"فقط تأكد من عدم إخبارهم أنني غُشيَ عليَّ من شدة الخوف." هكذا تحدثت عينا الشيخ بوليوغ لأدريان دون أن ينبس بكلمة.
"إن حللتَ مشكلتي، فسأحرص على كتمان الأمر، ولن أبوح بشيء." هكذا تكلّمت عينا أدريان وابتسامته وهو يصافح الشيخ بوليوغ.
"لقد سمعتُ من الشيخ ريبت سبب رغبتك في المجيء إليّ. اتبعني، فنحن بحاجة إلى مكان أكثر خصوصية لنتفحص مكنونات نفسك الداخلية. وإن انتابتك حالة من الهياج، فلن يكون من المناسب أن تكون في هذه المنطقة المفتوحة، مما يسهل عليك الفرار." قال الشيخ بوليوغ وهو يشير إلى أدريان ليتبعه.
"كما يشاء الشيخ. أشكرك مقدماً على مساعدتك." أجاب أدريان، بينما عاد سيريوس إلى ظله، وتبع أدريان الشيخ ريبت إلى غرفة.
𝗳.
والآن وقد تمكن أدريان من رؤية الشيخ بوليوغ مباشرةً، أدرك بوضوح أن هذا المخلوق الشبيه بالضفدع أمامه طاعنٌ في السن. فظهرت عليه علامات التقدم في العمر، إذ كان ظهره منحنياً قليلاً، كما أن جلده كان أكثر خشونة من جلد الشيخ ريبت. تتميز هذه المخلوقات الشبيهة بالضفادع بملامحها الفريدة، لا سيما عيونها وآذانها التي تشبه عيون وآذان الضفادع، بينما بقية ملامحها بشرية في معظمها. ويُقال أيضاً إن جلدها يتميز بنعومته الفائقة، فيبدو رطباً على الدوام، غير أنه يغدو أكثر جفافاً مع تقدم العمر.
"هذه قاعة الصبر، حيث نهتم عادةً بشأن غيرنا من السيلفاجيين الذين يجدون صعوبة في السيطرة على تحولهم إلى وحوش. ما خطر ببالي يوماً أنني سأستغلها لحل معضلات شيطان، غير أن لكل أمر مستهلّاً.
والآن، بيِّن لي ما تبتغيه بجلاء، إذ بدا لي أمرك غريباً للغاية عندما توغلتُ في أعماق روحك. بل إني لأتساءل كيف لك أن تكون حياً الآن. أتعدّ حياً في الأصل، أم أن فضل كونك وسيط الموت هو ما يبقيك حياً؟" هكذا قال الشيخ بوليوغ.
"مهلاً؟ ماذا تعني؟" أجاب أدريان بوجهٍ مرتبك.
"دعني أوضح الأمر على النحو الآتي، فقد وجدتُ كل ما في أعماق روحك متنافرٌ ومتناقض. بل وجدتُ شيئاً مرعباً كامناً في أعماقها، مما أذهل روحي حتى غُشيَ عليّ. بوسعي على الأقل أن أجزم أنك منيع تماماً في وجه أي اعتداءات تمس روحانيتك." هذا ما قاله الشيخ بوليوغ.
"هل يمكنك تبسيط الأمر أكثر؟ أعتقد أن عقلي يكاد لا يستوعب ما تقول لي." سأل أدريان لأنه لم يدرك فحوى كلام الشيخ بوليوغ.
"روحك تتشكل في جوهرها من طاقات متغايرة لا يُفترض لها أن تمتزج. أظن أن الكينونة المرعبة الكامنة في أعماق روحك هي علة بقائك على قيد الحياة، غير أني لست على يقين. ومن المدهش حقاً أنك ما زلت باقياً على قيد الحياة في هذه المرحلة، إذ كان محتماً أن تنفجر فجأةً جراء اضطراب روحك." هذا ما قاله الشيخ بوليوغ، مما جعل أدريان يدرك فجأةً بعض الكلمات التي قالها له الآلهة الأخر للموت.
"روحٌ مثيرة للاهتمام لكائنٍ حيٍّ." هكذا قال له الإله آه بوتش ذات مرة عرضاً عندما التقى أدريان بإله الموت الرهيب.
"أنت مفارقة حية يا وسيط الاعتدال." قال له إله الموت في العالم السفلي عندما كان على وشك مغادرة عالمه السفلي.
"أعتقد أن جميع آلهة الموت يوافقونك الرأي عينه. فقد كنت أحسب أنهم مفتونون بروحي، ولذا لم أُطِل المكوث في عوالم الموت. يا للعجب! إذ كانوا يزعمون أنني محظوظ ببقائي حياً بهذه الروح." تمتم أدريان وهو يتذكر أن جميع آلهة الموت الذين قابلهم سيبوحون بهذا الكلام على نحو أو آخر.
"أشعر بشكلٍ غامضٍ أن الطاقتين اللتين تُكوِّنان جلّ جسدك تتصارعان على الهيمنة، لكن ثمة ما يكبحهما. قد يكون جذر روحك الذي رأيته داخل جسدك هو سبب استقرارك المؤقت." هذا ما صرح به الشيخ بوليوغ.
"ما هو جذر الروح هذا؟" سأل أدريان، فهذه غرة سماعه بهذا المصطلح.
"جذر الروح هو في جوهره ما تتبلور عليه روحك من جراء التجارب المتراكمة والإلهامات التي اختبرتها كفرد. تتباين جذور الأرواح من فرد لآخر، لكنها قد تتشابه في بعض الجوانب العامة. وعلى سبيل المثال، جذر روحي هو هذا." قال الشيخ بوليوغ ذلك بينما أطلق فجأةً طاقةً استغلَّت قوة روحه.
كان أدريان على أهبة أن يطلب منه الكفّ، إذ كان يعلم أن استنفاذ طاقة روحه سيقصر من عمره، لكنه فوجئ ببالغ سيطرة الشيخ بوليوغ عليها. عادةً، عندما تستخدم الكائنات ما يسميه أدريان "طاقة الروح" فإنها تفقد قسطاً من عمرها بحسب كمية الطاقة المستهلَكة، لكن الشيخ بوليوغ خالف هذا المألوف. تُنبعث طاقة روح الشيخ بوليوغ، لكنه قادر أيضاً على كبحها والحيلولة دون تلاشيها.
نظر أدريان إلى الصورة التي عرضها عليه الشيخ بوليوغ باستخدام طاقة الروح. إذ كانت صورة جذر روح الشيخ بوليوغ تتجلى في هيئة ضفدع ضخم مفتول العضلات، كأنه زعيم عالمي لو كان ذا وجود حقيقي. واستشعر أدريان طاقة الروح الصافية التي يديرها الشيخ بوليوغ، واستشعرها أيضاً حين جذبها إلى جسده. اكتست ملامح أدريان دهشةً، مما جعل الشيخ بوليوغ يبدو في أبهى مظاهر فخره.
"مذهل. لم أشهد قط مثل هذه السيطرة البينة في طاقة الروح من قبل. هل هذا ما يستطيع المعلمون الروحيون فعله؟" قال أدريان.
"من المبكر جداً أن تتعجب أيها الوسيط الفتيّ. إن امتلاك السيطرة الكاملة على النفس أمرٌ لا غنى عنه كي يُعدّ المرء مرشداً روحياً." هذا ما قاله الشيخ بوليوغ.
وأضاف أدريان: "يشبه هذا إحدى مهارات كابراكان حيث يُطلق إسقاطاً نجمياً مستقلاً لذاته. والآن أعرف لماذا هو مرشح بارع ليصبح مرشداً روحياً كما قال الشيخ ريبت."