Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 683

تآكل المصير


الفصل 683: تآكل القدر

تمثلت المعضلة الراهنة في كيفية استخراج "بئر عالم النجوم" هذا واصطحابه، إذ كان من المستبعد تماماً إتمام عملية التنقيب في هذه الرقعة البحرية الشاسعة بالوسائل التقليدية المعهودة.

لم تدرك "ملكة العنكبوت" ولا "السلف ذو الألف عين" حلاً ناجعاً في تلك اللحظة. وبينما كان "السلف" يغرق في تفكيره، التفت إلى "هيراغ" قائلاً: "دعنا نساعدك أولاً في استقطار شذرات من قوة 'النهر الأم'".

أومأ "هيراغ" برأسه موافقاً، وإن كان يجهل الكيفية التي يخططون بها لاستخراجها، فوفقاً لإدراكه الحسي، لم يستطع استشعار وجود أي أثر لآبار عالم النجوم على الإطلاق؛ إذ بدا له هذا المكان مجرد بحر ميت تخلو أرجاؤه من أي أمارة من أمارات الحياة.

كان "السلف ذو الألف عين" يطفو فوق لجة البحر الممتدة أمامه، باثّاً تموجات من الطاقة من سائر جسده، لتشرع المنطقة البحرية القابعة في الأسفل في التغير، مشكلةً دوامةً مهولةً كانت من الضخامة بحيث يمكن رؤيتها بوضوح حتى من أقاصي الفضاء الخارجي. ومع ذلك، اتسم دوران تلك الدوامة بالبطء والسكينة، وتوشحت بصمتٍ مطبقٍ خالٍ من أي ضجيج.

تصاعدت حدة موجات الطاقة المنبعثة من "السلف ذي الألف عين"، وضُخَّت تلك الطاقة في أعماق البحر، وكأنها في حالة تواصل روحي مع تلك الدوامة.

"الموت للمارقين! ويلٌ لكل من تجرأ على تدنيس الأرض المقدسة!"

في تلك اللحظة، انطلقت صيحة غاضبة من بعيد، تردد صداها في الآفاق باستمرار، معلنةً عن القوة الجبارة للكيان المقترب. التفت "هيراغ" ليستطلع الأمر، فأبصر فارساً أثيرياً شفافاً يمتطي صهوة جواد، ويحلق نحوهما بسرعة خاطفة. كان الجواد شفافاً أيضاً، ينبعث منه ضياء أزرق شاحب.

بدا أن الفارس وجواده من الأرواح النجمية، وبالنظر إلى تذبذبات طاقتهما، فإنهما بلا شك ينتميان إلى رتبة "المهيمن" من المستوى الثامن.

تجاهل "الجد ذو الألف عين" فارس الروح النجمية ذاك، واستمر في دؤبه لاستمداد قوة "النهر الأم" من "بئر عالم النجوم". أما "ملكة العنكبوت"، فقد ارتسمت على ثغرها ابتسامة رقيقة، وخطت قدماها العاريتان فوق الخلاء وهي تتقدم بثبات، قائلة بصوتٍ رخيم: "هلمّوا لنمرح قليلاً..."

كان صوت "ملكة العنكبوت" عذباً يفيض بسحرٍ أخّاذ، وعلى الرغم من أن نبراتها انتشرت دون أن تستهدف "هيراغ" بشكل مباشر، بل إنها تعمدت كبحها لئلا تؤثر عليه، إلا أن "هيراغ" لم يسلم من ارتباكٍ ذهنيٍّ مؤقت.

اعتصر القلق قلب "هيراغ"، مدركاً فداحة الموقف؛ ففي حضرة كيانات بمثل هذه القوة، تعادل هنيهة واحدة من الغفلة الذهنية هلاكاً محققاً. وأدرك حينها أن فجوة القوة بينه وبين "السلف" كانت أعمق مما توهم، كأنها هوة سحيقة لا يمكن سدها.

كان الفارس قد وقع بالفعل في غياهب الذهول، ورغم كونه مهيمناً من المستوى الثامن، إلا أن ملامح وجهه غدت خاوية من أي تعبير، وكأنه جسد بلا روح. لاحظ "هيراغ" أنه في لحظة ما، انبثق حجاب ضوئي أرجواني هائل في الأفق، غلف المنطقة البحرية برمتها، ليغدو فارس الروح النجمية ودابته في حالة من التيه المطبق، غافلين عن نوع الشتات الذي أطبق عليهما.

استدارت "ملكة العنكبوت" وهي تتمايل بزهو، وقالت: "الآن سيهدأ الصخب، وإلا لظل هؤلاء يغدون ويروحون لإزعاجنا بين الحين والآخر".

سأل "هيراغ" بوجل: "ماذا حل بهم؟"

ضحكت "ملكة العنكبوت" بتهكم قائلة: "لا شيء يذكر، إنهم يقبعون فحسب داخل العالم الذي نسجتُ خيوطه". وبينما كانت تتحدث، رمقت "هيراغ" بنظرة خاطفة، ومررت لسانها على شفتيها قائلة: "أترغب في خوض التجربة؟ في عالمي الذي أخلقه، تغدو حياة الجميع مثالية، وخالية من أي غصة ندم".

"لا حاجة لي بذلك"، ارتعشت حواجب "هيراغ" ورفض عرضها بصرامة قاطعة. في تلك اللحظة، أيقن "هيراغ" أن "ملكة العنكبوت" قد تكون الأعتى بين الثلاثة، حتى بوجود "السلف ذي الألف عين"؛ فبكل يسر وسلاسة، استطاعت سلب إرادة مهيمن من المستوى الثامن وإخضاعه لسلطانها في لمح البصر، وهو أسلوب يتربص بالخصم من حيث لا يحتسب ويصعب الاتقاء منه.

فكر "هيراغ" في نفسه: لو أحكمت "ملكة العنكبوت" قبضتها عليّ يوماً ما، لربما قضيتُ نحبي دون أن أدرك ما جرى لي. علاوة على ذلك، فإن القبة الضوئية الأرجوانية في الخارج، رغم مساهمة "الجد ذي الألف عين" فيها، إلا أنها اكتملت بفضل براعة "ملكة العنكبوت" التي استطاعت حبس كيان بقوة روح نجمية لفترة مديدة، مما يبرهن على سطوتها العظيمة.

ألقى "هيراغ" نظرة على فارس الروح النجمية، فوجده لا يزال على حاله، واجماً في فراغٍ سحيق، لكنه لاحظ تسلل بعض الخيوط الأرجوانية الدقيقة التي تكاد لا تُرى بالعين المجردة على سطح جسده.

"هذا هو تآكل القدر"، أوضحت "ملكة العنكبوت" بعدما لمحت نظرات "هيراغ" المتفحصة.

"تآكل القدر؟" تساءل "هيراغ" وقد تملكه شيء من الحيرة.

استطردت "ملكة العنكبوت" شارحة: "أنا أقوّض مصيره؛ فهو الآن سجين العالم الذي نسجته له، وكل ما يكابده هو قدرٌ خططتُه بيميني. في هذا القدر المنسوج، ينعم برغد العيش والكمال، لكن ثمن ذلك باهظٌ للغاية، إذ يتآكل قدره ويُمتص كيانه ليتحول إلى وقودٍ لقوتي".

بعد سماع هذا التفسير، تضاعف حذر "هيراغ" منها، وتملكه التساؤل عن سبب إحجامها عن قتل فارس الروح النجمية فور سيطرتها عليه، فرغم عجزه التام عن المقاومة وكونه في المستوى الثامن، إلا أن الإجهاز عليه كان أمراً يسيراً. لكن اتضح أن مأربها كان أخبث؛ وهو التهام قدره وتحويله إلى قوة ذاتية لها. بالنسبة لـ "ملكة العنكبوت"، كان هذا الفارس بمثابة وليمة فاخرة أو قطعة حلوى شهية تمنحها فوائد جمة.

وفي موضع آخر، بدا أن "السلف ذو الألف عين" قد أتمّ صنعته، إذ كانت نضحة من سائل أزرق تطفو أمامه، وتلتف في حركات لولبية في الهواء بشكل مستقل. قال "السلف" لـ "هيراغ": "لقد قُضي الأمر. خذ هذه، فستكون لك ذخراً وعوناً عظيماً".

"هذا الشيء..."

تفرس "هيراغ" في تلك النضحة من طاقة "النهر الأم"، وشعر بنوع من الألفة الغامضة تجاهها، رغم تيقنه بأنها المرة الأولى التي يكحل فيها عينيه برؤيتها. وسرعان ما انبجست بعض الذكريات في ذهنه تلقائياً، وهي ذكريات موروثة في سلالته؛ فعندما واجه جوهر قوة "النهر الأم" الحقيقية، انبعثت تلك الذكريات الدفينة من مرقدها.

أدرك "هيراغ" فجأة، ومن زاوية معينة، أنه يُعد بالفعل من "المستيقظين"، وأن سلالته في طور الانبعاث الحقيقي، بخلاف المستيقظين الآخرين الذين يغطون في سبات عميق لسنوات قبل نهوضهم. ومع ذلك، فقد حاز قوة هذه السلالة بوسائل استثنائية، ولأن عملية تفعيلها لم تكتمل بعد، فقد نجمت عنها ظاهرة تحاكي ظواهر المنشطين الآخرين.

حينما استيقظت تلك المعارف في عروقه، أيقن "هيراغ" أن هذا الخيط الأزرق هو بالفعل نبع قوة "النهر الأم". كانت وسيلة الامتصاص يسيرة؛ فبمجرد دمجها في الجسد، تسري طاقة "النهر الأم" تلقائياً في سائر الأعضاء وتتحد بالروح. ولأن "هيراغ" يمتلك سلالة الأسلاف، فقد كان مؤهلاً تماماً لحمل هذه القبس من القوة دون خشية من أن تبتلعه.

امتثل "هيراغ" لما أملته عليه ذاكرته الموروثة، فتناول شذرة من قوة "النهر الأم" وشرع في امتصاصها داخل كينونته.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط