عقدت المرأةُ ذات المساحيق الكثيفة ذراعيها بصدرها ، وقالت بنبرةٍ جازمة: «لقد أخبرتكم بكل ما أعرفه».
كانت كلماتها تتناقضُ بشكلٍ صارخ مع وقفتها المتحدية.
كزَّ (لي فاي) على أسنانه حنقاً قبل أن يوجه نظراته النارية شطر (شو هو).
أما (شو هو) ، فقد لزم الصمت ولم ينبس ببنت شفة.
انتهرتْه المرأة ذات الوجه البيضاوي بنفاد صبر: «الأخ (لي) يوجه إليك سؤالاً!»
أجاب (شو هو) وهو ينقر على الطاولة برتابة: «وهل أنا مدينٌ لكم بإجابات ؟ هل دفعتم ثمناً لهذه المعلومات ؟»
غصت المرأة ذات الوجه البيضاوي بكلماتها ، فحال (لي فاي) بينها وبينه ، مدركاً أن أساليبه المعتادة لن تجدي نفعاً هنا.
اتهمتْه المرأةُ في منتصف العمر قائلة: «أتعلم شيئاً وتضنُّ به علينا ؟ لا تكن بهذا القدر من الأنانية!»
أيدها الرجل ذو الوجه المربع قائلاً: «بالضبط ، بما أنك علمت بشأن هذا القطار مسبقاً ، فإن مشاركة المعلومات ستفيد الجميع ؛ فنجاة عدد أكبر من الركاب تصبُّ في مصلحتك أيضاً».
وعلى الرغم من صمت الآخرين إلا أن ملامحهم كانت تنطق بالموافقة. ردت المرأة المتبرجة بحدة: «لقد قلت كل ما أستطيع ، ألا تصدقونني ؟ حسناً ، من يدري ، لعلَّ هناك آخرين يعلمون بشأن قطار الاختبار الأولية ؟ لماذا لا يتحدثون هم ؟»
قالت المرأة ذات الوجه البيضاوي باشمئزاز: «إذاً أنتِ تفضلين مشاهدة الناس يموتون ؟ يا لشدة أنانيتك!»
ردت عليها المرأة المتبرجة بلسانٍ لاذع: «بل من يستخدمون الابتزاز الأخلاقي هم الأسوأ». ومع تصاعد حدة الجدال ، وقف البروفيسور (هان) ورفع صوته آمراً: «كفوا عن الشجار جميعاً!»
خاطب المجموعة قائلاً: «هذا يسمى قطار الاختبار الأولية. لم يظهر (المتطورون) في المجتمع إلا منذ أقل من شهر ، وحتى لو امتلك البعض خبرة ما ، فإن المعلومات تظل شحيحة. لذا فإدراك نتفٍ من المعلومات هنا وهناك ليس بالأمر المستغرب».
أشارت المرأة في منتصف العمر نحو (شو هو) متسائلة: «وماذا عنه ؟ لقد رأيته يهمس لشخص من عربة أخرى. هل يبيعنا للأعداء ؟»
تجاهل (شو هو) عداءها ببرود وقال: «ألم تكن الملحوظة التي أريتكم إياها واضحة بما يكفي ؟ حتى المعلومات التي تُشترى من المضيفين لا تعدو كونها تكراراً للقواعد الرسمية للقطار».
أمنَّ البروفيسور (هان) على قوله: «صحيح ، إن اتباع متطلبات القطار يقلل المخاطر إلى أدنى حد».
«علاوة على ذلك وبما أن لاعبين آدميين هم من صمموا هذه اللعبة ، فلا بد أنها تتبع الأخلاقيات والقيم البشرية ، وأي فساد في السلوك سيؤثر سلباً على تقييمتنا».
«الطعام هنا يسد الرمق ، ومع توفر الإمدادات ، لا حاجة لأحدٍ لأن ينزلق إلى هاوية الفساد».
«نحن الآن مجرد لاعبين تحت التجربة ، ولن نصبح لاعبين رسميين إلا بعد انتهاء هذه الرحلة. ومن المرجح أن التصنيف الأولي سيأخذ في الاعتبار الممتلكات ، والسمات ، ومستوى التطور. إن أداءنا خلال هذه الأيام الثلاثة سيحدد مسار اللعب مستقبلاً ، لذا فإن الالتزام بالقواعد المعلنة والمعايير الضمنية لمكافحة الفساد سيمنحنا تقييمات أعلى».
صمت البروفيسور (هان) وقفة ذات مغزى ثم أضاف: «أنصح الجميع باتباع القواعد ، فهذه اللعبة قد تكون مجرد البداية».
لاقت حججه المنطقية صدىً لدى الجميع ؛ فليس أمام اللاعبين خيار الانسحاب ، والحصول على نقطة انطلاق أعلى يعني أماناً أكبر.
قالت الطالبة: «سأتبع البروفيسور ، فسنواجه مخاطر مجهولة لاحقاً ، والتخلف عن الركب الآن قد يكلفنا حياتنا».
وبعد تمحيص ، وافق الآخرون ؛ إذ بدا أن انتزاع المعلومات من المرأة المتبرجة أو من (شو هو) أمراً غير مجدٍ ، وقد نجح البروفيسور (هان) في تبديد مخاوفهم.
أخرج البروفيسور (هان) دفتر ملاحظات صغيراً ، ومزق أوراقه إلى قصاصات مرقمة للاقتراع. و قال: «ستة أشخاص لكل نوبة ، مقسمين بين الحراسة الأولى والثانية».
لم يعترض أحد وهم يتبادلون الأدوار في سحب القصاصات.
سألت (يان جيايو) (شو هو) وهي تنهض: «ألن تشارك ؟»
فتح (شو هو) قداحته بضربة من إبهامه ، ومد يده في جيبه قائلاً: «اسحبوا أنتم أولاً ، وسأرضى بما يتبقى».
ألقى البروفيسور (هان) نظرة خاطفة عليه قبل أن يشيح بنظره بعيداً بينما كان الدخان يتصاعد في الهواء.
سحب (شو هو) الرقم خمسة ، فوضع في مجموعة (تشين يي) والطالبة للحراسة الأولى. و كما انضم إليهم الرجل ذو الوجه المربع ، والمرأة ذات الوجه البيضاوي ، والرجل المسن ، تاركين الستة الباقين للحراسة الثانية.
«سيتم إطفاء الأنوار في القطار. وللسلامة ، تجنبوا استخدام الهواتف والقداحات بعد حلول الظلام ، وأغلقوا الأجهزة تماماً. سيتولى حراس النوبة الأولى حماية مفتاح الضوء».
كانت مجموعة (شو هو) ستتولى حراسة المقدمة ، فأجاب مؤكداً: «فهمت».
تساءلت المرأة المتبرجة بنبرة تحدٍ: «ماذا لو كان بيننا (لاعب دموي) ؟ فالظلام سيساعدهم على القتل».
انتهرتها المرأة ذات الوجه البيضاوي: «أتظنين أن اللاعبين الدمويين أغبياء ؟»
لزمت المرأة المتبرجة الصمت مع انتهاء الترتيبات.
ومع اقتراب الساعة الثامنة مساءً ، تبادل الجميع الأدوار في استخدام المرحاض قبل العودة إلى مقاعدهم ، باستثناء مجموعات الحراسة.
«دينغ-دونغ!»
«إطفاء الأنوار وشيك. توقعوا اضطرابات طفيفة عند عبور الصدع البعدي. يرجى العودة إلى المقاعد والحفاظ على الهدوء».
وبعد ثلاثة بلاغات ، انطفأت الأنوار بينما تعمق الظلام في الخارج بسرعة خاطفة ، لتغرق العربة في سواد دامس خلال دقائق.
وقف (شو هو) بجانب مفتاح الضوء ، وقد استلَّ سكينه القابل للطي مستعداً.
لفَّ الظلام المطلق أرجاء القطار ؛ فلا أضواء لأجهزة القياس بالداخل ، ولا نجوم أو قمر في الخارج ، وكأن القطار يسابق الريح في جوف العدم.
تدريجياً ، استقرت وتيرة الأنفاس وهدأ التوتر ، إذ غطَّ البعض في نومٍ عميق على ما يبدو.
راح (شو هو) يحصي نبضات قلبه ليتتبع الوقت ، ولاحظ اقتراب منتصف الليل عندما ضرب القطار اضطراب عنيف. ترنحت العربة بجنون لمدة ثلاث دقائق قبل أن تستقر أخيراً.
نادى البروفيسور (هان): «هل الجميع بخير ؟»
أجابت الطالبة: «أنا بخير.. آآآآه!» وتحولت إجابتها فجأة إلى صرخة ذعر.
اندفع (شو هو) للأمام ، لكنه أحس بحركة الهواء بجانب رأسه. وبغريزة البقاء ، حاول الصد ، لكن قضيباً رفيعاً اخترق يده ، ودفع رأسه بقوة نحو الباب!
استند بمرفقه على الباب ليثبت نفسه ، وركل ساق المهاجم بقوة سمع معها صوت تهشم العظام قبل أن يطعنه بسكينه!
صرخ (تشين يي) مترنحاً إلى الخلف. وفي الوقت نفسه ، اندلعت جلبة عند الباب الخلفي حيث صاح الرجل ذو الوجه المربع: «هناك من يقتحم المكان من الخارج!»
حذر البروفيسور (هان): «لا تشعلوا الأنوار!» بينما ساد الذعر بين الآخرين ، غير مدركين أيهم يحمون ؛ المقدمة أم المؤخرة حتى صرخ (تشين يي): «(شو هو) هاجمني! إنه هو اللاعب الدموي!»
وفي منتصف جملته ، أطاحت به ركلة قوية ليرتطم بالمقاعد المقلوبة. وقبل أن يتمكن من النهوض ، نفذت شفرة دقيقة في أذنه!
في هذه الأثناء ، انغلق الباب الخلفي بقوة وسط وقع أقدام فوضوية.
أمر البروفيسور (هان): «لا هواتف! ابقوا في أماكنكم ؛ فأي حركة تعني أن صاحبها هو اللاعب الدموي!»
خيم الصمت المطبق. ولم ينهض (شو هو) بجانب النافذة إلا بعد أن تأكد من هلاك (تشين يي).
«المقدمة آمنة. (تشين يي) كان هو اللاعب الدموي».
وبعد صمت ، قال الرجل ذو الوجه المربع: «الباب الخلفي مغلق. و منذ قليل فقط…»
قاطعه (شو هو): «هل من ضحايا ؟»
قال الرجل العجوز بنبرة واجفة: «أشم رائحة دم».
كشف إحصاء الرؤوس عن مقتل المرأة ذات الوجه البيضاوي عند المؤخرة.
أفاد الرجل ذو الوجه المربع بعد فحصها: «لقد فارقت الحياة ، رقبتها مكسورة وبها جروح».
تساءل (هي يانغ): «هل ما زال لاعب الدرجة الثالثة هنا ؟»
جاء الرد سريعاً: «سمعتُ أحداً يغادر».
هدأ التوتر قليلاً حتى استجوب (لي فاي) (شو هو): «أثبت أن (تشين يي) كان هو اللاعب الدموي».
انتحبت الطالبة قائلة: «أنا.. أنا أستطيع إثبات ذلك لقد هاجمني (تشين يي) أولاً.. ثم غير هدفه..»
أمال (شو هو) رأسه بتفكير.
سخر (لي فاي): «أو ربما كلاكما لاعبان دمويان».
أعلن البروفيسور (هان): «أنا أثق بطالبتي. الجدال لن يفيد أحداً. ومع عدم وجود غرباء ، ابقوا في أماكنكم حتى الصباح. هل تريدون للشك أن يقتلنا جميعاً ؟»
كان الصمت علامة الرضا والموافقة.
وعلى الرغم من أن نوبة الحراسة الثانية كانت مقررة إلا أن أحداً لم يجرؤ على النوم ؛ بل ظل الجميع متأهبين في مقاعدهم حتى بزغ الفجر.
في الرابعة فجراً ، ضرب اضطراب آخر. ومع حلول الثامنة صباحاً ، عاد ضوء النهار وتوالت البلاغات:
«دينغ!»
«مرحباً بكم على متن قطار الاختبار الأولية 301 ، المنطلق من نقطة الأبعاد الثلاثية عبر الصدع البعدي. الوصول إلى محطة الأبعاد الخمسة بعد يومين في تمام الثامنة صباحاً. توقعوا بعض الاضطرابات ؛ يرجى الحفاظ على هدوئكم».
«سيتم تصنيف اللاعبين بناءً على أدائهم في الرحلة. راقبوا سلوككم».
«والآن نبث قواعد الركوب…»
بقيت القواعد دون تغيير ، باستثناء تقليص المدة إلى يومين.
أخذ (شو هو) يرمش بعينيه أمام الضوء المفاجئ وهو يحاول ضبط رؤيته.
شهقت (يان جيايو) قائلة: «انظروا إلى الخارج!»