في هذه اللحظة ، شعر "لو رين " ببعض الطمأنينة في قرارة نفسه ؛ فذلك العالم المجهول كان مرعباً بحق. و في غابر الأزمان ، تكبد "إمبراطور اليشم " خسائر فادحة ليشيّد "القصر السماوي " رغبةً منه في مغادرة هذا المكان الملوث ، وطمعاً في بلوغ "الضفة الأخرى ". ومع ذلك حين همّ "القصر السماوي " بالارتقاء لم يتوجه إلى المجرات المجاورة ليلتمس الملاذ ، بل مزق نسيج الفضاء ، ضارباً الفراغ عرضاً ، وشق لنفسه طريقاً قسرياً نحو ذلك العالم المجهول المستعصي ، عازماً على عبور "بحر المعاناة ".
لكن ، وبعد انقضاء مليون عام من الزمان لم يلوح للعين أثرٌ حتى للضفة. ولم يكن بمقدور القصر العودة إلا بفضل التضحية بالنفس التي قدمها "المارشال تيان بينغ " كمنارة تهدي السبيل ، باحثاً عن الفرصة التي قد يمنحها هذا العصر لنيل الاستنارة الحقيقية ، والوصول إلى "أرض التنوير ".
قال "إمبراطور اليشم " ببرود "أيها الشاب ، لقد سلكت الطريق الخطأ. دعني أعلمك ؛ أحياناً قد تقودك أفعالك إلى حتفك ".
وخلال هذا الحوار ، انبثق ذلك "القصر السماوي " الضخم الذي يضاهي القمر في حجمه ، من العالم المجهول ، ليحوم في الفضاء المرصع بالنجوم. بدا القصر الذي كان ينبغي أن يكون آيةً في البهاء ، حالةً يرثى لها ؛ فقد تحولت أكثر من نصف طبقات مبانيه الذهبية إلى أطلال ، تعلوها آثار ضربات السيوف والفؤوس ، بل وحتى ندوب ناتجة عن هجمات كيان هائل.
لقد كان "القصر السماوي " -هذا الكنز الروحي العابر للمحن- قد عاد من العالم المجهول وهو في حالة دمار شبه كلي. و لكن انتباه "لو رين " لم يكن موجهاً إلى القصر ، بل إلى أولئك الذين خرجوا منه بعد أن خاضوا معارك لا حصر لها وتكبدوا أضراراً جسيمة.
كان هناك رجلٌ يحمل رمحاً ذا ثلاث شعب ونصلين ، يرتدي درعاً فضياً ، وفي منتصف جبينه عينٌ عمودية تشع بهالة حادة ، كأنها سيفٌ صقيل استُلّ من غمده ، لا يبقي ولا يذر بحدته.
وبينما كان "لو رين " يهم بالهجوم ، تحولت نظرة "إمبراطور اليشم " قليلاً ، وانبثق منه شعاع من الضوء الذهبي انتشر في الأرجاء ، ليتحول إلى خطوط ذهبية ملتوية تشبه التنانين أو الثعابين المتمايلة ، ممتزجةً بالسماء النجمية. وفي لحظة خاطفة ، شعر "لو رين " بأن صلابة الفضاء المحيط به قد تضاعفت مراراً ، مما تطلب منه جهداً جهيداً لاستخدام فن الانتقال الآني.
"كنزٌ سحري ؟ "
ضيق "لو رين " عينيه وهو يتأمل كيس الشبكة الذهبي الداكن في يد الإمبراطور ، مدركاً أن تلك المناورة كانت تهدف بوضوح إلى استدراجه إلى هذه المنطقة لتقييد حركته.
مع نهاية "العصر الأسطوري " وفي ظل تعالِ البلاط السماوي وهروب القصر لم يواجه "المزارعون " في العالم أي قمع. وإضافة إلى تلاشي "الآلية الروحية " وغزو الآلهة الخارجية ، سقطت الغالبية العظمى من المزارعين في حالة من الجنون غير المبرر ، مما أدى إلى اندلاع حروب طاحنة ، دُمرت فيها كنوز سحرية لا حصر لها ، بل وحتى كنوز روحية. وفي وقتنا الحالي ، بالكاد تُرى الكنوز السحرية ، ناهيك عن الكنوز الروحية.
أما الطقم الذي يرتديه "تشانغ تونغ شوان " فقد كان هو الآخر قطعة أثرية تناقلتها الأجيال عبر دهور طوال ، ظلت متوارية ونادراً ما تظهر.
قال "إمبراطور اليشم " بلامبالاة "يا ابن عشيرة السحرة أنت الآن تجابهني ".
ألقى "لو رين " نظرة على ذلك الشخص الذي -بسبب سقوط ثمرة "التاو "- انحدر إلى رتبة "الخالد الحقيقي " وهو وجهٌ مألوف بشكل غامض بين الشخصيات الأسطورية ، قبل أن يركز نظره على الإمبراطور. فإذا لم يتم إخضاع هذا الرجل ، فإن كل شيء سيكون هباءً.
"آخرٌ سقط من رتبة ثمرة مسار 'خالد الأرض ' ليصبح 'خالداً حقيقياً ' ، هاه ؟ "
تردد صوت خافت فجأة بجانب الرجل حامل الرمح.
"من هذا ؟ "
تحولت نظرات الرجل إلى جليد ، والتفت بجانبه ، مضيقاً عينيه ، بينما انبثق نور إلهي خافت من عينه الجبهية.
"تساءلتُ مَن قد يكون ؛ ولم يخطر ببالي أبداً أنك ، أيها القرد ، لا تزال على قيد الحياة ، رغم كبر سنك وهذه الحالة التي آلت إليها أمورك. حيث يبدو أنك عانيت كثيراً بالفعل ".
"الأمر سيان بالنسبة لك ".
ظهر "سون ووكونغ " العجوز ، مرتدياً درع "الجوهر الذهبي برأس النمر " وممسكاً بـ "هراوة الذهب " تشع منه هالة ضارية ، وعيناه تفيضان بنية قتل لا تهدأ ، وهو يحدق بشراسة في ذي العيون الثلاث أمامه.
"أيها الملك الحقيقي 'إيرلانغ ' ، يانغ جيان ، لقد مر وقت طويل جداً منذ أن التقيت بمعرفة قديمة. حيث يبدو أنك كنت تنوي الارتقاء إلى الضفة الأخرى ، لكنك تكبدت ألماً عظيماً في هذا الطريق حتى إن ثمرة مسار 'خالد الأرض ' الخاصة بك قد سقطت ".
ما أدهش "سون ووكونغ " هو أن هؤلاء القوم قد استخدموا بطريقة ما "تقنية سرية " لكي لا تتآكل ثمرة الـ "تاو " الخاصة بهم من قِبل آلهة الشر في العالم الحقيقي ، وكأن بروتوكولاً قد أُدرج داخل فيروس ، متجاوزاً تدخلات الآلهة الشريرة ، ومتضمناً في طياته خبثاً دفيناً. ومن الواضح أنه خلال تلك السنين الطويلة ، ولكي يحافظوا على ثمرة الـ "تاو " خضعوا تدريجياً لعملية تماهٍ مع قوة آلهة الشر في العالم الحقيقي.
ظل وجه "يانغ جيان " هادئاً ، ونظرته تحمل عداءً بارداً.
"أنت تدهشني حقاً ، أن تعاني من قسوة الزمان وتجد رغم ذلك فرصة للهروب ، وتستعيد حيوية الحياة الثانية ببنية 'القرد الروحي ' ".
رد "سون ووكونغ " ببرود "بالطبع ، يجب أن أعيش جيداً. كل ما عانيته سأرده لك كيل بمكيال ، سأصلخ جلدك طبقة ، وآكل قلبك ، وألتهم روحك الجوهرية! "
وبينما اشتبك "سون ووكونغ " و "يانغ جيان " في لحظتها ، اخترقت أشعة ضوئية لا حصر لها منطلقة من الأرض الغلاف الجوي ، لتصيب "القصر السماوي " مباشرة. وفي طرفة عين ، غرق القصر في سماء تملؤها الانفجارات.
"تبدو غير مبالٍ تماماً ".
لم يهاجم "لو رين " إمبراطور اليشم على الفور ؛ ففي مستواهما الحالي ، يتطلب تحقيق النصر وقتاً وجهداً كبيرين. وما كان بوسع "لو رين " فعله حالياً هو تأخير الإمبراطور بينما يقوم سراً بتفعيل تمثال طيني تشكّل من "طاقة التمني " ليوجه "جوهر طاقة الأرض الثقيلة " في هجوم مباغت.
"مجرد قطع أثرية بشرية ، لا تعدو كونها ألعاباً نارية ".
أجاب إمبراطور اليشم بتمهل. وبما أن "لو رين " لم يندفع ، فقد راقه ذلك ففي العالم المجهول حيث تغيب الآلية الروحية ، لا شيء يمكنه التعويض. ولولا تضحية "تيان بينغ " بالنفس لصنع منارة ، لكان الأمر قد تطلب تكلفة باهظة.
كان "لو رين " يراقب "إمبراطور اليشم " وهو يلتهم بنهم "الآلية الروحية للسماء والأرض " المحيطة ، بالإضافة إلى كل أنواع القوى حتى طبقة المادة المظلمة. لم يتفاجأ "لو رين " بل ارتسمت ابتسامة خافتة على وجهه وهو يقول "يبدو أنك كنت تتضور جوعاً. أتساءل إن كان إمبراطور اليشم قد اكتشف شيئاً في ذلك العالم المجهول ".
تنهد إمبراطور اليشم متأسفاً "في نهاية المطاف ، القوة ليست كافية. لو كان هناك 'خالد سماوي ' ليتولى الأمر ، ربما كان هناك بصيص من الأمل. للأسف ، ذلك الطريق محفوف بالمخاطر. وحتى مع وجود القصر السماوي ، فهو مجرد... مم ؟! "
قبل أن يكمل حديثه ، ظهرت فجأة هالة صفراء باهتة خلفه ، تشبه مجسات متشابكة ، عانقته في لحظتها. وفي تلك الأثناء ، تدفق "جوهر طاقة الأرض الثقيلة " بعنف نحو المجسات ، مشكلاً قيداً محكماً.
لم يضطرب إمبراطور اليشم في أدنى قدر ؛ بل استشعر الأمر بهدوء ، وبدا عليه شيء من الدهشة وهو يقول "هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها ساحراً يكثف 'طاقة التمني ' ويحوله إلى تمثال ".
"هناك أشياء كثيرة لا تعلمها ؛ فالزمان يمضي قُدماً ، أيها العجوز ".
وبينما كان "لو رين " يتلاعب بالتمثال الطيني سراً ، ومع لحظة انطباق قيد الإمبراطور كان قد رفع قبضته بالفعل. ومع تدفق الطاقة والدم بغزارة ، كأنها فرن معلق بين السماوات والفضاء النجمي ، كادت الحرارة العالية المرعبة أن تلتوي بالفضاء.
رفع قبضته وهوى بها ، مجرجراً خلفه سيلاً من عشرات الآلاف من صواعق الرعد في عرض السماء. و لقد غيرت قوة هذه اللكمة الظواهر السماوية للكون بأسره. حتى "يانغ جيان " و "سون ووكونغ " المنهمكين في قتالهما من بعيد لم يملكا إلا أن يتوقفا مؤقتاً ، ليحولوا أنظارهم ويركزوا على القبضة التي سددها "لو رين " نحو إمبراطور اليشم.