**الفصل 331: الذاكرة**
صمتٌ مطبق.
لم يكن ثمة زمانٌ ولا شعورٌ آنذاك...
شعر ساغيري بشيءٍ أشدّ رعباً.
بدأ كضغطٍ في رأسه. ألمٌ خفيٌّ خلف عينيه. ثمّ نما. ذكرياتٌ حملها طوال حياته بدأت تتحوّل وتُعاد ترتيبها. بدا وكأنّ أيادي خفيّةً امتدّت إلى عقله وبدأت تقلب صفحاتٍ لم يكن يعلم بوجودها.
وجوهٌ أنساها أصبحت واضحةً فجأةً. لحظاتٌ لم يختبرها يوماً يومضت في أفكاره بألفةٍ مستحيلة. حيث كان الإحساس معذّباً. كلّ غريزةٍ صرخت بأنّ هناك خطأً ما.
وأنّ عقله يُعدّل. ومع ذلك تحت الخوف كان هناك يقينٌ بأنّ هذه الذكريات ليست غريبة. لطالما كانت ملكه. و لقد دُفنت ببساطة. أُغلقت في مكانٍ ما بعيداً عن متناوله.
ثمّ استجاب الأرشيف. لأول مرةٍ في حياته ، شعر ساغيري باستيقاظه الكامل. الظلام الذي لطالما سيطر عليه أصبح فجأةً شاسعاً جداً بحيث لا يمكن استيعابه. توسّع خارجه في كلّ اتجاه ، ولم يعد يشعر به كتقنيةٍ أو هبةٍ ، بل كعالمٍ حيٍّ متصلٍ بشيءٍ قديمٍ ولا متناهٍ.
شعر بممراتٍ من الذكريات تمتدّ عبر قرون. حيواتٌ لا تُحصى. أصواتٌ لا تُعدّ. تاريخٌ كاملٌ تدفّق عبر الظلام كالأنهار. اتّسع الأرشيف حتى بدا كبيراً بما يكفي ليحتوي جبالاً ، ومدناً ، وأجيالاً ، وعصوراً منسيةً. العلامات التي تغطّي جسده ثارت حركةً ، منتشرةً عبر جلده وكأنّها تستجيب لدعوةٍ أقدم من الحضارة نفسها.
فُرتّ الكهرباء عبر كلّ عصبٍ في جسده ، ألمٌ حادٌّ لدرجة أنّه كان بإمكانه الموت لو سنحت له فرصة. دقّ قلبه بعنفٍ في صدره. تشقّقت رؤيته إلى ألف قطعة. ومع ذلك إلى جانب العذاب ، جاء الفهم.
الأرشيف لم يكن ملكه حقاً قط. هو كان ملكه. والآن ، في عمقٍ تحت الحصن ، واقفاً عند المصدر الذي وُلد منه كان الأرشيف يتذكّر أخيراً ما كان عليه.
ابتلع الظلام ساغيري بالكامل ، وفجأةً لم يعد تحت الحصن. حيث كان في مكانٍ أقدم. أقدم بكثير. تكشّفت الرؤيا من حوله كحلمٍ منسيّ. وقفت جبالٌ حيث لا توجد جبالٌ اليوم. تدفّقت أنهارٌ عبر أراضٍ أصبحت صحراءً منذ زمنٍ طويل. ثمّ رآهم.
خمس قبائلٍ تقفوا معاً تحت سماءٍ لم تمسّها يد التاريخ. ليس أربعاً. خمس.
خمس ؟
أسلاف الجنوب. كلٌّ منهم مجتمعٌ حول بركةٍ سوداء واسعةٍ تمتدّ إلى ما وراء الأفق ، مياهها هادئةٌ ولا متناهية. لم تكن البركة تحت الحصن آنذاك. الحصن لم يكن موجوداً بعد. و بدلاً من ذلك استقرت البركة في قلب العالم ، ومنها تدفّقت الهبات التي شكّلت القبائل.
وقفت حول البركة خمس قطع أثرية قديمة و كلٌّ منها تستقرّ على مذبح حجري. رمحٌ ذهبيٌّ تعلوه حبيباتٌ متغيّرةٌ من الرمال الكريستالية. بوقٌ منحوتٌ من جمجمة وحشٍ عملاق. مطرقةٌ صُبّت من معدنٍ أسودٍ مرصّعٍ بحجرٍ حيّ. قناعٌ فضيٌّ يعكس سطحه مساراتٍ غير موجودة. وأخيراً ، شفرةٌ من الظلام الخالص تبدو أقلّ صبًّا وأكثر ولادةً من الظلال تحت الماء. أشرّت القطع الأثرية بقوةٍ لا مثيل لها فيما شعر به ساغيري. قديمة. سيادية. حيّة. و في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها ، أثارت بداخله معرفةً. و هذه هي الأصوات التي طاردت أحلامه. النداءات البعيدة التي شعر بها منذ وصوله إلى الجنوب. حيث كانت تناديه طوال الوقت.
شاهد ساغيري قبيلةً تتعلّم كيف تتحكّم بالرمال ، وأخرى تتقن الوحوش ، وثالثةٌ تشكّل روابط مع الحجر والمعدن ، بينما تعلّمت الرابعة المشي على مساراتٍ مخفيّةٍ عن الأنظار العادية. ثمّ استقرّ نظره على القبيلة الخامسة. وقفت الأقرب إلى الماء.
الأقرب إلى الظلام.
زحفت علاماتٌ سوداء عبر جلدهم كالحبر الحيّ ، وعندما تحرّكوا و تبعههت الظلال. الأرشيف. حيث كان دائماً ملكهم لحمايته. حسناً ، لقد عرف ذلك بالفعل. البركة والأرشيف كانا الشيء نفسه ، متصلين كجزأين من شيءٍ واحدٍ حيّ.
تغيّرت الرؤيا. اختفت القطع الأثرية من أماكنها وظهرت في أيدي خمسة حكّامٍ يقفون أمام القبائل. صدى أصواتهم عبر العصور ، يتحدثون كلماتٍ فهمها ساغيري بطريقةٍ ما. و معاهدة. قسمٌ يربط القبائل الخمس معاً تحت رايةٍ واحدة. لم تكن القطع الأثرية مجرّد رموزٍ للسلطة. حيث كانت مفاتيح. مراسٍ للقوة تُعهَد إلى كلّ قبيلة. قيل إنّه إذا انهارت المعاهدة وسقط الجنوب في الانقسام ، فإنّ حاكماً حقيقياً وحده يستطيع توحيد القطع الأثرية مرةً أخرى واستخدام الخمسة جميعاً. مثل هذا الحاكم سيتحكّم بإرث كلّ قبيلةٍ ويقف فوق الملوك ، والرؤساء ، وقادة الحرب على حدٍ سواء.
ثمّ رآها ساغيري.
مخلوقٌ نائمٌ تحت البركة.
واسعٌ بما لا يمكن استيعابه.
امتدّ جسده عبر الظلام تحت العالم نفسه. عيونٌ كالأقمار راقبت من الهاوية بينما تدفّقت ذكرياتٌ لا تُعدّ عبر شكله كالأنهار. وحش الذاكرة. حارس البركة. حافظ القطع الأثرية. و عندما تحطّمت المعاهدة ، وتحوّلت القبائل ضدّ بعضها البعض ، أخذ الوحش القطع الأثرية إلى رعايته ، مخفياً إيّاها عن العالم حتى يظهر حاكمٌ جدير.
شاهد قروناً تمرّ. ازدهرت القبائل. ارتفعت المدن. خيضت الحروب. تحطّمت التحالفات. ثمّ حدث تغيير. خوف. اقتربت القبيلة الخامسة كثيراً من الظلام تحت البركة ، مستمدّةً قوىً لم يفهمها الآخرون أو يثقوا بها. الأصدقاء القدامى أصبحوا أعداءً. تشقّقت الرؤيا إلى معارك ، وخيانات ، ومستوطناتٍ محترقة. تقلّصت القبيلة الخامسة. اختفى جيلٌ بعد جيلٍ حتى لم يبقَ سوى شظايا. اسمهم مُحو. تاريخهم مدفون. ومع ذلك بقي الأرشيف ، ينتقل من سليلٍ إلى آخر كجمرةٍ ترفض الموت.
مع تلاشي الرؤيا ، فهم ساغيري شيئاً أرسل قشعريرةً في جسده. البركة تحت الحصن لم تكن متصلةً بالأرشيف فحسب. حيث كانت مصدره. وحش الذاكرة ما زال نائماً في أعماقه ، يحرس القطع الأثرية الخمس وينتظر الشخص المقدّر له الاستيلاء عليها. وفي مكانٍ ما في الماضي المنسي كان الناس الذين حملوا الأرشيف يوماً ما هم القبيلة الخامسة للجنوب.
ماذا حدث للقبيلة الرابعة ؟
وجد ساغيري نفسه يسأل في رأسه.
استدار وحش الذاكرة أخيراً نحوه ، وتمنّى ساغيري لو أنّه لم يسأل.