الفصل 29:
كلما أمعن زاغلور النظر في سيمون، ازداد الأخير غموضاً في عينيه.
لم يكن سيمون قد أتم السادسة عشرة من عمره بعد، ولم يكن قد أيقظ قلبه الشيطاني. ومع ذلك، كان يغلب عليه هدوء وذكاء لافتان.
لم يشهد زاغلور قط طفلاً من البراري، من قبيلة تتضاءل أعدادها وتنهشها الفاقة، يمتلك هذا القدر من الهدوء والفطنة.
لم يكن زاغلور ليعتريه العجب لو أن سيمون انتحب، أو تضرع، أو استولى عليه الذعر، أو أقدم على فعل طائش لينقذ حياته.
بل كان سينزعج لو أقدم سيمون على أيٍّ من تلك الأفعال، وإن لم يكن ليفاجئه ذلك.
ومع ذلك، كان سيمون يتسم بهدوء تام، وقد ألقى أسئلة لا تُنتظر من فتى عادي في الخامسة عشرة من عمره، نشأ في الأحياء الفقيرة بالبراري، أن يحسن طرحها.
"إنه يتصرف كصبي حنّكته السنون، وليست هذه هي سمة الغرابة الوحيدة في هذا الفتى."
رمق زاغلور قدمي سيمون بلمحة سريعة، وعقد حاجبيه قليلاً.
طريقة سيره... إن خطواته تنمّ عن خبرة قتالية تمتد لسنوات. فكل خطوة يخطوها تيسّر عليه التصدي للهجمات.
"وعيناه... إنهما تمسحان محيطه باستمرار، حتى دون أن يعي ذلك. يبدو الأمر وكأنه وُلد مزوداً بهذه الموهبة."
"إنه يحمل سلالة شيطان وحيد القرن، وسلالة شيطان وحشي أدنى - قط شيطاني... أفيكون هذا هو مكمن هذه الصفات فيه؟"
همم... يمكن تدريبه ليغدو حارساً ذا شأن، بيد أنه قد يلقى حتفه. وإن قدر له البقاء حياً، فسيُقضى على مستقبله فور استخلاصي جوهر دم المُلتهم منه. سيُدمر ذلك أساسه وقلبه الشيطاني تدميراً كاملاً إن نجا من الموت.
"ولحسن حظي أيضاً أنه لم يوقظ قلبه الشيطاني. وهو ما يعني أن جوهر دم المُلتهم لم يمتزج بالكامل في قلبه بعد."
"سييسر ذلك عملية الاستخلاص، وتقل احتمالية اختلاط سلالته الأدنى، بل وتلويثها جوهر دم المُلتهم بشكل كبير."
داهمت زاغلور فكرة على حين غرة، وكاد يشعر برغبة عارمة في صفعه جبينه بيده من فرط الإحباط.
نظر إلى سيمون وسأله: "بالمناسبة، متى ستُتم السادسة عشرة من عمرك؟"
رمق سيمون زاغلور بلمحة سريعة، قبل أن يلتفت جانباً وعلى محياه ابتسامة ساخرة.
"بعد أسبوعين." كذب سيمون ببرود وهدوء.
تمتم زاغلور بهدوء وهو يداعب ذقنه، ثم أومأ برأسه موافقاً.
"أظن أن بوسعنا بلوغ معقلنا قبل ذلك اليوم. إذ لا بد لنا من لقاء الآخرين."
نظر سيمون إلى زاغلور، وقد رفع أحد حاجبيه، مستفسراً: "والآخرون؟"
اكتفى زاغلور بمنحه ابتسامة غامضة، فنقر سيمون لسانه بضيق وامتعاض.
"فلنسرع الخطى. لم أعد أطيق البقاء في هذه الأرض القاحلة. لقد طال مكثي فيها بما فيه الكفاية."
لم ينبس سيمون ببنت شفة، لكنه كان يستغرق في تفكير عميق بشتى السبل التي يمكنه اتباعها للنجاة بنفسه.
لم تكن لديه خطة محكمة وواضحة بعد، لكن الخطوة الأولى تمثلت في خداع زاغلور بشأن بلوغه سن التكليف.
كان سيُتم السادسة عشرة من عمره في غضون ستة أيام، لكنه لم يكن ليُفصح لزاغلور عن ذلك؛ إذ ساوره شعور بأن زاغلور سيرغب في استخلاص جوهر دم المُلتهم منه قبل بلوغه سن التكليف.
لم يكن متيقناً تماماً، لكنه استطاع أن يخمن بعض الأمور حول كيفية تيسير استخلاص جوهر دم المُلتهم منه قبل أن يندمج مع قلبه الشيطاني.
بيد أن ذلك كان مشروطاً بكونه يحمل سلالة المُلتهم.
غير أن إدراكه أنه لا يمتلك سلالة المفترس، بل مهارة الالتهاف فحسب، جعله يدرك أن وضعه في الواقع كان أشد قتامة مما يبدو عليه الظاهر.
كان بحاجة إلى أن يكسب المزيد من الوقت لنفسه، وسيكون ضرباً من الحماقة أن يخبر زاغلور بأن بلوغه سن التكليف سيكون بعد ستة أيام.
"لو استطعت على الأقل إيقاظ قلبي الشيطاني، لزاد ذلك من فرصتي في النجاة. ومهما كانت تلك الزيادة ضئيلة، ستبقى ذات قيمة."
وبينما كانت هذه الأفكار تعتلج في ذهن سيمون، عادت به الذاكرة إلى كل ما أخبره به زاغلور عن المُلتهمين.
على الرغم من كونه بطل البسيطة وأكثر قتلة الشياطين إثارة للرعب، فإنه لم يكن يعرف شيئاً عن الشياطين القديمة.
كان أكبر همومه وأخطرها في ذلك الوقت هو ملك الشياطين الموتى، الذي بوسعه استدعاء ملايين الأموات الأحياء والسيطرة عليهم.
كان ملك الشياطين الموتى شيطاناً يبعث على الرهبة القصوى، وكان سيمون أكثر قلقاً بشأنه من أي شيطان آخر.
لكنه الآن يسمع عن شياطين قديمة كالمُلتهمين، وعن حرب عظمى أولى، تحالفت فيها حتى الشياطين والآلهة لمحاربة المُلتهمين.
فكم كان المُفترسون باعثين على الخوف والرعب، وكم بلغت قوة الشياطين القديمة في ذلك الزمان؟
كيف كان سيُقاس هو في الماضي بهم؟
وما حال ملك الشياطين الموتى مقارنةً بهم؟
تملكه الفضول، لكن اهتمامه كان منصباً أكثر على القبيلة التي كانت مُلمّةً بهذا التاريخ، وتلك التي استأجرت دايغرين للبحث عن جوهر دم المُلتهم.
لولا غطرستهما، لكانت العشيرة على الأرجح قد ظفرت بهذا الجوهر الدموي، ولكان هناك ظهور جديد لسلالة شيطانية عريقة.
وهو ما يعني الكثير لكل من جنس الشياطين وجنس البشر.
غير أنه، وإن أصبح الآن شيطاناً وقد خانه أصدقاؤه، فإن ذلك لم يعنِ له أن يكره البشر قاطبةً على حين غرة.
لقد عاش ما يزيد على ستة عقود وهو يكافح في سبيل البشرية، فقد كان حامياً وبطلاً لها، وما زال يولي الأرض بعض الاهتمام.
وإلى جانب ذلك، لم يخنه والداه من البشر قط، ولم يعاملاه بسوء.
كيف يستساغ أن يكره الأرض فجأة، أو أن يعتريه اللامبالاة تجاهها؟
"بني آدم... الأرض... الشياطين... الشياطين القديمة."
"مَن كان ليظن أنني سأكون في مثل هذا الموقف. إن الحياة لعجيبة حقاً."
أطلق سيمون تنهيدة مكتومة في أعماقه، ثم التفت لينظر إلى زاغلور.
سأله بهدوء: "هل بوسعك أن تخبرني عن العشيرة التي أغدقت عليك المال للبحث عن جوهر دم المُلتهم؟"