الفصل 514: إثارة فضول الشيطان
لم تكترث باندورا للطريقة التي نظمت بها الغريبة إليها ، فقد كان جُلُّ اهتمامها ينصبُّ على المعاني الكامنة خلف كلماتها.
لِمَ قد تعرض كائنةٌ مثلها المساعدة ؟
ظلَّ هذا التساؤل يراودها بينما كانت تتأمل الغريبة بفضولٍ هادئ لم تعهده في نفسها تجاه أي دخيلٍ من قبل. فلم يكن في وجودها ما يستدعي العون وهي في كنف "نوا " لذا بدا لها ادعاء الغريبة في غير محله.
إلامَ ترمز هذه الغريبة إذن ؟ أكانت تلمح إلى أنها ستمكنها من فهم ماهيتها بشكلٍ أعمق ؟
اضطرب طيف باندورا مع استمرار تلك الفكرة ، لكنَّ جسدها الهلامي سرعان ما التفت نحو البوابة حين انصرف انتباهها لشيءٍ آخر.
تابعت "غوين " الحركة بغريزتها ، وانصبَّ بصرها في ذات الاتجاه محاولةً استيعاب ما تسبب في هذا التغيير.
من بين الأشجار ، بدأت الأشكال تظهر وتتضح ، وكان "نوا " يتقدمهم.
وما إن رأت عودتهم حتى اصفرَّ وجه "غوين ". لم تكن قد نسيت رفاقها ، لكنها لم تجرؤ على مواجهة المصير الذي ساقوا أنفسهم إليه. جال بصرها بين الأشكال ، باحثةً عن أملٍ ضئيل في نجاتهم ، بينما كانت تُهيئ نفسها لتقبُّل ما تخشاه.
جاء تأكيد مخاوفها حين وقعت عيناها على الجثث التي تحملها العناكب. تنقلت نظراتها من جثةٍ إلى أخرى ، مجبرةً نفسها على التعرف عليهما واحدة تلو الأخرى حتى أدركت أن بعضهم ليس بينهم.
كان رفيقاها ضمن المفقودين.
تضعضع صرح صبرها ، وتملَّكها ضيقٌ في صدرها بينما تدافعت الأفكار في رأسها عاجزةً عن مجاراة ما تراه. حيث كانت روابطها برفاقها عميقة ؛ فكل فردٍ في جماعتهم حتى أولئك الذين لم يكونوا حاضرين ، أتوا من ظروفٍ عوملوا فيها كمنبوذين ، أو جرى نبذهم ولم يجدوا قبولاً حقيقياً بين أهلهم ، ومن خلال تلك المعاناة ، نسجوا رباطاً يتجاوز الزمالة البسيطة حتى صاروا عائلة.
هكذا كانت تراهم "غوين " على الأقل.
بالنسبة لها ، وهي التي عاشت لأكثر من قرن ، واختارت درباً يقوم على فهم العالم وتوجيه الآخرين نحو حياةٍ تُقدِّر الوجود لم يكونوا مجرد حلفاء. و لقد كانت تعتني بهم كما تعتني الأخت الكبرى بمن في كنفها ، ورؤية ما تبقى منهم الآن أجبرها على مواجهة حقيقةٍ حاولت تجنبها منذ لحظة استيقاظها.
لكن ، رغم قسوة الواقع لم تستطع أن تحمل في قلبها كرهاً لـ "نوا " أو الآخرين لما اقترفوه. فكل كائنات الطبيعة تمتلك الحق في الدفاع عن نفسها ، لكن كان من غير العدل لها وللذين قضوا أن تزهق أرواحهم على يد مَن لا يستحق ذلك.
تمسكت بأملٍ واهٍ بأن المفقودين قد وجدوا سبيلاً للفرار ، وظلت تمسح الأشكال بأعينها وهي تتقدم نحوها ، وفي اللحظات الأخيرة ، أضاء بريقٌ في عينيها.
في تلك اللحظة ، رأت "فاركش " وكان هو الآخر قد لاحظ وجودها.
***
لم يتفاعل "نوا " مع مشاعرهما ، ولم يسمح للاثنين باللقاء. قد يبدو هذا قاسياً ، لكنه كان قد حسم أمره بالفعل بألا يلتقيا مجدداً. فلا جدوى من تعقيد قراره بأمورٍ غير ضرورية كإعادة اللقاء ، ليس الآن على الأقل.
"باندورا ؟ " لاحظ "نوا " أن باندورا كشفت عن هيئتها الوهمية أمام الإلفية ، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه البتة.
للحظةٍ وجيزة ، خطر له أن الأمر قد يرتبط بجنس الإلفية ، وأن ارتباطهم بالطبيعة خلق نوعاً من الألفة التي جعلت باندورا أكثر استعداداً للظهور. وحتى عندما تواصل معها عبر الرابط بينهما ، استشعر أثراً للفضول لديها بدا وكأنه يؤيد هذا الافتراض.
ولكن بمجرد أن نطق ، تغيرت رد فعل الإلفية ، وجعلت الطريقة التي نظرت بها إليه الأمر واضحاً بأن هناك شيئاً آخر يجري. لم تكن هويته هي سبب ذلك بل لقد فعلت هي شيئاً ما.
ظلَّ بصر "نوا " متجهاً للأمام بينما تحولت هيئة باندورا ، متجسدةً على بُعد بوصاتٍ من وجهه دون تردد ، وكان حضورها قريباً لدرجة تجعل أي شخصٍ آخر يبتعد غريزياً. لم تكن تدرك مفهوم المساحة الشخصية ، مهما تذمر الآخرون من ذلك لكنه لم يكترث للأمر قط.
قابل نظراتها دون رد فعل ، منتظراً ؛ فما جذب انتباهها بهذا القدر لم يكن شيئاً ستتركه دون بوح.
"لقد… قالت إنها ستساعدني " قالت ذلك بوقفاتٍ أقل مما اعتادت عليه. فالأيام التي قضتها في مراقبة الجميع بدقةٍ كانت تحسن مهاراتها التواصلية ببطء ، ولم يتبقَّ الكثير حتى تصبح قادرةً على الحديث بطلاقةٍ تامة.
كانت كلماتها واضحة ، ومع ذلك جعلت "نوا " يعقد حاجبيه داخلياً بينما اتجهت عيناه نحو الإلفية التي لم تستطع منع نفسها من الصراخ رداً على ذلك. فلم يكن الأمر واضحاً من قبل لأن "نوا " كان يحافظ على هالةٍ خفية ، لكن تحت نظراته المكشوفة ، استبدَّ الخوف بـ "غوين ". ظاهرياً لم يتغير "نوا " كثيراً ، ومع ذلك كانت "غوين " تراه كمخلوقٍ مختلفٍ كلياً.
لم يكن خوفها نابعاً من قوته ، بل من ماهيته. فقد تغير وجوده ذاته منذ آخر مرة رأته فيها ، ومهما حاولت إيجاد مبرراتٍ منطقية لم يكن الأمر مفهوماً. فلم يكن ممكناً.
وكلما أمعنت النظر فيه ، تيقنت أكثر أنه هو السبب وراء حالة الدرياد (حورية الغابة). ذلك اليقين ضغط على مخاوفها ؛ فالدرياد ليسوا كائناتٍ عادية ، بل يُعتقد أنهم يولدون من "شجرة العالم " ذاتها ، وترتبط حياتهم مباشرةً بتوازن الطبيعة. ومن أجل أن يستعيد العالم نقاءه ، ولإيقاظ "بذرة العالم " يجب خلق المزيد من الدرياد للمساعدة في تطهير الطبيعة.
بالنسبة لها كانت حياة الدرياد تحمل ثقلاً يتجاوز حياتها الخاصة ، وذلك ما منحها الشجاعة لترفع صوتها في وجه كائنٍ مثل "نوا ".
"أنا… أنا فقط… تحدثت لما فيه مصلحتها… "
ارتجف صوتها ، وتقطع بينما كانت تخرج الكلمات ، ظلَّ الخوف حاضراً لكنه لم يعد كافياً لإسكاتها.
"إنها… إنها تنجرف نحو الفساد… وكلما تمادت في مناقضة فطرتها… فإنها ستفقد ذاتها… "
تجرعت غصتها ، مجبرةً نفسها على المتابعة رغم مقاومة جسدها.
"حتى تتحول إلى شيءٍ لا يعرف سوى… امتصاص الحياة من كل ما حوله… حتى لا يبقى شيء… "
لم يحد بصرها عنه حتى حين تعثر صوتها.
"إذا كنت… تهتم لأمرها حقاً… فعليك أن تدعني أساعدها… "
لم يقاطعها "نوا " ؛ فقد كان فضولياً تجاه هدفها تماماً كباندورا.
"الفساد " فكّر "نوا " في نفسه ، وعاد بذاكرته إلى ما يفهمه. حيث فكر بأن الشجرة التي تتجه نحو الشر قد تخضع له لدرجة أنها تواصل ارتكاب الأفعال الشريرة دون وعي ، أو ربما شجرةٍ تلوثت ولم تعد "المانا " الخاصة بها نقية ، فتبث ذلك التشويه حتى تذبل كل الحياة فى الجوار.
كلاهما أمرٌ وجده "نوا " مقززاً. ومع ذلك لم ينطبق أيٌّ من هذين السيناريوهين على باندورا ؛ فهي تهتم بالغابة أكثر مما يهتم هو.
"كيف ستساعدينها ؟ "
بدلاً من تصحيح مفاهيمها كان "نوا " فضولياً بشأن ما تنوي فعله. حيث كان الأمر أشبه بإشباع فضوله المعرفي واكتساب القليل من المعلومات حول نوايا الإلف. وإن كانت نواياها مرضية ، فلن ينتظر ليتخذا هما قراراً ، بل سيقرر هو بالنيابة عنهما.
ترددت "غوين " قليلاً عند سماع السؤال ، لكنها لم تشح بنظرها.
"لا أستطيع… إعادتها إلى ما كانت عليه " اعترفت بصوتٍ ما زال غير مستقر "ليس إذا كانت قد تجاوزت تلك الحدود بالفعل… "
أخذت نفساً عميقاً ، مجبرةً نفسها على الاستمرار.
"لكن يمكنني مساعدتها على فهم ما يحدث لها… مساعدتها على فصل نفسها عن مصدر الفساد قبل أن يبتلع كل ما هي عليه… "
انتقل بصرها نحو باندورا للحظة قبل أن يعود إلى "نوا ".
"أستطيع موازنة طاقتها (المانا)… توجيهها بحيث لا تتفاقم وتخرج عن نطاق سيطرتها ، ثم تعليمها قوانين جنسها حتى لا تفقد زمام أمرها. "
ظهر تغيرٌ طفيف في عيني "نوا ". ظلَّ يحدق بها ، لا بنظرة عدم تصديق ، بل بفحصٍ هادئ بينما كان يزن ما قالته ، ليس لكونه صواباً أو خطأً ، بل لما يعنيه ذلك.
كان فهمها لباندورا خاطئاً ، لكنَّ المعرفة التي تمتلكها كانت صحيحة.
شعر بأن هذا أمرٌ قد تستفيد منه باندورا كثيراً في المستقبل ؛ فتماماً مثل أي كائنٍ آخر ، للارتقاء بما يتجاوز طبيعتهم ، عليهم فعل ما هو أكثر من مجرد زيادة قوتهم ، وتجاوز حدود أجسادهم وأرواحهم.
عليهم أن يفهموا وجودهم ذاته ، ومن ثم يعيدوا صياغته.