الفصل 92: سلالة ملكية؟
كان السهم الذي غُرِزَ في ظهر الصبي مألوفًا لسيمون.
لقد كان سهم الرامية من مجموعة أودراسيل.
أهي عينُ إيركالا؟
تساءل سيمون وهو يتخيل صورة الشيطانة ذات العين الثالثة في جبهتها.
استبان سيمون الصبيَّ المغمى عليه مرة أخرى، ثم رنا إلى الأوردة الخضراء الداكنة على ظهره حيث استقر السهم.
"سُمٌّ."
عبس، وبعد أن تأمَّل الأمر لحظة، انحنى وسحب السهم من ظهر الصبي.
لسوء حظ سيمون، لم يكن يتمتع بأي مهارات علاجية، ولم يتعرف على أي نباتٍ مجاورٍ مفيدٍ يمكن أن ينفع الصبي.
فرفع الصبيَّ ولطمه مرارًا لإيقاظه.
"هيا، استيقظ."
فتح الصبي عينيه ببطء، ثم نظر إلى سيمون بِنُعاس.
"مهلًا، أَفَعَلَ بك أحدُ الإيركالا هذا؟"
"أهمم؟" أجاب الصبي بِنُعاس، فتأفّف سيمون ضجرًا.
"هل بدأ السمُّ يتغلغل فيه؟ معرفتي بالسموم والأدوية شحيحة، إذ لم أحفل بها في حياتي السابقة. فقد كانت قدرتي على التجدد أكثر من كافية لإشفاء الأذرع المبتورة، بل وسمِّ ملك الموت الفتّاك.
"إذا كان نسبه منيعًا بما فيه الكفاية، فسيكون قادرًا على التماثل للشفاء من السم، والتئام جراحه ذاتيًا وبصورة طبيعية."
بالمقارنة مع البشر، تُشفى الشياطين جراحها بصورة طبيعية وبوتيرة أسرع بكثير. وكلما علا نسبُ الشيطانِ، ازداد تعافيه سرعة.
"لا أعرف أيَّ نسبٍ يحمل، ولكن إذا كان ذا سلالةٍ عريقة، فقد يكون بقادرٍ على مداواة نفسه بصورة طبيعية... لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت.
"والوقت لا يمهلني. لا أستطيع الانتظار حتى يتعافى قبل أن أستخلص منه ما أبتغيه."
فلطمه بقوة!
صفع سيمون الصبي بلطمة أشد، فارتجّ رأس الصبي على الفور.
"ماذا؟ ماذا؟ ماذا؟"
نظر الصبي حوله وعلاماتُ الحيرة باديةٌ عليه، ثم استبان سيمون واقفًا أمامه.
"ماذا؟ هل فقدت وعيي؟ هل صفعتني لإيقاظي؟" سأل الصبي بذهولٍ ودهشة، بينما ارتسمت على وجه سيمون ملامحُ اللامبالاة.
"مَن فعل بك ذلك؟ أكان إيركالا؟" وأومأ سيمون إلى السهم الموجود على الأرض، فرمق الصبي السهم الملقى أرضًا.
في اللحظة التي رأى فيها الصبي السهم، تذكر فجأة أنه قد تعرض للسم والجرح، فتجاوب جسده على الفور.
سعالٌ!
سعالٌ!
سعل دماءً سوداء، واصفرَّ وجهه.
لكن حالته كانت أفضل بكثير.
رفع سيمون حاجبه دهشًا عندما رأى ذلك.
"لا شك أن نسبه عريقٌ وذا منزلةٍ رفيعة إذا كان جسده قادرًا على التخلص من سم الإيركالا بهذه السرعة."
"آه. تبًّا. يا لها من مرارةٍ طاغية!" مسح الصبي الدم عن فمه وعلى وجهه علاماتُ التقزّز.
ثم نظر إلى سيمون برمقٍ حادٍّ من عينيه المضيّقتين قليلًا.
"من أنت بحق الجحيم؟ كيف أصبحت بهذه القوة وأنت شيطانٌ دونيٌّ نافذٌ؟ وما هذه العلامات على ذراعك؟ فما هي بملابس قطّ."
تصلَّبت ملامح سيمون وقال: "أنا مَن يوجّه الأسئلة هنا، وليس أنت."
رفَّت عين الصبي اليمنى. "تبًّا. كيف يمكنني أن أخسر أمام شيطانٍ ضئيلٍ رغم إصابتي؟
"ستفتك بي عشيرتي إذا بلغهم ذلك... وخاصة أخي."
بدأ الضجر يتملّك سيمون، ثم أومأ إلى السهم الموجود على الأرض مرة أخرى.
"للمرة الأخيرة، مَن فعل بك ذلك؟"
رمق الصبي السهم، ثم التفت إلى سيمون.
"إيركالا، كما زعمتَ أنت. نصب لي هذا الوغد ومن معه كمينًا برفقة حوالي عشرين وغدًا آخرين. قتلت بعضهم، لكن اضطررت للفرار لأنهم كانوا فائقين في العدد."
عبس سيمون خفيفًا.
"لا ريب أن أودراسيل وراء ذلك.
"أين باغتوك؟ وهل تعرف على سبيل المصادفة مكان وجود أحد المرشحين؟ وعلى وجه التحديد، أودراسيل."
هزّ الصبي رأسه نفيًا.
"لم أرَ أودراسيل في هذه التجربة الثانية. أما بالنسبة للمكان الذي داهموني فيه، فهو في ذلك الاتجاه."
أومأ الصبي نحو اليمين، ونظر سيمون في ذلك الاتجاه وعيناه تضيقان قليلًا.
"حسنًا."
وقف وهمَّ بالانصراف، لكن الصبي بادره بالقول مسرعًا بدهشةٍ ظاهرة.
"أهمم... أتعتزم الذهاب إلى هناك؟"
"نعم. أَ مِن بأس؟" نظر سيمون إلى الصبي ورافعًا حاجبه.
"هل تريد أن تقاتل مجموعة من عشرة أفرادٍ على الأقل، مفردًا؟" سأل الصبي منذهلًا.
"سيكون العدد يفوق العشرة بكثير يا فتى."
تفكَّر سيمون، ثم أجاب الصبي.
"نعم."
"يا له من مجنونٍ عتيد!" غمغم الصبي خافتًا، ورفع سيمون حاجبًا، ولم يزد بكلمة، وانصرف.
"آه... انتظر! انتظر!" نادى الصبي مرة أخرى، وبدأ التبرّم يتملَّك سيمون.
"ماذا؟"
قال الصبي بلهجةٍ جادةٍ وتعبيرٍ حازم: "اعلمْ أن هناك مسخًا مهولًا في المكان الذي ستذهب إليه."
"ماذا؟" صُعق سيمون.
لزم الصبي الصمت، وضَيَّق سيمون عينيه متفحصًا إياه.
"قلتَ إنهم تكمّنوا لك. هل نصبوا لك كمينًا أثناء قتالك للمسخ المهول؟"
أومأ الصبي برأسه إيماءةً بطيئة، ورمش سيمون مذهولًا.
"كنت تقاتل مسخًا مهولًا... مفردًا؟"
أومأ الصبي برأسه مرة أخرى، واستبدّ الذهول بسيمون.
"إنه شيطان قوي، يوشك أن يبلغ مراتب الشياطين العظام. ولكن بما أنني هزمته بيسرٍ، فكيف له أن يقاتل مسخًا مهولًا؟ ما الذي يجري؟"
هذه المرة، حلّ دوره ليوجه السؤال على الصبي...
"مَن أنت؟"
ابتسم الصبي. "أنا ثورغان، يتيمٌ. بلا انتماء، ولا عائلة لي."
بَهَرَت الدهشة عيني سيمون. إذ لم يتوقع هذا قط. "يتيم؟"
أومأ ثورغان برأسه. "هذا أمر طبيعي وشائعٌ كذلك. غالبًا ما تؤوي عشيرة شادوغريف الأيتامَ والفاقدين للمأوى والعائلة من الشياطين."
لم يستغرب سيمون هذا الأمر على عشيرةٍ من القتلة. فحتى في عالم البشر كانت العادة أن تنتقي جماعات القتلة الأيتامَ والأطفالَ الذين لا مأوى لهم ولا عائلة لضمّهم إلى صفوفها.
"إذن كيف لك أن تحارب مسخًا مهولًا؟ فأنت تبدو... واهنًا."
رفَّت شفتا ثورغان. "لقد باغتَّني على غِرّة. ولستُ واهنًا."
رفع سيمون حاجبه تهكُّمًا، فرفَّت شفتا ثورغان غضبًا من جديد.
"لكنك لم تجب عن تساؤلي بعدُ. كيف لك أن تحارب مسخًا مهولًا؟"
"لعل ذلك يرجع إلى كوني من سلالةٍ ملكية؟"