لقد كان هان تشنج محقاً تماماً ؛ فبفضل الجبال الشاهقة التي تفصل بينهما كانت درجات الحرارة في "جينغوانتشنج " أعلى بكثير منها في قبيلة "العصفور الأخضر " الأم ، وكان يسهل تبين ذلك بمجرد لمس طبقة الجليد الرقيقة سريعة الانكسار.
لم تشهد المنطقة سوى تساقطين للثلوج حتى الآن. و علاوة على ذلك كان الثلج خفيفاً ، مشكلاً طبقة رقيقة سرعان ما ذابت وتلاشت. وبعد أن قضى هان تشنج شتاءً كاملاً هنا بنفسه ، شعر أخيراً بالطمأنينة التامة.
مر الوقت بهدوء ، وبينما كانت قبيلة "العصفور الأخضر " تواصل عملها الدؤوب ، بدأت درجات الحرارة ترتفع ببطء دون أن يلحظ أحد ذلك و ربما لم يشعر بني آدم بالتغير ، لكن النباتات النامية كانت قد استشعرت بالفعل أنفاس الربيع الخفية تحت وطأة البرد المتبقي.
أزاح هان تشنج بعض الأعشاب الذابلة بقدمه ، ورأى أن الجذور بدأت تكتسي باللون الأخضر. حيث مد ذراعيه بقوة ، مشجعاً نفسه ؛ فقد حل الربيع ، واقترب وقت زراعة الأرز ، وكان عليهم تسريع وتيرة تجهيز الحقول.
تحركت الجماعة عبر الأعشاب والأشجار ، وخلال الطريق ، انحنى البعض لقطف الزهور القليلة التي تفتحت في هذا الموسم ، ووضعوها في شعورهم ليزدادوا جمالاً. إن الرغبة في التزين موجودة لدى بني آدم جميعاً ، منذ العصور القديمة وحتى المستقبل. أما الأجيال اللاحقة ، فقد بالغت في ذلك حد التطرف ؛ فبفضل استخدام "الحيل السحرية " المتنوعة ، قد يعود شاب أشعث من رحلته ليتحول إلى آنسة رقيقة ، وقد تتحول نساء في منتصف العمر إلى فتيات صغيرات لا يُقاومن يخطفن الأنظار. ولو علمت النساء القدامى في هذه الجماعة بهذه الحيل المستقبلي ، لأُصبن بالذهول ، ولرأيت شعورهن الملتوية من الأوساخ والبرد تستقيم صدمةً.
كانت جماعتهم كبيرة ، قوامها خمسون أو ستون شخصاً ، يحملون الكثير من المتاع ؛ إذ كان كل فرد تقريباً يضع حملاً على ظهره. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كانت بعض الحيوانات الكبيرة التي يقودونها مثقلة أيضاً بالمؤن ، بما في ذلك الفراء والطعام ، والأهم من ذلك كله ، العناصر ذات القيمة العالية لديهم: الفخار والملح ؛ ذلك الملح الذي يجعل الطعام لذيذاً إلى حد لا يقاوم لأي إنسان.
كانوا يقدّرون هذه البضائع تقديراً عظيماً ، فإذا تعثر أحدهم أثناء السير كان يحاول السقوط إلى الأمام لحماية البضائع الثمينة التي على ظهره. و لقد ثمنوا هذه الأشياء لأنهم كانوا يقايضونها بسهولة مع القبائل الأخرى للحصول على الكثير من الاحتياجات. وبفضل هذه البضائع حيث عاشت قبيلتهم في مستوى معيشي مريح نسبياً ، وأكثر ثراءً من معظم القبائل الأخرى التي رأوها.
كان الطقس ما زال بارداً ، وتركت الرحلات الطويلة أثراً على وجوههم وأيديهم التي خشنت بسبب الصقيع حتى إن الكثيرين أصيبوا بتشققات صغيرة في جلودهم من شدة البرد ، ومع ذلك كانت معنوياتهم عالية. لم يعتادوا هذا النمط من الحياة فحسب ، بل إن الزهور في شعور النساء وحركاتهن المرحة كانت تبعث على البهجة ، والأهم من ذلك أنهم كانوا يعلمون أنهم بعد مسيرة قصيرة إضافية ، سيصلون إلى قبيلة سبق لهم المقايضة معها.
لم يزوروا هذه المنطقة منذ فترة طويلة ، وكان الملح الذي قايضوه سابقاً قد استُهلك معظمه. وبناءً على خبراتهم السابقة كانوا يعلمون أنهم سيلقون ترحيباً حاراً ، وسيكون بإمكانهم بسهولة المقايضة مقابل مخزون الطعام لدى تلك القبيلة و ربما يعيش الفخار إلى الأبد ، لكن الملح اللذيذ ، مهما كان استخدامه مقتصداً ، سينفد في نهاية المطاف. حيث كان هذا درساً تعلموه من خلال التجربة الطويلة. وكان هناك درس آخر ، وهو أن طول الفترة بين الزيارات يتيح لهم الحصول على كميات أكبر في المرة التالية تماماً كما في جمع الأعشاب البرية ؛ فالتردد المتكرر على المكان نفسه يقلل المحصول ، بينما الانتظار يتيح لهم جمع المزيد في رحلة واحدة.
بينما كانوا يسيرون كانت الأعشاب الجافة والنباتات تتهشم تحت أقدامهم ، وتعلقت البذور بأجسادهم وبأجساد الحيوانات التي يقودونها. بعض البذور التصقت بقوة ، بينما سقطت أخرى بعد فترة. ومع الوقت ، إذا كانت ظروف المياه ودرجات الحرارة ملائمة ، ولامستها أشعة الشمس ، فإن هذه البذور ستتجذر وتنمو لتصبح نباتات جديدة.
هتفت الجماعة بعبارات غير مفهومة إيذاناً بقدومهم. حيث كانت الأعشاب الجافة هنا أقصر ، وعلى تل بارز كانت تقع كهفاً مظلماً يمثل موطن القبيلة التي يقتربون منها. وحول الكهف كان بعض البالغين يتكئون على الصخور أو النباتات ، يستمتعون بدفء الشمس بكسل ، بينما كان الأطفال يطاردون بعضهم ويلعبون في الجوار. حيث كان كل شيء يبدو مثالياً وهادئاً.
كان قائد مجموعتهم رجلاً مسناً ذو وجه تغضنه التجاعيد ، وكان ظهره منحنياً قليلاً ، ربما بسبب سنوات حمل الأثقال أو لأسباب أخرى ، ومع ذلك كان يبدو قوياً. وفي يده كان يحمل عصا خشبية علق في نهايتها شيء لامع يعكس ضوء الشمس. تقدم القائد إلى الأمام ، ورأى الكهف والناس حوله ، فصاح بصوت عالٍ ليعلن عن وصولهم ؛ وهذا الإجراء يُهيئ الناس هناك ، فيمنع الذعر أو العداء ، ويدفعهم لتجهيز الطعام والبضائع للمقايضة.
وكما هو متوقع ، بمجرد سماع النداء ، وقف الناس وتطلعوا نحوهم ، وبدافع الترقب للمقايضة ، سارعت الجماعة الخطى نحو القبيلة. و لكن ، على غير العادة لم تستقبلهم تلك القبيلة بفرح. و تجاهل القائد المنحني هذا الأمر ، وظل يركز على احتمالية الحصاد ، وتابع السير نحو القبيلة بحماس.
سرعان ما وصلوا ، ورحب القائد المنحني بزعيم القبيلة بكلمات لم يفهموها ، ثم عانقه لفترة وجيزة. وفي تلك الأثناء ، انتهزت براغيث الفرصة لتنتقل إلى مضيف جديد ، ربما من أجل التغيير. وفي غضون ذلك أنزلت الجماعة أمتعتهم من على ظهورهم ومن على حيواناتهم ، ورتبوها بشكل مرئي للجميع ، حيث وُضِع الفخار والملح ، المحفوظان في القرع أو أغلفة أخرى ، في مكان بارز ؛ ففي نهاية المطاف كانت هذه هي السلع الأكثر طلباً.
أطلق القائد المنحني سراح الزعيم وأشار إلى البضائع وهو يبتسم. وعندها فقط لاحظ شيئاً غريباً ؛ ففي السابق ، وبعد وضع البضائع كان زعيم القبيلة ورجاله يتجمعون حولهم بلهفة ، متحمسين لرؤية ما أحضروه ، أما الآن ، ورغم دعوته لهم ، بقي الزعيم ورجاله غير مبالين. تجمد القائد المنحني في مكانه ، فقد لم يصادف مثل هذا السلوك في أي قبيلة تاجر معها من قبل. فبعد أن عرفوا قيمة بضائعهم لم يكن رؤيتها دون حماس أمراً غير مسبوق فحسب ، بل كان صادماً.
ما الذي يحدث ؟ هل بضائعهم لم تعد جيدة بما يكفي ؟ حك رأسه ونظر إلى السلع مرة أخرى ؛ كانت رائعة كعادتها ، جميلة ومغرية ، فلماذا هذا الجفاء ؟ لم يحدث هذا من قبل. هل يعقل أن السلع التي حصلوا عليها سابقاً من هذه القبيلة لم تكن قد استُهلكت بعد ؟ ورغم مرور وقت طويل لم يجد تفسيراً آخر سوى ذلك فلم يكن هناك شيء آخر يبدو منطقياً.
أشار القائد مرة أخرى نحو الفخار والملح ، مؤدياً حركة المقايضة ، آملاً أن يستجيب الزعيم ، ولكن لخيبة أمله ، استمر الزعيم في تجاهله. والأسوأ من ذلك أنه بعد إلقاء نظرة على البضائع ، هز الزعيم رأسه بقوة رافضاً. ولم يكتفِ الزعيم بذلك بل تبعه الكثيرون من أفراد القبيلة في هز رؤوسهم.
كاد القائد المنحني ورفاقه لا يصدقون ما تراه أعينهم ؛ هل كان هؤلاء يدركون ما يطلبونه ؟ فبهز رؤوسهم بتلك الطريقة ، وبمجرد رحيلهم ، لن تكون هناك فرصة للمقايضة على هذه البضائع الثمينة!
في ذهول ، شاهدت الجماعة الزعيم وهو يعود أدراجه إلى داخل الكهف. ولأنه استقام بظهره أكثر من اللازم ، اصطدمت جبهته بمدخل الكهف. ففرك رأسه المحمر ، وخفّض قامته ودخل الكهف بحذر. و في الظروف العادية كان هذا الموقف يستدعي الضحك ، وكان القائد المنحني الذي يحب المرح ، سيضحك بالتأكيد ، لكنه لم يفعل الآن ؛ ليس فقط لأن رد فعل القبيلة كان غريباً ، بل لأن الزعيم عاد وهو يحمل شيئاً بين ذراعيه.
اتسعت عينا القائد المنحني ، وكذلك أعين الجميع ، واتجهت أبصارهم نحو الشيء الذي يحمله الزعيم. وعند رؤية رد فعل القائد المنحني وجماعته ، انتفخ صدر الزعيم فخراً. ففي السابق كانت قبيلته هي من تستعرض الفخار والملح ، أما الآن ، فقد أصبحت قبيلة الزعيم هي التي يمكنها التباهي أمامهم. وحتى مع وجود الكدمة على جبهته ، رفع الزعيم رأسه عالياً من جديد ، وقلدته قبيلته في ذلك فانتفخوا صدوراً ورفعوا رؤوسهم – في مشهد يبدو مضحكاً بعض الشيء ، لكنهم حافظوا على وقارهم.
وضع الزعيم الفخار الجميل وقرعاً على الأرض بعناية ؛ فقد كان الفخار كبيراً ، ومستديراً ، وخالياً من العيوب ، ومبهراً بصرياً. لمس القائد المنحني الفخار بحذر في حالة من عدم التصديق ، بينما سارع الزعيم إلى مسح المكان ، خوفاً من أن يصيب الفخار الثمين أي ضرر أو اتساخ.