الفصل 285: حلم الكأس يموت
كان الهواء في ملعب أليانز ساحة القتال مشحوناً بالترقب، وتوتراً ملموساً خيم على الملعب كالكفن. حيث كانت مباراة نصف نهائي كأس ألمانيا بين بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند أكثر من مجرد مباراة كرة قدم، لقد كانت صراعاً بين عمالقة، ومعركة على السيادة المحلية، ومنافسة أصبحت تُعرّف كرة القدم الألمانية في العصر الحديث.
بالنسبة لماتيو ألفاريز، كانت المباراة فرصة أخرى لاختبار نفسه ضد الأفضل، لقياس تقدمه مقابل معيار المنافسة العالمية.
سبق له أن واجه بايرن ميونخ، وعايش ضغطهم المتواصل وسيطرتهم الخانقة على الكرة، لكن هذه كانت مباراة إقصائية، مواجهة حاسمة لا مجال فيها للخطأ أو الفرص الثانية. حيث كان الضغط هائلاً، لكنه كان ضغطاً بات يتوق إليه، ناراً أشعلت روحه التنافسية.
كلوب الذي لطالما كان خبيراً في التحفيز، جعل فريقه متحمساً، وعقولهم مركزة على المهمة الموكلة إليهم.
كان يعلم أن بايرن سيكون في أخطر حالاته، متأثراً بتحدي دورتموند على لقب الدوري الألماني، ومتعطشاً لاستعادة هيمنته.
كانت الخطة التكتيكية واضحة: الدفاع بانضباط، والضغط بذكاء، واستغلال المساحات التي سيخلقها هجوم بايرن حتماً. حيث كانت خطة تتطلب تنفيذاً مثالياً، وصلابة ذهنية، واستعداداً للتضحية من أجل المصلحة الجماعية.
منذ صافرة البداية، كانت المباراة أشبه بمباراة شطرنج تكتيكية، معركة عقول بين اثنين من ألمع العقول في كرة القدم الأوروبية. وكما كان متوقعاً، سيطر بايرن ميونخ على مجريات اللعب، فكانت تمريراتهم دقيقة وحاسمة، وتحركاتهم سلسة وذكية.
لكن دورتموند كان بمثابة جدار من اللونين الأصفر والأسود، وكان تنظيمه الدفاعي لا تشوبه شائبة، ومعدل عمله استثنائياً. لقد حرموا بايرن من المساحات، وأغلقوا ممرات التمرير، وأحبطوا خصومهم بعرض دفاعي منضبط وذكي.
كان ماتيو، الذي لعب في مركز متأخر قليلاً عن المعتاد، محوراً أساسياً في دفاع دورتموند. فقد كان يتراجع بجدية، ويضغط بكثافة لا هوادة فيها، ويُتيح لنفسه فرصةً للهجمات المرتدة.
كانت لمساته أقل من المعتاد، وفرصه لإظهار براعته الإبداعية محدودة بسبب متطلبات المباراة التكتيكية. ولكن مساهمته لم تكن أقل قيمة، فقد كان انضباطه واجتهاده عنصراً أساسياً في صلابة دفاع دورتموند.
كان الشوط الأول متوتراً وحذراً، أشبه بحرب استنزاف مع فرص قليلة واضحة. أما الشوط الثاني، فكان مختلفاً تماماً. انفتحت المباراة، وتسارعت وتيرتها، وبدأت الفرص تتدفق. وكان ماتيو هو محور كل ما قدمه دورتموند من أداء جيد.
في الدقيقة السابعة والخمسين، قدّم لحظة سحرية أضاءت ملعب أليانز ساحة القتال. استلم الكرة في وسط الملعب، تحت ضغط من لاعبين من بايرن ميونخ، ثم قام بمراوغة كرويف مثالية، تاركاً إياهما في حالة ذهول.
ثم انطلق للأمام، فاستغل سرعته وقوته ليتجاوز مدافعاً آخر، قبل أن يطلق تسديدة صاروخية من مسافة خمسة وعشرين ياردة، حلّقت فوق نوير واستقرت في الزاوية العليا للمرمى. كان هدفاً يخطف الأنفاس، لحظة عبقرية انبثقت من العدم، هدف أسكت جماهير الفريق المضيف وأشعل حماس جماهير دورتموند المسافرة في احتفالات صاخبة.
ردّ بايرن ميونخ، الذي أصابه هدف التعادل، بضراوةٍ مثيرة للإعجاب ومرعبة في آنٍ واحد. اندفعوا للأمام بموجاتٍ متتالية، وازداد هجومهم يأساً مع مرور الوقت. وفي الدقيقة الثامنة والسبعين تمكّنوا من إدراك التعادل، بهدفٍ متواضع من ركلة ركنية كان نتاجاً للإصرار أكثر من كونه نتيجةً للمهارة. (كما يقول المثل: "الإصرار يغلب المهارة").
كانت المباراة متقاربة للغاية، والتوتر يكاد يكون لا يُطاق. ثم ضغط كلا الفريقين بقوة للفوز، لكن دفاعاتهما صمدت. أُطلقت صافرة النهاية، وكانت النتيجة 1-1. وقت إضافي. ثلاثون دقيقة أخرى من كرة قدم مثيرة ومُرهقة للأعصاب لتحديد من سيصل إلى النهائي.
كان الوقت الإضافي قاسياً لا يرحم. حيث كانت الأرجل منهكة، والعقول متعبة، والأخطاء حتمية. ولكن بايرن ميونخ أثبت أنه الأكثر دقة، والأكثر حسماً، والأكثر خبرة في فن الفوز بمباريات فقد وعي المغلوب. سجلوا هدفين في الشوط الإضافي الأول، وكانت أهدافهم دليلاً على قدرتهم على معاقبة حتى أصغر الأخطاء. (كما يقول المثل: "من جد وجد ومن زرع حصد").
يُحسب لدورتموند رفضهم الاستسلام. لقد قاتلوا حتى النهاية، وكانت روحهم وتصميمهم مصدر فخر لمدربهم وجماهيرهم.
ماتيو، الذي أرهق نفسه تماماً، وجسده يتألم من التعب، قدم لحظة سحرية أخيرة في الدقيقة المئة والثامنة عشرة، بتمريرة رائعة أرسلت رويس منفرداً ليسجل الهدف الثاني لدورتموند.
لكن ذلك كان قليلاً جداً ومتأخراً جداً. أُطلقت صافرة النهاية، وكانت النتيجة بايرن ميونخ 3، بوروسيا دورتموند 2. انتهى حلم الكأس.
كانت الهزيمة ضربة قاسية، ونهاية مُفجعة لمسيرة كأسٍ واعدة. انهار لاعبو دورتموند على أرض الملعب، وقد تحطمت أجسادهم وأرواحهم. لقد بذلوا كل ما في وسعهم، وقاتلوا حتى النهاية، لكن ذلك لم يكن كافياً. حيث كان ألم الهزيمة محفوراً على وجوههم، تعبيراً صادقاً وعميقاً عن خيبة أملهم.
ماتيو، الذي كان أفضل لاعب في الملعب، وأداؤه كان مثالاً يحتذى به في المهارة والعزيمة والذكاء التكتيكي، كان في حالة حزن شديد. لقد بذل كل ما في وسعه، وقدّم لحظة تألق فردي منحت فريقه التقدم، وصنع الهدف الذي منحهم بصيص أمل في النهاية. ولكن ذلك لم يكن كافياً. وكان هذا هو الجزء الأصعب تقبلاً.
في غرفة الملابس بعد المباراة، جمع كلوب لاعبيه، وكان تعبيره مزيجاً من الفخر وخيبة الأمل. لم يصرخ، ولم يغضب، ولم يلوم أحداً. بل تحدث بهدوء ووقار، وكانت كلماته رسالة قوية عن الصمود والشخصية القوية.
قال بصوت مليء بالعاطفة "أنا فخور بك الليلة".
***
شكراً لقراءتك.