Switch Mode

كود بلاكستون 753

تم التوصل إلى الاتفاق+


إذا كان ما حملته أنباءُ الأمس قد جعل ذوي الحساسية السياسية يستشعرون تغيراً في المشهد السياسي لـ "جيفرا " فإن عناوين الصحف في صباح اليوم التالي قد أكدت ذلك ؛ فقد سقط قتيلٌ في الصدام الذي وقع بالأمس فحسب.

وبغضّ النظر عما إذا كان الإمبراطور ووزراؤه يودّون الاعتراف بذلك أم لا كان هناك أمرٌ واحد لا جدال فيه: لقد بدأت قوةٌ ووعيٌ ما في قاع المجتمع بالاستيقاظ. فما تلقاه الناس من تعليم ، وما اكتسبوه من معرفة ، وما اتسع لهم من آفاق ، قد منحهم أفكاراً أكثر نضجاً وتعقيداً مما كانت عليه في الماضي ؛ فلم يعودوا تلك الرعاع الجاهلة ، أو على الأقل لم يعودوا كذلك جميعاً.

في الماضي كانت حياة الناس بسيطة ؛ ففي موسم البذر ، يتسلمون البذور من النبلاء ، ويعملون في الحقول نهاراً ، ويكدّون في حدائقهم ليلاً ، آملين في حصادٍ أوفر. وكان الحصاد الوفير يعني راحة الحاضر ، والحديقة الطيبة تعني راحة العمر. وما عدا ذلك لم يكن لديهم ما يسعون إليه.

أما الآن ، فقد اتسعت طموحات الناس ؛ فلم يعودوا يرضون بحياتهم القديمة ، بل صاروا يطلبون المزيد ، كأبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة ، والحق في الملكية الخاصة. ولهذا السبب بات لـ "جيفرا " اليوم محاكم وقوانين ، وهو أمرٌ لم يكن معهوداً في سالف عهدها ، إذ لم يظهر النظام القانوني إلا بعد توحيد البلاد.

إن أهمية القانون غنية عن البيان ؛ فقد قُتل شخصٌ في محاولة القمع ، مما يعني أن القضية قد تفاقمت. والأهم من ذلك أنها لم تكن مجرد حادثة عابرة ؛ فلم يكن هذا صراعاً عادياً ينتهي بموت ، بل كان مواجهة بين فئات عامة الشعب وطبقة النبلاء ، وهي مواجهةٌ أكثر تعقيداً وحساسية بطبعها.

في قاعة الحكم كان وجه الإمبراطور خالياً من أي تعبير ، لدرجة أن وصفه بـ "عديم التعبير " يبدو تقصيراً ، ولعل كلمة "متبلد " كانت أكثر دقة. حيث كان الأمر كما لو أن كل عضلة في وجهه فقدت قوتها ، لتعود إلى حالتها الطبيعية الخاملة.

قال الإمبراطور بعد دقائق من الصمت الذي ساد بينه وبين وزرائه "بلغني أن هناك من بدأوا في تقديم الالتماسات خارج القصر ". كانت هذه الأنباء قد وردت من كبير الخدم الملكي ؛ فقد شوهد بعض الناس في الصباح الباكر يقفون أمام بوابات القصر بلافتاتٍ لتقديم التماساتهم.

لم يكونوا يتظاهرون ، بل يطالبون فقط ؛ فقد أمّلوا أن يتدخل الإمبراطور لتحديد هوية الضابط المسؤول عن تلك الوفاة ومحاكمته بعدالة ، والتحقيق مع وزير المالية ومرؤوسيه ، واخذ الأموال المتورطة في احتيال "هارموني كابيتال " وإعادتها إلى الضحايا. و لقد ضل الناس بوصلتهم ، ولم يجدوا سوى الأمل في أن الإمبراطور ما زال يقف إلى جانبهم.

لكنهم كانوا واهمين ؛ فالعائلة المالكة لم تقف يوماً في صف عامة الشعب ، بل كانت لا تعنى إلا بمصالحها ، لا بما يسمى بالجماهير. و هذا الاعتقاد الخاطئ نبع من ضرورة سياسية ؛ فالإمبراطور مثلاً لا يريد للإعلام الأجنبي أن يسخر منه ، أو قد يحتاج أحياناً للحفاظ على سمعة العائلة المالكة الحسنة ، لذا كان يتدخل أحياناً للقيام بأمور تافهة.

وهنا يكمن الاختلاف الجوهري ؛ فتعامل الإمبراطور مع القضايا التافهة لم يكن إلا لأنها لا تحمل مخاطر أو تبعات سياسية. فما من نبيل سيعارضه أو يشعل صراعاً سياسياً لمجرد مساعدة عجوز في إصلاح سقف منزلها المتهالك ، فهم لا يكترثون لمثل هذه الأمور. ولأن هذه الأفعال الصغيرة لا تؤدي إلى نتائج غير متوقعة كان الإمبراطور يتدخل أحياناً حينما تقتضي مصلحته السياسية ذلك.

لكن في نظر الناس ، إذا كان الإمبراطور يهتم بأمرٍ بسيط كإصلاح سقف ، فمن المؤكد أنه سيتعامل مع ما هو أخطر بكثير. وإذا لم يفعل ذلك الآن ، فليس ذلك إلا لأنه لا يعلم بالحقيقة ، ومن هنا بدأوا في تقديم الالتماسات.

أحياناً تبدو المثالية جميلة ، ولكن عجز الناس عن تقبل الواقع ليس لأن الواقع عبثي ، بل لأنهم لا يستطيعون مواجهة الحقيقة.

ازداد الجو في قاعة الحكم ثقلاً ، فكل الوزراء كانوا قد رأوا الملتَمِسين واللافتات التي يحملونها في طريقهم للدخول. ولكن من الواضح أن هذا الأمر لم يكن مما يستطيع الإمبراطور التصرف حياله ، ليس في الوقت الراهن على الأقل.

لم يتكلم أحد ، ولم يتحرك أحد ، لكن الإمبراطور استشعر شيئاً غير مألوف في الغرفة ، وكأن تياراً خفياً كان يجري بسرعة بين الوزراء. راقبهم دون أن ينبس ببنت شفة لم يكن متسرعاً ولا مستعجلاً لهم.

تظاهر الوزراء بأنهم لم يسمعوه ، وظلوا على صمتهم ؛ فليس هذا الوقت المناسب ليخطو أحدهم خطوة للأمام. حيث كان وزير المالية يجمع أعوانه لمناقشة الخطوات التالية ، وكان رئيس الوزراء يجتمع بآخرين ليروا ما يجب فعله ، ولم يكن أي من الوزراء الآخرين في وضعٍ يسمح له بالخمول.

وفي النهاية ، آثر معظمهم أن يمسك رئيس الوزراء بزمام الخزانة. ليس لأنهم يدعمونه ، بل لأن وجود رئيس وزراء قوي خيرٌ من إمبراطور ذي سلطة مطلقة دون رادع. ففي نهاية المطاف ، هذا الإمبراطور قد اعتلى العرش بقتل إخوته ، ولديه من خصال الاستبداد ما يجعل منحه السيطرة الكاملة أسوأ السيناريوهات.

بعد دقائق من الصمت الذي أعقب سؤال الإمبراطور ، تحدث وزير المالية أخيراً "جلالة الإمبراطور ، هذا الأمر برمته بدأ بسببي. و لقد قررت الاستقالة من منصبي كوزير للمالية والخضوع للتحقيق من قبل وزارة الشؤون الداخلية ". أخرج خطاب استقالته وناوله لكبير الخدم الذي أوصله بدوره للإمبراطور.

أبدى بعض الوزراء دهشتهم ، بينما أومأ آخرون برؤوسهم في صمت ؛ فقد أدركوا ما يحاول وزير المالية فعله. وكما هو متوقع ، تابع قائلاً "إنني أدرك مواطن الخلل في عملي ، لكن هذا المنصب حساس للغاية. وقبل البت في استقالتي ، أوصي بأن يتولى رئيس الوزراء مسؤولياتي مؤقتاً ".

قبل الإمبراطور خطاب الاستقالة بلامبالاة وألقى عليه نظرة سريعة ، ولم يرفع بصره حتى إلى وزير المالية ، وكأنه لم يسمع كلمة مما قال. وسواء كانوا حلفاء أم أعداء ، أثنى الوزراء الآخرون في سرهم على استراتيجية وزير المالية.

ولم يكتفِ بذلك بل أضاف "لدى جيفرا تقليد بأن يتولى رئيس الوزراء مهام وزير المالية عند الضرورة ، وهذا ليس بالأمر المسبوق ، ومن شأنه أن يسهل مهام رئيس الوزراء والتحقيق معي في آنٍ واحد. إنني أرجو من جلالتكم قبول استقالتي ".

لم يفاخر بإنجازاته للبلاد ، ولا بأهمية عمله ، ولا بقيمته الشخصية ؛ بل وضع الإمبراطور أمام خيارٍ يستحيل قبوله. ابتسم رئيس الوزراء ابتسامة خفيفة ساخراً من لهفة وزير المالية على السلطة ، رغم أنه سارع لإخفاء ذلك.

"هذا الكلام لا يساوي شيئاً... " تمتم الإمبراطور ببرود وهو يمزق خطاب الاستقالة نصفين ويلقيه على الأرض. ثم نظر إلى وزير المالية قائلاً "أنت المسؤول عن هذه الفوضى ، لذا فأنت من سيتولى تنظيفها. تريد الاستقالة ؟ حسناً. أصلح هذا الخراب أولاً ، وسأسمح لك بها ".

نظر وزير المالية إلى خطاب الاستقالة الممزق وأدرك أن هذه كانت مجرد وسيلة للإمبراطور لحفظ ماء الوجه. حيث كان بإمكانه كتابة خطاب آخر في أي وقت يرغب فيه بالاستقالة ، ولكن إذا سويت الفوضى حقاً ، فكيف له أن يرتكب حماقة الاستقالة مجدداً ؟

تنهد وزير المالية ونظر إلى الآخرين "جلالة الإمبراطور ، هناك مواطنون متجمعون بالفعل خارج القصر يطالبون بتعليق عملي والتحقيق معي. سأتحمل مسؤوليتي ، وفي الوقت ذاته ، آمل أن توافق على مطالبهم ".

"هذه أمور منفصلة. سأواصل عملي ، ويمكن لمن يحققون معي القيام بواجباتهم في الوقت ذاته ". أطرق برأسه قليلاً ، مشيراً إلى أنه قد أنهى حديثه.

نظر الإمبراطور إلى رئيس الوزراء -الذي ما زال يؤدي دور "التميمة " ويتظاهر بالبراءة- وسأل بابتسامة خافتة "لندع هذا الأمر لرئيس الوزراء ، أليس كذلك ؟ "

قطب رئيس الوزراء حاجبيه قليلاً ؛ فكان من المفترض أن يُحال هذا الأمر إلى وزير الدفاع أو وزير الجيش -وكلاهما يمتلك إدارات أمنية قادرة على التعامل مع هذه التحقيقات- لا إليه ، فهو مجرد واجهة بلا سلطة.

كان الجميع يعلم أنه لا يملك أحداً تحت إمرته ؛ فبدون السيطرة على الخزانة لم يكن الوزراء والمؤسسات الأخرى يأخذونه على محمل الجد ، فهو ببساطة لا يملك أوراق ضغط. إن تكليفه بالتحقيق في مصادر أموال الجميع ليس بالمهمة الهينة ، فالمصالح متشابكة إلى حد بعيد.

فإذا كان من في القمة قد يثبتون على مواقفهم ، فإن صغار الموظفين ومتوسطيهم ستكون لهم حتماً حساباتهم الخاصة. فإذا فشل في كشف أي شيء ، سيفقد كل سلطته ؛ فالإمبراطور منحه القوة ، وإذا لم يستطع الإيفاء بها ، فسيثبت أنه حقاً لا يصلح إلا ليكون واجهة.

ومن ناحية أخرى ، إذا أراد التحقيق بدقة ، فسيحتاج لاقتراض رجال من وزارات أخرى. ومن يعلم ما إذا كان هؤلاء مرتبطين بوزير المالية ومرؤوسيه أم لا ؟ علاوة على ذلك كان هؤلاء الموظفون ينتمون لأطراف ثالثة لم تنحز لأي جهة بعد ، وقد يأمرهم رؤساؤهم بالمضي في إجراءات شكلية دون القيام بعمل حقيقي ، مما يجعل من الصعب كشف أي شيء ذي قيمة. وفي هذه الحالة ، سيضيع الوقت سدىً ، مما يمنح وزير المالية فسحة زمنية سخية.

كانت هذه هي الضريبة التي يدفعها من لا يملك السيطرة المالية ، فالجميع بإمكانهم تجاهله.

لكن رئيس الوزراء سرعان ما بسط تقطيبته ؛ ففي السياسة ، بضع كلمات قد تحسم كل شيء. طبق شفتيه ، فكر للحظة ، ثم أومأ برأسه.

قال "سأتحمل مسؤولية هذا الأمر " وهو قرار غير متوقع ، ولكنه منطقي تماماً. فالرفض لم يكن خياراً مطروحاً ؛ والقبول يمنحه بعض المبادرة ، أما الرفض فسيقذفه إلى مقاعد المتفرجين ، ليفقد ميزته الاستراتيجية.

والآن أصبحت المسأله لعبة أرقام ؛ من يمتلك عدداً أكبر من الناس والدعم ؟ إذا لم يعتمد على رجال الوزراء الآخرين ، وبنى بدلاً من ذلك قسماً جديداً مكرساً للتحقيق -طالما استطاع العثور على أكفاء وخاض عميقاً في شؤون وزير المالية- فسيظفر بهذه الجولة.

وبالطبع ، سيظل مؤشر "جيفرا " المالي في مهب الريح.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط