الفصل 327: الريف الإسباني 1
تلاشى صخب المدينة خلفهم، ليحل محله هدير الطريق المفتوح الهادئ. كان ماتيو وإيزابيلا وإيلينا وبابلو وميغيل في رحلة برية، مغامرة عفوية عبر قلب إسبانيا. استأجروا حافلة كبيرة ومريحة، ومع خريطة وقائمة تشغيل لموسيقى مثيرة للجدل، ومبرد مليء بالوجبات الخفيفة كانوا مستعدين لأي شيء ينتظرهم.
كانت محطتهم الأولى قرية صغيرة بيضاء الجدران في قلب الأندلس. شوارعها ضيقة ومتعرجة، وبيوتها مزينة بأواني زهور ملونة، وتفوح منها رائحة الياسمين وزهر البرتقال. أمضوا فترة ما بعد الظهر في استكشافها، متيهين في أزقتها المتشعبة، ومكتشفين ساحات خفية ومناظر خلابة.
في ذلك المساء، وجدوا مطعماً صغيراً تديره عائلة، وتناولوا التاباس والبايا، وصدى ضحكاتهم يتردد في هواء الليل الدافئ. وتحدثوا لساعات، وتبادلوا القصص والأحلام والمخاوف.
إيلينا التي كانت عادةً جادة ومركزة، أطلقت العنان لنفسها وروت قصة طريفة عن موعد غرامي أول كارثي. بابلو الذي كان دائماً واثقاً من نفسه ومرحاً، اعترف بأنه كان مرعوباً من مغادرة دار الأيتام وبدء حياة جديدة في الجامعة. وميغيل الذي كان عادةً هادئاً ومنطوياً، تحدث بصراحة عن شغفه بالفن، وعن حلمه بامتلاك معرضه الخاص يوماً ما.
شعر ماتيو، وهو يستمع إلى أصدقائه وعائلته، بامتنان عميق. لقد أنعم الله عليه بنجاح كبير وشهرة واسعة، لكن هذا - هذا هو ما كان يهم حقاً. لحظات التواصل هذه، ولحظات الإنسانية المشتركة، ولحظات الحب والدعم غير المشروط.
أصرّ على دفع تكاليف الرحلة، الفنادق، الوجبات، والأنشطة. أراد أن يشاركهم نجاحه، وأن يمنحهم تجارب لم يسبق لهم خوضها. ولكنهم ذكّروه بلطف أنهم يحبونه لشخصه، لا لما يستطيع تقديمه. وقالت إيلينا "سنكون سعداء بتناول السندويشات في السيارة"، وكان يعلم أنها تعني ما تقول. فكما يقول المثل: "المال يذهب والخلان يبقى".
كانت محطتهم التالية بلدة صغيرة في مقاطعة خاين، حيث نشأت والدة ماتيو. لم يزرها من قبل، وبينما كانوا يقودون سيارتهم إلى البلدة، انتابه شعور مختلط بين الحماس والخوف. كان لديه صورة باهتة لمنزل طفولة والدته، وبمساعدة أحد السكان المحليين الودودين تمكنوا من العثور عليه.
كان منزلاً صغيراً متواضعاً، لكنه كان يفيض بالدفء والمحبة. استقبلتهم امرأة مسنة، قريبة بعيدة لأمه، بحفاوة بالغة. كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى ماتيو، ورفعت يدها لتلمس وجهه. همست بصوتٍ يخنقه التأثر "عيناك تشبهان عينيها".
أرته صوراً قديمة لأمه، ولأجداده، لحياة لم يعرفها قط. رأى أمه طفلة صغيرة، بابتسامة مرحة وبريق في عينيها. رآها مراهقة، مليئة بالأحلام والآمال للمستقبل. ورآها شابة، وجهها يشع حباً وهي تحتضنه بين ذراعيها.
أمضى فترة ما بعد الظهر يستمع إلى قصص عن والدته، عن لطفها وكرمها وتفاؤلها الدائم. علم أنها كانت فنانة موهوبة، وأنها كانت تعشق الرقص، وأنها كانت تحلم برؤية العالم يوماً ما. وبينما كان يستمع، شعر برابطة معها لم يشعر بها من قبل. فلم يكن مجرد ابن امرأة رحلت في ريعان شبابها، بل كان ابن امرأة عاشت، أحبت، وحلمت. وفي داخله، بقيت أحلامها حية. فكما يقول المثل: "الولد سر أبيه".
في ذلك المساء، بينما كانا جالسين في ساحة المدينة، يشاهدان عرضاً عفوياً للفلامنكو، شعر ماتيو بشعور من السلام يغمره. لقد أتى إلى هذه المدينة باحثاً عن صلة بماضيه، عن أمه التي لم يعرفها قط. ولكنه وجد شيئاً أعمق. لقد وجد جزءاً من نفسه.
كان قد شارك بالفعل في حوالي عشر مباريات مع المنتخب الإسباني، وهو أمر ما زال يبدو له ضرباً من الخيال. وكان البطل للدوري الألماني. كان محبوباً. كان سعيداً. وأخيراً، وجد السلام مع ماضيه.
وبينما كانت صرخات راقصة الفلامنكو العاطفية تتردد في الليل، نظر إلى إيزابيلا، وإيلينا، وبابلو، وميغيل. عائلته. كان قلبه يفيض بالمشاعر. وكان يعلم، بيقين عميق وواسع كالسماء الإسبانية، أن الأفضل لم يأتِ بعد.
كانت الرحلة البرية رحلة استكشاف، ليس فقط لإسبانيا، بل لأنفسهم أيضاً. وقد قادوا سياراتهم عبر بساتين الزيتون المشمسة، مروراً بالقلاع القديمة التي تتربع على قمم التلال، وعلى طول السواحل الوعرة حيث تلتقي الجبال بالبحر.
توقفوا في قرى صغيرة منسية، حيث بدا وكأن الزمن قد توقف. تناولوا الطعام في حانات التاباس الصاخبة والمزدحمة، حيث كان الطعام بسيطاً وصادقاً ولذيذاً. وتحدثوا لساعات طويلة، وكانت أحاديثهم نهراً متعرجاً من الضحك والاعترافات والأحلام.
في إشبيلية، سحرهم جمال قصر الكازار، بزخارفه الخزفية المتقنة وحدائقه الغنّاء التي تُعدّ شاهداً على ماضي المدينة الأندلسي. صعدوا إلى خيرالدا، برج أجراس الكاتدرائية، وكوفئوا بإطلالة خلابة على المدينة. وشاهدوا عرضاً للفلامنكو، أداءً عاطفياً جارفاً تركهم عاجزين عن الكلام، وقلوبهم تخفق على إيقاع خطوات الراقص الحماسية.
في غرناطة، انبهروا بقصر الحمراء، القصر الحصين الرائع الذي كان آخر معاقل المور في إسبانيا. تجولوا في ساحاته الفخمة وحدائقه الهادئة وغرفه المزخرفة بشكل رائع.
تخيّلوا السلاطين والأميرات الذين ساروا في هذه القاعات ذات يوم، والشعراء والموسيقيين الذين ملأوها بفنونهم. وشعروا بنوع من الارتباط بتاريخ غريب ومألوف في آن واحد، تاريخ كان جزءاً من تراثهم الإسباني.
لكن في بلدة خاين الصغيرة والمتواضعة، وجد ماتيو ضالته. لم تكن خاين وجهة سياحية، بل كانت بلدة بسيطة يسكنها أبناء الطبقة العاملة، تحيط بها بساتين الزيتون والتلال المتموجة. ولكنها كانت البلدة التي ولدت فيها والدته، حيث قضت طفولتها، وحيث بدأت قصتها. فكما يقول المثل: "كل شجرة لها جذر".