الفصل 416: طوفان الغضب
حتى فتياته بدت عليهن أمارات القلق الآن.
اتسعت عينا «لونا» العاصفتان – اللتان كانتا تفيضان بالغضب قبل لحظات – وصرخت غريزتها محذرة من الخطر؛ لم يكن التهديد خارجياً، بل كان نابعاً منه هو.
«باستيت»، التي عُرفت بشجاعتها المعهودة، وجدت نفسها عاجزة عن التقاط أنفاسها. انفرجت شفتاها المرتجفتان وهمست: "سيدي…"
أما «آريا»… فقد مدت يدها نحوه. "كاي…" همست بصوت مبحوح ويدها ممدودة، في محاولة يائسة للوصول إلى حب حياتها.
لطالما انتشلته هي والآخرون من حافة الهاوية في المرات السابقة التي تملك منه الغضب فيها. ولكن هذه المرة، بدت المسافة بينهما سرمدية؛ فقد كان الخطب جللاً.
تسمرت أطراف أصابعها قبل أن تلامس ظهره، وكأن قوة خفية حالت دون ذلك.
لم تعد الهالة المحيطة بـ «كايدن» قرمزية فحسب، بل استحالت إلى لون أشد قتامة وثقلاً. لم يكن غضبه يلتهمه من الداخل، بل كان يتجسد خارجاً عنه.
تموّج الهواء، وخمدت النيران.
ملأ القاعة اهتزاز عميق ورنان تخلل عظام كل الحاضرين. تناثر الغبار من عوارض السقف، ومالت ألسنة لهب المشاعل مبتعدة عن «كايدن» وكأنها تنفر من وجوده.
ثم حدث الأمر.
انبثقت منه نبضة، أشبه بنبضة قلب صيغت من اللهب والكراهية. شعّ نور قرمزي من جسده كالمعدن المصهور المتدفق من تصدعات في أعماق روحه. انساب على جلده، وتجمع، والتف، وانضغط حتى غيّر هيئته.
خيال ظلي.
بدا بشرياً لكنه وحشي، صدى لغضب «كايدن» وقد تجسد واقعاً. شيطان حقيقي، وليس مجرد تغير في لون العينين.
كان يشع بمشاعر خام غير مكررة: غضب، واشمئزاز، وإدانة، امتزجت كلها لتشكل هذا الحضور المروع والقاهر.
مزق صوت «نيكس» جدار الصمت، حيث كانت الفتاة ذات الشعر الوردي تتوسل: "كاي… عد إلينا!"
لكن توسلاتها ذهبت أدراج الرياح.
الكيان الماثل أمامهم… أرجع رأسه إلى الخلف وأطلق صرخة. لم يكن صوتاً مسموعاً بقدر ما كان موجة محسوسة زلزلت النخاع والحجر.
في تلك اللحظة، انفجر سقف القاعة الطويلة.
تناثرت الأخشاب والحديد والتعاويذ السحرية، مخلفة وراءها عموداً حلزونياً من الطاقة القرمزية شق عنان السماء.
في الخارج، تمزق دجى الليل. انطلقت شرارة قرمزية عالياً، متحولة إلى عاصفة ضوئية صبغت العالم باللونين القرمزي والذهبي. وللحظة، توارى القمر خلف ذلك الضياء، وكأنه يخشى النظر إلى خطيئة الإنسان في أبشع صورها.
وبعيداً عن المستوطنة… في البراري الموحشة، وبين الغابات المظلمة والآثار المتهالكة… دبّت الحركة.
إنها الشياطين.
تلك البقايا المشوهة، المتوحشة والفوضوية، التي كانت تجوب القفار بلا هدف باحثة عن فريسة بشرية لفتكها، توقفت الآن فجأة.
واحداً تلو الآخر، رفعوا رؤوسهم، وشخصت أعينهم المتوهجة نحو الضوء البعيد. تأوه البعض، وخرّ آخرون ساجدين. وقلة منهم… ابتسموا كاشفين عن أنيابهم المسننة التي لمعت في الظلام.
لأنهم استشعروا ذلك.
حضوراً طاغياً وخانقاً. سلطة بدائية تغلغلت في نسيج «المانا» نفسه وأمرته بالخضوع.
لم يستشعروا وجود «كايدن غراي» الإنسان… بل استشعروا «تجسيد الخطيئة».
في مجرات نائية، دبت الحياة في وشم «الشيطان السماوي» على جسد امرأة. بعد آلاف السنين، لم يعد الوشم خامداً ولا مخفياً.
سارعت بلمس الأثر الذي تركه حبيبها، غير مصدقة. لكنه كان حقيقياً. ترقرقت الدموع في عيني المرأة وهتفت: "لقد وجدتِ أخيراً خليفتكِ… يا حبيبتي."
وقف «كايدن» وسط الحطام، وصدره يعلو ويهبط بإيقاع بطيء ووحشي. كانت بقايا السقف المحطم تتساقط حوله كالجمر المتوهج.
حيث كان يقف رجل، برز الآن كيان أكثر بدائية. تضاعف حجمه تقريباً، بقرون منحنية للخلف، وعروق تتوهج كأنهار الحمم تحت جلد داكن، وعينان – كشعلتين متقدتين – تتألقان بغضب لا يلين.
كل نفس يلفظه كان دخاناً ورماداً. مجرد وجوده جعل الهواء يرتجف بصوت تصدع الواقع.
زفر «كايدن».
لم يكن ما خرج من رئتيه هواءً، بل ناراً من الهاوية. انطلق من فمه سيل من اللهب الأسود والقرمزي، محرقاً الأرض أمامه، ولاوياً طاقة «المانا» حتى صرخت. التهمت النيران الجهنمية الصوت والضوء والأمل على حد سواء.
تراجع «فاريك» متعثراً، وقد استوعبت غريزته أخيراً هول ما رأى. أما محاربوه الذين تسمروا قبل لحظات، فقد صرخوا رعباً، متشبثين بتعويذات وتمائم سرعان ما استحالت رماداً.
ومع ذلك، هدر «فاريك» بكبرياء فوق الفوضى:
"لا تترددوا! أتظنون أن غضب هذا الغريب قادر على إحراقنا؟ نحن أبناء اللهب والحرب! أنا الزعيم! اسمعوني! [الأمر الجهنمي]!"
توهجت الوشوم الحمراء التي غطت جسده. انتقلت قوته إلى محاربيه المنهكين، سارية في عروقهم، ومانحة إياهم القوة عبر الرابطة التي تجمعهم به. صرخوا عندما غمرتهم الطاقة.
صاح «فاريك»: "أحرقوه حياً! من أجل القبيلة!"
اندفع العشرات منهم إلى الأمام، معززين بتعويذة زعيمهم.
لمع وميض في زاوية رؤية «كايدن»، لكن وعيه كان غائباً لدرجة منعته من القراءة.
[رنين!]
[تم تفعيل رنين الخطيئة.]
[الدخول في وضع شيطان الغضب العظيم.]
[إحصائيات الحيوية، القوة، الرشاقة، السحر، المانا: ×3]
[تقليل الضرر: 50%]
[تجاوز الصلابة العقلية: نشط.]
[إلى أن يزول هدف غضبك، لا يمكن أن تنتهي هذه الحالة.]
ظهر سطر جديد، انحفر في ذهنه كنص مقدس:
["ولن يتعب مثال الخطيئة حتى يتحول العدل إلى رماد."]
[نقاط التحمل: 1,000,000,000,000!]
مد «كايدن» ذراعه اليمنى، ثم ضرب صدره بقبضته محدثاً دوياً كالانفجار، وزأر.
بالنسبة لمن سمعوا ذلك، لم يكن صوتاً بشرياً، ولا حيوانياً، ولا حتى شيطانياً بالمفهوم المعهود. كان صوتاً كونياً.
مزق الزئير سماء الليل وشق الأفق، مزلزلاً الأرض تحت المستوطنة. انحنت كل جمرة، وكل شرارة، وكل ذرة «مانا» على امتداد أميال نحوه، وكأن العالم بأسره يركع أمام سيده الشرعي؛ سيد الغضب.
أظلمت السماء. التف العمود القرمزي الصاعد من القاعة المدمرة حول نفسه، وانهار عائداً إلى «كايدن» كعاصفة تؤوب إلى مركزها. ثم انفجرت الطاقة من جسده الشيطاني نحو الخارج بقوة لا يمكن تصورها.
لقد انبثق منه نطاق سيادة.
لم يكن الأمر مجرد سحر، بل كان قانوناً، وحكماً، وإعلاناً للتحدي. انطلقت ألسنة اللهب القرمزية والسوداء من قدميه، راسمة على الأرض خطوطاً شكلت رمزاً هائلاً وشعاراً جهنمياً صهر الحجر والتراب. بدا العالم خلفه وكأنه يتلاشى، مبتلعاً في ضباب من الشفق المنصهر والظلال الهادرة.
حوصِر «فاريك» ومحاربوه داخل ذلك النطاق، عالقين مع شيطان الغضب العظيم.
ساحة لن يخرج منها سوى منتصر واحد.
ومع ذلك، لم يمس الأبرياء سوء.
تراجعت الفتيات إلى الوراء بذهول، وعيونهن شاخصة، بينما اجتاحت النيران المكان دون أن تمسهن بأذى. حتى في هذه الحالة، وحتى وهو تجسيد للغضب الخالص، أبى «مثال الخطيئة» أن يطال أذاه من يحب.
لم يبق داخل دائرة غضبه سوى الأعداء.
وقف «فاريك» في القلب منها مرتجفاً، ووشومه تتلاشى مثل شموع تحتضر.
وهنا، خطا شيطان الغضب العظيم خطوته الأولى إلى الأمام.