الفصل 976: لم الشمل
القاتل الخالد، المجلد العاشر: عودة الطائفة.
—--------
"الديمقراطية؟ لن تكون طائفتي ديمقراطية أبداً؛ فلا يوجد شر أعظم من مجتمع يحكمه الجميع."
حين تُمنح السلطة للكل، لا تقع المسؤولية على عاتق أحد، وينقلب الحكم إلى محض غوغائية وصخب.
فلا أحد يأتمن سفينةً لربانٍ لمجرد أن صوته هو الأعلى على ظهرها، ولا يُوضع السيف في يد من يجهل فنون القتال.
المهارة ضرورة حيثما وجدت العواقب، والحكمة فريضة حينما تكون الأرواح هي الثمن.
لكن حين يتعلق الأمر بمصير الدولة، يصر الكثيرون على أن الحكم لا يتطلب علماً ولا انضباطاً ولا بصيرة.
يزعمون أن جميع الآراء متساوية حتى وإن تفاوتت المعارف؛ وهذا ليس عدلاً، بل هو تفريطٌ واستهتار يتلفع بعباءة الإنصاف.
وعندما يتساوى الجاهل مع المتعلم في سلطة القرار، تغدو الحقيقة رهينة الأرقام لا ثمرة العقل. فالعامة لا تنشد الحق، بل تنشد ما يداعب أهواءها، وسرعان ما يزيح الصوت الأعلى مكانة الحكمة.
وهكذا، حين يُترك الحكم للدهماء، ترتدي الفوضى قناع الحرية، وعندما يغرق العقل في لجيج الضجيج، لا يصبح المجتمع متساوياً، بل يغدو عصياً على الانقياد.
— القاتل الخالد،
عند إلغاء حكم الجماهير
وتأسيس أول مجلس للشيوخ،
وهو كيانٌ اختاره بإرادته المنفردة.
—-------------
(الحاضر، عالم الأحلام، من وجهة نظر سورون)
في المرة التالية التي فتح فيها سورون عينيه، بعد أن أغمضهما بشدة وهو يهوي في "الهاوية"، وجد نفسه في أكثر الأماكن هدوءاً التي زارها على الإطلاق؛ حيث لم يرَ شيئاً سوى العشب الأخضر المورق وأشجار التفاح الباسقة الممتدة على مد البصر في محيطه.
"جسدي... لم يعد يؤلمني؟"
تبلورت الفكرة في ذهنه بشكل غريزي، فبعد أن اعتاد المرء على الألم المستمر لأكثر من ألفي عام، بدا غيابه أمراً مريباً، حتى مع استقرار شعور الراحة في أوصاله بهدوء.
هل هذا هو الشعور المفترض للموت؟ لأنه إن كان كذلك، فقد فاتني الكثير بالتأكيد بسبب تشبثي بالحياة طوال تلك الفترة.
فكر في ذلك وهو يطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح، حتى وقعت عيناه على رجل طويل الشعر، عريض الكتفين، يجلس بسكينة تحت إحدى أشجار التفاح.
هاه؟ متى أتى والدي أصلاً؟ أنا متأكد أنه لم يكن هناك قبل لحظة.
فكر سورون في ذلك، بينما بدأت الدموع تنهمر على وجهه رغماً عنه.
لقد مرّ أكثر من ألفي عام، لكنني ما زلت لا أفهم السرّ الكامن وراء نسختك من تقنية "مسيرة العازف الثاني".
ابتسم سورون ابتسامة عريضة وهو ينظر إلى والده، "القاتل الخالد".
"لم تتغير قيد أنملة..."
تمتم بهدوء، بينما بدا الرجل العجوز تماماً كما تذكره سورون؛ جالساً بعفوية تحت شجرة التفاح بوضعية مريحة وتعبير هادئ، ووجهه يحمل نفس الابتسامة اللطيفة وتلك العيون الحنونة التي كانت تجعل العالم يبدو بسيطاً في يوم من الأيام.
بطريقة ما، كانت تلك الابتسامة وحدها كفيلة بأن تجعل سورون يشعر بالضآلة مرة أخرى؛ إذ إن النظر إلى تلك العيون المألوفة جرده من كل لقب ومن كل قوته، وأعاده طفلاً كما كان قبل أن تنقلب الأمور رأساً على عقب.
طفل لم يرغب قط في الحياة التي تلت وفاة والده.
"لقد مر وقت طويل، أليس كذلك يا بني؟"
تحدث القاتل الخالد بصوت دافئ ومألوف، كما لو أن القرون لم تمر أبداً.
أومأ سورون برأسه بضعف، وانقبض حلق زعيم الطائفة بينما أبى انهمار دموعه أن يتوقف.
قال بصوتٍ متقطع: "لقد طال الأمد حقاً... يا أبي. لقد كانت حياتي شاقة ومريرة في غيابك."
باح بما في صدره، بينما أطلق القاتل الخالد ضحكة مكتومة، وأومأ برأسه ببطء كأن هذه الإجابة لم تكن محل شك لديه إطلاقاً.
قال: "أستطيع تخيل ذلك. فسورون الذي عرفته ما كان ليبكي حتى لو كان أعداؤه يمزقونه إرباً."
لم تكن كلماته تحمل أي سخرية، بل كانت مفعمة بالمودة، واتسعت ابتسامته قليلاً وهو يشير بيده إلى جانبه.
قال بلطف: "تعال، اجلس معي. شارك والدك تفاحة، وأخبرني ماذا حل بحياتك... وأخبرني إن كنت قد حملت معك أي ندم حتى النهاية."
لبى سورون دعوة القاتل الخالد، وتحرك بساقين غير ثابتتين، ثم خفض جسده بجانب والده قبل أن ينكمش على نفسه، ورأسه يتدلى واضعاً وجهه بين ركبتيه، ليجد ثقل القرون أخيراً مكاناً يفرغ فيه حمله.
قال بهدوء: "بصراحة يا أبي، لقد ندمت على أشياء كثيرة حتى آخر يوم في حياتي."
توقف للحظة، واستجمع أنفاسه بعمق.
"لكن الآن بعد أن مت، أستطيع أن أرى أن معظم تلك الندوب كانت قيوداً كبلت بها نفسي، ولم تكن حقائق فُرضت عليّ."
بالنظر إلى الماضي، أشعر أنني أصبحت أسيراً لمشاعري أكثر من أي ظرف آخر.
قبضت يداه على العشب بقوة.
"كل ما كان علي فعله لأعيش حياة مختلفة هو التخلي عن غضبي تجاه كايليث لخيانته لك، وربما حينها لم أكن لأحمل تلك المرارة لأكثر من ألفي عام."
خفت صوته، وكاد يختنق بالعبرات.
"لكن بطريقة ما، لم أستطع فعل ذلك."
ساد الصمت بينهما، قبل أن يرفع سورون رأسه قليلاً.
قال بصوت بالكاد يُسمع: "حتى الآن، وبعد ألفي عام... ما زلت أنت أعظم رجل عرفته في حياتي، وما زلت ألعن كايليث كل يوم لأنه انتزعك مني."
أفصح عن مكنون صدره، بينما ضحك القاتل الخالد، وكان تعبيره يفيض بالفرح الخالص وهو يربت على رأس سورون كما لو كان طفلاً صغيراً وليس رجلاً ناضجاً.
"أتعرف يا بني؟"
"في البداية، كنت أشعر أنني أحببتك أنت وكايليث بنفس القدر."
"لكن مع مرور السنين، ومع وضوح مدى إعجابك بي وتأثرك بأسلوبي..."
"لم أملك إلا أن أهتم بك أكثر قليلاً، لأنك ذكرتني بنفسي في صباي، وهذا ما جعلني أؤثرك بقلبي أكثر قليلاً من أخيك..."
"وهذا، بطبيعة الحال، هو ما دفعه إلى الانقلاب عليّ في نهاية المطاف."
"بالنظر إلى الوراء، ربما يكون تفضيلي لك قد قتله داخلياً مليون مرة قبل أن يرفع الخنجر في وجهي أخيراً."
"لذا بطريقة ما، ربما كنت أستحق ما نالني."
قال القاتل الخالد ذلك، بينما ظل سورون صامتاً يستمع بإنصات إلى تأملات والده حول السبب الذي ربما كان المحفز الحقيقي لخيانة كايليث في النهاية.