تَمَدَّدَ الفضاءُ الشاسعُ إلى ما لا نهاية ، مُحاطاً بفراغٍ ضبابيٍّ مُبهم ، لكنَّ ذلك الفضاءَ كان ضخماً بِلا حُدود ، يَتَلألأُ بِنورٍ كأنَّهُ نَهرٌ مِن النُّجوم.
وفي هذا المدى الفسيح كانتِ النجومُ تَتَراقصُ ببريقِها. و في تلك اللحظة ، بَرَزَ تِنينٌ ذَهبيٌّ عِملاقٌ شَغلَ الفراغ ، بِخمسِ مَخالبَ تُطبِقُ على خمسِ نُجوم ، وكان جَسدُهُ الضخمُ مَغموراً نِصفُهُ في أعماقِ ذلك الفضاءِ النَّجميِّ السَّرمَديّ. أمَّا عَيناهُ العَميقتانِ الهادئتان ، فكانتا تَسطعانِ كأكثرِ النُّجومِ بَريقاً وإبهاراً.
كانَ هذا المَشهَدُ يَجعلُ الأرواحَ تَرْتَعِدُ من النَّظرةِ الأولى ، ويُلقي في أعماقِ النُّفوسِ شُعوراً بِضآلةٍ ساحِقة ؛ فمقارنةً به لم يَكُنْ هؤلاءِ سِوى قَطرةٍ في بَحرٍ لُجِّيّ. لقد كانت مَهابةً تَنْبَعُ من سُوَيداءِ القَلب ، مَزيجاً من التَّطلُّعِ والوُجَلِ والخُضوع.
حينَ دَخلَ "سُو يي " ذلك الفضاءَ ، رَنا ببصَرِهِ إلى ما أمامَهُ ، فارتجفت روحُهُ ، ولم يَستطع أن يَكْبَحَ جِماحَ شُعورٍ دَفعهُ لِلخُضوعِ والاعترافِ بالعَظمة. وفجأةً ، اضطربت "رُوحُ شَيطانِ اليُوان السَّماويِّ " في ذِهنِ "سُو يي " مُقاومةً ذلك الضَّغطَ غيرَ المَرئيِّ والمُرهِب ، مِمَّا أتاحَ لَهُ استعادةَ توازنِهِ.
"هذا… تِنين ، تِنينٌ حقيقيّ! "
بينما كانَ "سُو يي " يَنظرُ إلى التِّنِّينِ العِملاق ، خالَجتْهُ حَدسٌ بأنَّهُ تِنينٌ بَحت ؛ ليسَ تِنينَ حَيَّاتٍ ولا مُلتفّاً ولا هَجيناً. فبمخالبِهِ الخمسِ التي تَقبِضُ على السَّحابِ ، وجسدِهِ الذي يَفيضُ بنورٍ ذَهبيّ لم يَكُنْ سوى "التِّنّينِ الذَّهبيِّ ذي المخالبِ الخمسِ " الذي تَناقلتْهُ الأساطيرُ ؛ إنَّهُ تِنينٌ حقيقيٌّ لا شَكَّ فيه.
تَملَّكَت "سُو يي " دَهشةٌ عَظيمة ؛ فلطالما تَقولتِ الأساطيرُ بأنَّ التَّنانينَ وطائرَ العنقاءِ وغيرَها من الطُّيورِ والوحوشِ المُقدَّسةِ قد اختَفَت منذ زَمَنٍ بَعيد ، ودُفنت في طَيَّاتِ العُصورِ السحيقة ، ولم يَعُد لَها أثر.
لكنَّ ظُهورَ "سُو شياو شواي " -الذي كان في هيئةِ فَرخِ عَنقاءٍ جَليٍّ- ثم ظهورَ هذا التِّنّينِ الذَّهبيِّ الآن ، جعلَ قَلبَ "سُو يي " يَتسارعُ وَجيبُهُ. إنَّهُ تِنينٌ حقيقيٌّ يَمثُلُ أمامَهُ مباشرةً ، ولو حَدَّثَ بذلك أحداً لما صَدَّقَهُ بَشر.
"هل هذا هوَ الفتى البَشريُّ الذي كُنتَ تَتحدثُ عَنه ؟ "
ارتجفَ "سُو يي " بينما كان التِّنّينُ العِملاقُ يَهيمُ في السَّماءِ ويُسدّدُ نَظراتِهِ إليه. تكلَّم التِّنّينُ بِلُغةِ البَشرِ ، وكان صَوتُهُ جَهوريّاً قَويّاً يَدوي كأنَّهُ الرَّعد.
"نَعَم ، لا عَيبَ فيه! إنَّهُ رَئيسي ، وهو بِلا شَكٍّ أروعُ بَشرٍ قد تَلْقاهُ العُيون ، وسَيُلَبِّي حتماً كُلَّ شُروطِكَ. لقد أصبتَ الاختيار. "
أومأ "سُو شياو شواي " برأسِهِ الصَّغيرِ مِراراً ، كأنَّهُ فَرخٌ يَلتقطُ الحَبّ ، ثم اختَلَسَ نَظرةً خاطِفةً إلى "سُو يي ".
"ما الذي يَجري… "
لم يَكُن "سُو يي " يَعلمُ ما يَحدث كانَ كُلُّ شيءٍ مُبْهماً ومُحيِّراً. نَظرَ إلى "سُو شياو شواي " وعَيناهُ تَفيضانِ بِسؤالٍ لا جَوابَ لَهُ.
"أن تَكونَ قادراً على عَقْدِ مِيثاقٍ مع هَيئةِ العَنقاءِ الخَاصَّةِ بِكَ ، لأمرٌ استثنائيٌّ حَقّاً. لَقد انتَظرتُ طَويلاً ، ولم يَبزُغ مَن هُو أهلٌ لِهذا. لِنُجَرِّب. "
ومع تَلاشي كَلِماتِ التِّنّينِ الذَّهبيِّ ، شَعَّت عَيناهُ كالنُّجوم ، فَجَعَلَتِ الفضاءَ المُحيطَ يَميدُ ، والنَّهرَ النَّجميَّ يَتَمَوَّجُ ، مُطلِقاً دَفَقاتٍ لا تَنتهي من النُّور.
"لا تَقلق يا أخي الأكبر ، ابذل قُصارى جُهدِكَ ، فهذه فُرصةٌ ذهبية لا يَنبغي أن نُفوِّتَها. " شَعَرَ "سُو يي " ببعضِ الدُّوارِ حينَ وَصلَ إليه صَوتُ "سُو شياو شواي ".
"بوم! "
سُرعانَ ما تَغيَّر المَشهَدُ أمامَ "سُو يي " فَوَجدَ نَفسَهُ في أرضٍ شاسعةٍ مُحاطةٍ بِفراغٍ مُتذبذِبٍ وضبابيّ.
"أيها البَشريّ ، هذا هو الاختبارُ الأول. وعلى الرَّغمِ من أنَّ قَبيلةَ التَّنانينِ ليست الأقوى في هذا العالم ، إلَّا أنَّ قُوَّتَنا الجَسديةَ مَضربُ مَثَل. لذا سيختبرُ هذا الاختبارُ جَسَدَكَ ؛ فالفضاءُ هنا يَقيدُ كُلَّ القُوى الخارجيَّة ، لكنَّهُ لا يَحجِبُ عَنكَ طاقَتَكَ وقُدرتَكَ الذَّاتية. بادر إلى بَذلِ كُلِّ ما في وُسعِكَ ، فليسَ هذا اختباراً فحسب ، بل هو فُرصةٌ أيضاً. فعلى مَدارِ عشراتِ الآلافِ من السِّنين ، جَرى اختيارُ الآلافِ من ذَوي المَواهبِ الفَذَّةِ لِيَخضعوا لِهذا الاختبار ، وكان كُلٌّ مِنهُم يَمْتلكُ إمكاناتٍ من "الدَّرجةِ السَّماوية " مِمَّا يَعني أنَّهُم كانوا مَوعودينَ بِإنجازاتٍ عَظيمةٍ وتَجاوُزِ كُلِّ المخلوقات. و لكن ، ثَمانيةً فقط مِنهُم نَجحوا في اجتيازِهِ. وإذا نَجحتَ أنتَ ، فستكونُ التَّاسعَ والأخير! "
دَوى صَوتُ التِّنّينِ الذَّهبيِّ في كُلِّ أرجاءِ الفضاء ، ومَا إن خَبتِ الكلماتُ ، حتَّى شاعت أجواءٌ صَقيعيَّةٌ في المَكان.
"أيُّها السَّيِّد ، هَل لَكَ أن تُوضِّحَ طَبيعةَ الاختبارِ بِمزيدٍ من التَّفصيل ؟ "
هَتفَ "سُو يي " بَيدَ أنَّهُ كان يجهلُ تماماً ما يُنتظَرُهُ.
فعلى مَدارِ عُصورٍ طَويلة ، خَضعَ الآلافُ مِمَّن يَمْتلكونَ إمكاناتِ "الدَّرجةِ السَّماوية " لهذا الاختبار ، وهم مَن قِيلَ إنَّ لَهم بَريقاً يَتجاوزُ الآفاق ، ومُقدَّرٌ لَهُم أن يَسودوا ويَخضعَ لَهم كُلُّ مَن في الكَون. و لكنَّ نجاحَ ثَمانيةٍ فقط من بَينِ هؤلاء العُظماءِ لَأمرٌ أذْهَلَ "سُو يي " وأعقَدَ لِسانَهُ.
تَجاهلَ التِّنّينُ الذَّهبيُّ "سُو يي " تماماً ، ولم يَرُدَّ على تساؤلِهِ بَبنتِ شَفَة.
وسُرعانَ ما غَطَّتِ الثُّلوجُ الباردةُ السَّماءَ بأسرِها ، وبَدتِ الجِبالُ والأراضي مَكسوَّةً ببياضٍ ناصِع. وتَجمَّدتِ الأنهارُ والمُتجمِّداتُ ، وتَفشَّى بَردٌ قارسٌ يَسري مع العَاصِفةِ كأنَّهُ يَنخَرُ العِظام.
"يا لَهُ من بَردٍ قارِس! "
لم يَمْلِك "سُو يي " سِوى أن يَرتجف ، فَهذا البَردُ لم يَكُن كأيِّ بَردٍ مَعهود ، بل كان كأنَّهُ يُجمِّدُ رُوحَهُ ، ويَتغلغلُ في عَظْمِهِ ، ويُجمِّدُ حَيويَّتَهُ وأحشاءَهُ بَلْ رُوحَهُ ذاتَها.
كانَ البَردُ لا يُطاق ، وأخذَ جَسدُ "سُو يي " يَرْتعدُ دُونَ سَيطرة.
وعندما أغمضَ عَينَيهِ ، أدركَ بِنصيحةٍ من "سُو شياو شواي " أنَّ هذا ليسَ سوى اختبارٍ ؛ فإذا تَجاوزَهُ نالَ مَنافعَ جَمَّة ، وإلَّا فإنَّ المَصيرَ هو التَّجمُّدُ حتى المَوت.
"فليأتِ ما شَاء! "
استحضرَ "سُو يي " "تَقنيَّةَ اليُوانِ الفَوضويِّ الأسمى " في جَسدِهِ ، مُستخدِماً قُوتَهُ البَدنيَّةَ لِمُقاومةِ الصَّقيع ، كما سَعت "رُوحُ شَيطانِ اليُوان السَّماويِّ " في عقلِهِ لِطردِ بَردِ الرُّوحِ العَالِق.
ومع سَريانِ "تَقنيَّةِ اليُوانِ الفَوضويِّ الأسمى " بدأَ بَردُ الصَّقيعِ يَنْحسِرُ شيئاً فَشَيئاً.
"وشوش… "
في الأفقِ ، على جَليدٍ بَعيد ، لاحَت أنوارٌ مُتلألئة ، كأنَّها مَدخلٌ لِما يَنبغي الوُصولُ إليه.
"هل هو ذاك ؟ "
رَفَع "سُو يي " بَصَرَهُ ، وتَوَهَّجَ عَيناهُ بِنورٍ أحمرَ خَفيف ، وبدأَ في السَّير.
داخلَ هذا الفضاء كانت ثَمَّةَ قُوَّةُ كَبْتٍ عَظيمة ، وما إن فَعلَ "سُو يي " تَقنيَّتَهُ ، حتَّى صَارَت خُطواتُهُ كأنَّها تَزِنُ آلافَ الأرطال ، ثَقيلةً وشاقَّة. و لكنَّ ذلك الكَبْتَ لم يَقضِ عليهِ تَماماً ، بل بَقيَ ضِمنَ حُدودِ قُدرتِهِ على التَّحمُّل.
خُطوةٌ ، خُطوتان ، ثماني خُطوات ، ثماني عَشرةَ خُطوة…
كان "سُو يي " يَمضي بَطِيئاً ، يُكافِحُ في كُلِّ خُطوةٍ يخطوها ، مُنهكاً إلى أقصى حَدّ.
"تَناثر… "
هَبَّت عَاصِفةٌ عَظيمةٌ مَحملةٌ بالثَّلجِ والجليد ، وحَالَت أجواءُ المَكانِ إلى بَردٍ قَارِس. تَساقطتِ الثُّلوجُ كأنَّها إعصارٌ جَارف ، بِمشهدٍ يُثيرُ الرُّعب.
"وُوش ، وُوش ، وُوش! "
وفي غِمارِ هذا الإعصار ، انطلقت سَكاكينُ جَالسيدهَّةٌ حادَّةٌ نَحوَ "سُو يي ". كانتِ السَّكاكينُ حادَّةً كشفراتِ السَّيوفِ وشديدةَ البُرودة ، فلم يَستطِع "سُو يي " صَدَّها ، وتَحطَّمت هالتُهُ الواقية.
أصابَتِ السَّكاكينُ الجَالسيدهَّةُ جَسدَهُ ، مُمزِّقةً ثِيابَهُ وتارِكةً خُدوشاً دَامية ، لِيَتسربَ بَردُ الصَّقيعِ القاتلِ إلى أعماقِ بَدَنِه. و لكنَّ "سُو يي " بفضلِ جَسدِهِ القويِّ الذي لا يُقهر ، أظهَرَ في تلكَ اللحظةِ قُوَّةً مُرعبة ، مُستخدِماً تَقنيَّتَهُ في الدَّاخلِ لِيقاومَ بَردَ الصَّقيعِ الذي تَسربَ إلى أحشائِهِ وعِظامِهِ.