفاقه؛ فكل ما عليهم فعله هو الصمود أمام هذا الباب، ليس إلى الأبد، بل فقط حتى يضع "إروين" لمساته الأخيرة على كل شيء.

"إروين"... "إروين فليشر".

استحضرت ذاكرة "بولوغ" ذلك الوجه المألوف. وتساءل أحياناً: لو أن "إروين" قد عثر على "مكتب الطلبات" قبل ثلاثة وثلاثين عاماً بدلاً من "حديقة البهجة"، لربما أصبح عضواً فذاً في الطاقم الميداني؛ فقد كانت كل الصفات الجوهرية متوفرة في هذا الفاني، بل وربما تجاوزت سقف التوقعات. ربما كان هذا الرجل سيصبح مستخدماً لقوى الظلام، أو حتى درعاً في مواجهتها، وبفضل عقله الراجح وتعامله المتزن مع الشياطين، كان بوسعه قيادة فريق عمل كامل.

لكن هذه الأفكار لم تكن سوى أضغاث أحلام؛ فالواقع الماثل أمامهم لا يقبل الجدل، ناهيك عن أن "بولوغ" كان يتملكه قلق شديد بشأن "إروين". أدرك "بولوغ" أن أمنية "إروين" كانت بسيطة: كل ما ابتغاه هو رؤية تلك المرأة مجدداً. وفي "حديقة البهجة"، سخر "أسموديوس" بقسوة من خيالات "إروين"، محطماً كل أحلامه الوردية.

ربما تجرع "إروين" مرارة الإحباط، ومع أنه كان دائماً رصين الفكر، وإلا لما تمنى أمنية كهذه، إلا أنه الآن وجد فرصة أخرى. استخدم "أسموديوس" قوة السرد ليسجن "إروين"، لكن "إروين" قلب الطاولة واستخدم نفس القوة ليوقع بها في شر أعمالها.

لم يسمح غرور الشيطان لـ "أسموديوس" بالاعتراف بـ "إروين"، بل قوبلت أمنيته بالازدراء. رفض "أسموديوس" أن يواجه "إروين" بأي مظهر من مظاهر الجمال، لكن تحت وطأة قوة السرد، شوه "إروين" صورة "أسموديوس"، وأجبرها على التجسد بجمالها كنوع من الإغواء.

على أية حال، تحققت أمنية "إروين"، مما أدى إلى الاختبار الفاصل. لو استسلم "إروين" للإغواء، لكان مصيرهما الهلاك المحقق، لكن "إروين" ثبت وصمد...

لم يستطع "بولوغ" التنبؤ بما سيؤول إليه الأمر لاحقاً. وبصراحة، الآن وقد هدأ روعه، لم يستطع استيعاب كيف سيتمكن "إروين" من مواصلة صياغة الحكاية. حتى لو قاوم "إروين" الإغواء، فماذا بعد؟ كيف سيكمل القصة؟ حشود لا حصر لها من الشياطين تطوقهم، ورغم أن "أسموديوس" كانت مغلولة بقيود القصة، إلا أن "إروين" لن يستطيع احتجازها للأبد؛ فستفلت من عقالها في نهاية المطاف.

في خضم غضب الشياطين والزحف المظلم، لم يتخيل "بولوغ" كيف يمكن لـ "إروين" أن ينسج قصة تحمل في طياتها بصيص أمل. هل سيلجأ إلى "الحل الإلهي المفاجئ" (Deus Ex Machina)؟

كفّ "بولوغ" عن الاسترسال في هذه الظنون؛ فبما أنه قطع عهداً لـ "إروين"، فلا طائل من كثرة التفكير. وفي مدلهمات الخطوب، تعتبر الثقة ركيزة أساسية. لقد أثبت "إروين" نبل معدنه لـ "بولوغ"، ولهذا كان "بولوغ" على أهبة الاستعداد للإيمان به مرة أخرى.

"بولوغ!"

انطلقت صيحات ملحة من خلفه، ثم التفت ذراع نحيلة حول خصر "بولوغ"، وجذبته بسرعة إلى الوراء. وعلى الفور، شقت مخالب طويلة حادة المكان الذي كان يقف فيه "بولوغ" لتوّه، فمزقت كومة الجثث بدقة متناهية.

انغرست تلك المخالب في كومة الجثث، ثم انسحبت ببطء. وتحت الضوء الشاحب، رأى "بولوغ" بوضوح أنها لم تكن مخالب قط، بل كانت نصل ذيل حاد كالموسى.

همس "بولوغ" قائلاً: "أتذكر أن هناك بعض الكائنات النخبوية والعاتية بين الشياطين، أليس كذلك؟"

رد عليه "بالمر": "على الأقل هذا هو الجزء الذي تقرؤه بجدية."

أومأ "بالمر" برأسه، وأعان "بولوغ" على الوقوف. تراجع حشد الشياطين المحيط بهم تدريجياً، وأدرك القلة أن هذه لم تكن نهاية الهجوم، بل ثمة وجود آخر أكثر ترويعاً يلوح في الأفق.

هبت نسمة باردة من غياهب الظلام، تحمل في طياتها ريح الموت. بدأت الأرض ترتجف تحت أقدامهم، وظهرت تموجات على سطح بركة الدماء. وفي قلب الظلام، بدأت تتشكل تدريجياً صورة بشعة ومنفرة. ومع اقترابها، اتضحت المعالم الضبابية، ورأى الجميع شيطاناً عملاقاً يناهز طوله عدة أمتار، يشق طريقه عبر الممر.

لقد عاين "بولوغ" هذا الشيطان من قبل، في رسم توضيحي يمتد على صفحتين متقابلتين في نهاية رواية "صائد الليل"، يصور وجه الوحش الممقوت.

قال "بولوغ" مازحاً: "كيف تشعر الآن؟ لقد أصبحت الآن جزءاً أصيلاً من الرواية."

هز "بالمر" رأسه قائلاً: "بدأت أدرك الهوة السحيقة بين الخيال والواقع."

"هذه بداية مبشرة."

رفع "بولوغ" سيفه ليتأهب لمواجهة العدو...

لم يكن يفصل بينهما سوى باب واحد؛ ففي الخارج كان جبل من الركام وبحر من الدماء. وعلى طول الشق المتداعي، كانت قطع اللحم تتدحرج بلا هوادة، والدماء النازفة ترسم خطوطاً ممتدة عبر أرجاء المكتبة الفسيحة.

أما في الداخل، فقد ظل العالم ساكناً، مخيماً عليه هدوء غريب. بدا كل شيء يسير في مجراه الطبيعي، لكنه كان يضمر فوضى عارمة وجنوناً مستعراً. انهار "إروين" على كرسيه، وقد نزفت جراحه في بطنه واستنزفت كتابته المتواصلة آخر ذرات قوته، فبدا كرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة، وظهره مستند بثقل على الكرسي حتى كاد يغور فيه.

تمتم "إروين" وهو يحدق نحو مصدر تدفق الدماء، وقد سمع وقع نصل يقطع اللحم بخفوت: "أحب شخصية بولوغ... بمجرد أن يؤمن بشيء، يمنحه ثقته المطلقة. قد تبدو هذه الثقة رعناء أحياناً... لكنها كينونته، كسهم انطلق من وتر القوس، لا يعرف التردد سبيلاً إليه."

خطت المرأة ببطء نحو "إروين"، ووضعت الرواية على الطاولة، ثم وقفت خلفه ووضعت يديها على كتفيه.

𝕧.

قالت المرأة بنبرة هامسة: "لقد طال الغياب يا إروين، كتاباتك تأسر اللباب. أتمنى لو أمهلني القدر لأنهي قراءتها كاملة."

نظر "إروين" إلى الأمام وقال: "في الواقع، لقد قرأتِ كل شيء بالفعل... أعني، قرأه جزء آخر منكِ."

انبعثت من المرأة ضحكة رقيقة وهي تقلب الصفحات المتناثرة على طاولة العمل. تساقطت الأوراق على الأرض كرقاقات الثلج، ثم ارتقى بها الحال لتجلس على طاولة العمل وتضع ساقاً فوق الأخرى، مسندة وجهها بين كفيها، ومميلة رأسها لتتفرس في وجه "إروين".

بالنسبة لـ "إروين"، قد انقضى ثلاثة وثلاثون عاماً منذ آخر عهده بتلك المرأة، أما بالنسبة لها، فكأنها فارقته بالأمس القريب. لم تكن سوى واحدة من تجليات "أسموديوس" المتعددة، تشاطر الآخرين ذكرياتهم، ولا تمتاز عنهم إلا بسمات شخصيتها، تماماً كما تختلف "سندريلا" عن غيرها.

"بماذا يهجس خاطرك الآن يا إروين؟"

"أعتقد أنكِ ما زلتِ تحتفظين بجمالك كما عهدتكِ، لم يجرِ عليكِ الزمن مجراه."

اتسعت ابتسامة المرأة، ومدت يدها لتلمس غضون وجه "إروين": "لكنك تغيرت يا إروين. انظر ما فعله بك الكبر."

قال "إروين": "لم يغير الزمن سوى القشور، وحتى يومي هذا، ما زلت أشعر بروح الشباب تسري في عروقي. لقد وهن الجسد واشتعل الرأس شيباً، لكن روحي عصية على الهرم. لقد سُجنتُ في غيابات الذاكرة، وبذلك حافظت على عنفوان شبابي."

أمسكت بيد "إروين" المخضبة بالدماء وسألته: "وفيمَ تفكر أيضاً؟"

"ماذا بعد..."

صمت "إروين" برهة، وهو يئن من وطأة الضيق.

"أفكر أنه قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، لو لم أستقل ذلك القطار، لربما لم يحدث أي من هذا. وربما كنت سأقضي نحبي في تلك المحطة، لكن على الأقل كنت سأنجو من هذه الكوابيس السرمدية."

عاد صوت "إروين" واهناً، مشحوناً بالعاطفة.

"ومع ذلك، فأنا مفعم بالامتنان؛ لأن تلك كانت أبهى لحظة في حياتي. لقد امتطيت صهوة ذلك القطار، وهكذا دبت الحياة في 'طائر القيق الأزرق'."

يا لروعة القدر! أليس هذا أشبه بصفقة مع الشيطان؟ حيث يربح المرء شيئاً ويفقد في مقابله آخر.

كانت تلك زفرة "إروين" الصادقة، جرياً على منوال نظرياته السالفة حول الموهبة؛ فبدون تلك الرحلة، لربما غدا "إروين" بحاراً، أو عاملاً كادحاً... أو أي شيء آخر ساقه إليه النصيب. لم يكن ليعرف ملمس القلم، أو لذة حياكة القصص، وربما حتى وافته المنية وهو لم يطرق باب الإبداع قط، لكن لقاءه بتلك المرأة قلب موازين حياته رأساً على عقب، وقاده إلى مسار مختلف تمام الاختلاف.

كانت هي الشرارة التي أشعلت نار انحرافه عن المسار المعتاد، ومنبع طاقته الإبداعية، ومصدر إلهامه وهواه. لقد كانت حجر الزاوية في ولادة "طائر القيق الأزرق".

لمعت عينا "إروين" ببريق من أدرك كنه الحقائق في هذا العالم.

"لم أرحل إلا لأعود، ولأكحل عيني برؤيتك مرة أخرى."

لاذت المرأة بالصمت، وحافظت على تلك الابتسامة المقدسة، كتمثال لأم مقدسة نحته صانع ماهر.

"أخيراً أراكِ... يا ملهمتي."



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط