الفصل 250: الفصل 249 مدينة جولييو
بعد المضي قُدماً وتجاوز "غشاء اليانغ " تجلت أمام الأعين مدينةٌ مهيبةٌ على نحوٍ استثنائي ، بأسوارٍ يتجاوز ارتفاعها الأربعين متراً ، وبواباتٍ ضخمةٍ مزدوجة المسار ، يبلغ عرض كل منها قرابة عشرة أمتار ؛ ممرٌ للدخول وآخر للخروج. وبنظرةٍ فاحصةٍ ، بدا أن سمك الممر المؤدي إلى داخل المدينة لا يقل عن ثلاثين متراً.
كانت المدينة أبعد ما يكون عن المقارنة بمدينة "تشينتاي " فقد غطت أسوارها نقوشٌ غريبةٌ لتشكيلاتٍ هندسيةٍ سحرية ، تسري عبرها طاقةٌ غير طبيعيةٍ في مسارٍ دوريٍّ محدد ؛ إذ تعمل كل دورةٍ كاملةٍ على امتصاص الطاقة الحرة من الهواء ودمجها في كيان الأسوار. وما أثار دهشة "لو رين " هو أن تلك النقوش بدت مصممةً خصيصاً لإنشاء ممرٍ إلى "العالم السفلي " حيث تقتات على امتصاص طاقة "الين ".
في ذلك الحين ، ذكر "تساو جينغ دي " أن سيداً في فنون التعاويذ وحده هو القادر على نقش مصفوفةٍ بهذا القدر من القوة ، تحمل طاقةً غير طبيعيةٍ لتطويق المدينة بأكملها والحيلولة دون غزو الكيانات الشريرة.
وفي ظل النظرات المستغربة من المارة الداخلين والخارجين ، بدا أنهم يعجزون عن فهم سبب تجول "لو رين " بملابسه القصيرة.
- "همف ، لا بد أنه يتسكع هنا ليستعرض عضلاته فحسب ".
لاحظ شابٌ يرتدي ملابس النبلاء "لو رين " وهو يقف عند بوابة المدينة دون حراك ، وبدا عليه الضيق "هؤلاء المقاتلون دائماً على هذه الشاكلة ؛ يتباهون بأجسادهم وكأنهم في استعراضٍ دائم ".
رمقه "لو رين " بنظرةٍ خاطفة ، ورغم هدوئها الشديد إلا أنها أورثت الشاب شعوراً طاغياً بالانقباض حتى حبس أنفاسه للحظات. وما إن صرف "لو رين " نظره عنه ودخل المدينة حتى تلاشى ذلك الشعور الثقيل تدريجياً. و بدأ الشاب يتنفس بصعوبة ، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذهول ، بينما غمر العرق ظهره وجبهته دون إرادةٍ منه.
همس رفيقٌ له كان أكثر سمنةً ، ضاحكاً بنعومة "يا أخا تشين ، لقد حذرتك من استفزاز هؤلاء المقاتلين. فهؤلاء القوم لم يقرؤوا الكتب كثيراً ، وإن حالفك الحظ وأثرت غضبهم ، فربمن لن يستمعوا لصوت العقل ".
أراد السيد "تشين " أن يرد ، ففتح فاه ، لكنه آثر الصمت في نهاية المطاف.
كانت هذه المدينة العظيمة تُدعى "جولييو " بشوارع تتسع لثماني عرباتٍ تسير جنباً إلى جنب ، مع تخصيص مساراتٍ للمشاة. وفي تلك الشوارع ذات الاتجاهين كانت العربات والوحوش الغريبة محملةً بالبضائع الثقيلة ، بينما يتبختر التجار بحليّهم القادمة من أصقاعٍ بعيدة ، محدثين صخباً مستمراً من رنينٍ وقرقعة.
وما إن ظهر "لو رين " حتى جذب أنظار الجميع ؛ فقد كان طوله يناهز المترين وثلاثين سنتيمتراً ، بجسده الضخم المكتنز بالعضلات الذي يشبه حصناً مدرعاً. حيث كان وجوده وحده كفيلاً بأن يفرض هيبته على الجميع.
سار مباشرةً إلى متجر ملابس قريب ، واستخرج بزاقه ذهبية من حقيبته.
- "هل تقبل هذا ؟ أريد شراء بعض الملابس ".
صاحب المتجر الذي أصابه الذعر في البداية ، تبدلت حاله فور رؤية بزاقه الذهب في يد "لو رين " إذ لمعت عيناه ببريق الطمع. اقترب مسرعاً بابتسامةٍ متملقة ، وأخذ البزاقه وهو يعضها للتأكد من سلامتها ، ثم أخذ ينحني بإكبار قائلاً "سيدي ، تفضل بالدخول وألقِ نظرة. سأقوم بأخذ قياساتك لأحيك لك ملابس تليق بك ، وأضمنك أن تنال رضاك! "
بعد ساعة ، خرج "لو رين " من المتجر مرتدياً زياً أسود ، وقد جعلت بنيته الجسديه من الثوب قطعةً فائقة الأناقة. رمق رجلاً يمر بجانبه كان يرتدي هو الآخر ملابس قصيرة ويشع هالةً شرسة ، فغرق في تفكيره ؛ فلا عجب إذن أن الجنود المدربين عند البوابة لم يلقوا له بالاً واكتفوا بنظراتٍ عابرة.
فبعد الخروج من "العالم السفلي " وقطع مسافة ثلاثين كيلومتراً عبر "غشاء اليانغ " لو كان "لو رين " كياناً شريراً حقاً ، لما استطاعوا التعامل معه. ولا عجب أنه لم يخضع للاستجواب ؛ إذ يبدو أن "سلالة داكيان " متساهلةٌ للغاية في إجراءات التسجيل عند الدخول والخروج.
علاوةً على ذلك بدا تخطيط مدينة "جولييو " عقلانياً للغاية ، حيث وُضعت الأراضي الزراعية في منطقةٍ داخليةٍ قريبةٍ من بوابة المدينة لسهولة الوصول إليها ، مع فصلٍ تامٍ بين المناطق التجارية والسكنية. حتى نظام الصرف الصحي صُمم ببراعة ، مستخدماً الأنهار قوةً دافعةً لتحقيق دورةٍ مائيةٍ متكاملة.
هذه المدينة العظيمة ممتازةٌ بحق ، ومن المفترض ألا تواجه غزواً من "العالم السفلي " فلو حدث ذلك لكانت كارثةً محققة. و علاوةً على ذلك استشعر "لو رين " وجود طاقاتٍ قويةٍ تألق وتخبو في أرجاء المدينة ، فقوة "سلالة داكيان " القتالية تتفوق بلا شك على "تشينليو " بثلاث أو أربع درجات.
يبدو أن "مرساة الأبعاد " في النظام تتطلب وقتاً طويلاً للمعايرة قبل أن يتمكن من العودة. وبما أنه قرر البقاء هنا لبعض الوقت ، فقد بحث "لو رين " عن وسيطٍ عقاري ؛ فمن خلال تجربته في المتجر ، أدرك أن حقيبة الذهب التي يحملها ذات قيمةٍ طائلة.
قدم الوسيط نفسه بتهذيب ثم سأل "سيدي ، هل لي أن أعرف رقم تسجيلك ؟ "
- "لا أملك تسجيلاً ".
أظهر الوسيط علامات القلق "حسناً ، بدون تسجيل ، سيكون شراء عقار أمراً مستحيلاً. فلا بد من تصديق سند الملكية من الحكومة وتدوينه ليصبح ساري المفعول ، وإلا فلو اشتريته بمالك ، قد يغير المالك رأيه فجأةً ويدعي أنك استوليت على ممتلكاته قهراً ، ولن تجد حينها ما تدافع به عن حقك حتى بوجود العقد ".
بمجرد أن رأى "لو رين " تعابير وجه الوسيط ، أدرك النية. أخرج بهدوء بزاقه ذهبية تزن قرابة خمسة "تايل " من جيبه "هل يمكنك تدبر الأمر لي ؟ وإن تم التسجيل ، فهذه البزاقه ستكون من نصيبك ".
كادت عينا الوسيط أن تخرجا من محجريهما من فرط المفاجأة ، وراحتا تتوهجان بلونٍ أخضر ، بينما ارتجف صوته "اطمئن يا سيدي ، لديّ بعض القنوات لتسهيل إجراءات التسجيل ، لكن الأمر قد يسبب لك قليلاً من الإزعاج ".
رفع "لو رين " حاجبه "وما هو ؟ "
لم يتردد الوسيط في إظهار رغبته في المال ، وبعد أن تأكد بحذرٍ من الذهب أمامه ، قال بحرج "اسمي وانغ تشيهوان ، ولدي أقارب بعيدون كثر ، لكن معظمهم قضى في كارثةٍ منذ ثلاثين عاماً أثناء غزو 'العالم السفلي '. وفي خضم الفوضى ، اعتُبر أغلبهم في عداد المفقودين ، وصاروا لاجئين. لحسن الحظ ، بقيت سجلاتهم مقيدةً في سجلات الحكومة ".
"لديّ ابن أخٍ يُدعى وانغ فينغ ، وهو في مثل عمرك تقريباً. و إذا لم يكن لديك مانع ، يا سيدي... "
لم يكمل "وانغ تشيهوان " جملته ، لكن "لو رين " فهم مراده ، فأومأ برأسه قائلاً "ما دمت سأحصل على التسجيل ، فلا يهم ".
أومأ "وانغ تشيهوان " مراراً "هل للسيد 'لو ' مكانٌ يأوي إليه ؟ لديّ فناءٌ صغيرٌ في الخلف مجهزٌ جيداً. و إذا لم تكن تمانع ، يمكنك المبيت فيه. فقد أغلقت الدوائر الحكومية أبوابها ، وسنذهب معاً في صباح الغد ".
أومأ "لو رين " قائلاً "حسناً ".
أدرك "وانغ تشيهوان " أن الصفقة الكبرى قد تمت الآن بعد موافقة "لو رين " فأمر خادماً بجواره بطلب مأدبةٍ من المطعم المجاور ، ثم قاد "لو رين " إلى فناءٍ قريب.
- "استرح الآن يا سيدي ، ولن أزعجك بعد الآن ".
كان "وانغ تشيهوان " لبقاً ، فانسحب تاركاً "لو رين " ليتفحص الغرفة ؛ كانت الأغطية جديدة ، وتفوح منها رائحة أعشابٍ مهدئةٍ للنفس ، ويبدو أنه قد جعلها غرفة ضيافته. أما الحمام ، فكان منفصلاً ومزوداً ببلاطٍ صقيل ، مع حفرةٍ مدمجةٍ تتصل مباشرةً بنظام الصرف الصحي.
نظر "لو رين " بإعجاب ، مفكراً في أنه رغم كونهم مجتمعاً إقطاعياً قديماً إلا أن مرافق المعيشة لديهم -بعد سنواتٍ لا تحصى من التطور- كانت متقنةً للغاية ، ورغم أنها لا تقارن بالمجتمع الحديث إلا أنها وفرت قدراً كبيراً من الراحة.